
من مسرحية “العمى” السورية المستوحاة من رواية ساراماغو (خدمة الفرقة)
ملخص
اتخذ الفنان نورس عثمان رواية “العمى” موضوعاً لعرضه المقتبس عن رائعة الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922-2010)، ومرر المخرج والكريوغراف الفلسطيني – بمهارة لافتة – إسقاطات على اللحظة السورية الراهنة.
ينجز المخرج نورس عثمان تجربته الجديدة في المسرح الجسدي، عاقداً شراكته الأولى مع 10 مؤديين محترفين، عايشوا أدوارهم من خلال عبارات حركية، وأظهروا طاقة تعبيرية، خصوصاً في تجسيد مناخ العزل الصحي والإذعان لأوامر السلطة.
وجاء هذا تجسيداً لظروف يسودها الجوع والاغتصاب والخوف من مصير مجهول، إذ تقرر السلطات في بلاد (لا تسميها الرواية ومثلها العرض) إجراء حجر صحي على عشرات من المصابين الأوائل بالعمى الأبيض. الداء الذي تفشى بعد إصابة رجل بعمى غريب في أثناء قيادته لسيارته، يجعله يرى الوجود أبيض كبحر من حليب. وحدها زوجة الطبيب (لانا علوش) تقرر ادعاء العمى لترافق زوجها (إيليا العبدة) ضمن عنابر العميان، وهناك تشاهد المرأة الشابة كيف تنهار القيم بعد سيطرة عصابات من المكفوفين، على موارد الطعام والماء والمدخرات في مقابل استغلال عميان آخرين جنسياً والتحكم بمصائرهم.
تتكرر هنا كلمة انتباه بنبرة تحذيرية صارمة توجهها رئيسة العنبر (ندى حمزة)، إذ تنفذ المرأة رغبة الحكومة في ما تراه واجبها الحق لحماية الشعب، كما تقول. يأتي ذلك بكل الوسائل الممكنة في ظل أزمة تدفع مجموعة من فاقدي البصر للوقوع في غياهب الحجر الدموي، وتبين السلطة عبر بيانها المقتضب أنها بصدد مواجهة مرض معد يعرف موقتاً بالعمى الأبيض. ولهذا يأتي قرار تجميع كل من أصيبوا بالمرض في مكان واحد، لم يكن هذا الإجراء ارتجالياً بالنسبة إلى حكومة تعي جيداً مسؤولياتها، وتأمل ممن تخاطبهم كمواطنين، لا شك في سلامة مواطنتهم، الإصغاء إلى جملة من التعليمات.
يتلى بعدها سيل من التعليمات الصارمة على المحتجزين الـ10، لعل أبرزها أن مصابيح العنبر لن تطفأ لا ليلاً ولا نهاراً، إذ لا فائدة من إطفائها لأن المفاتيح الكهربائية لا تعمل. والخروج من مقر الاحتجاز بإذن أو من دونه يعني الموت الفوري، وهناك هاتف في كل جناح، يستخدم فقط لطلب الحاجيات الضرورية.
عنبر الإحتجاز
في هذا المناخ الكالح كان على المحتجزين غسل ثيابهم بأنفسهم، وانتخاب ممثلين لهم عن كل جناح. أما صناديق الطعام فوضعت للمرضى ثلاث مرات يومياً أمام الباب الرئيس للعنبر، إضافة إلى أنه يجب أن تتم عملية إحراق المخلفات في الفناء الخلفي. ثم أنه لن يتم استدعاء أي تدخل خارجي في حال حصول أي فوضى أو أي اعتداء، وفي حالات الوفاة، مهما كان السبب، على المرضى دفن جثث رفاقهم بأنفسهم.
تتكرر هذه التعليمات يومياً من أجل الوافدين الجدد، إلى ما يشبه مستشفى للأمراض العقلية، وتأمل السلطة من جميع المحجورين رجالاً ونساء أن يكونوا متعاونين معها. صوت صعقات كهربائية يدمجه المخرج هنا مع أصوات مضخمة إلكترونياً. ارتطام الأجساد المغلولة إلى سديمها الحليبي يزيد الأمر سوءاً، لا سيما بعد انفلات الغرائز في ظل تدهور النظام العام واستفحال الجريمة.
أنفاس المرضى في تصاعد وكذلك حالاتهم الجسدية المزرية، فيما لا تلبث مشرفة العنبر من تلقي مكالمات هاتفية من فوق منصتها العالية (تمثيل للسلطة في غيبها)، فترد بنبرة جازمة وسريعة على المتصل: “نعم، حاضر، أنت الصح ونحن الغلط. طبعاً سيدي، صرمايتك على راسنا جميعاً. نعم، كلهم تحت السيطرة. حاضر، أمرك، حاضر”. عبارات يتلوها هبوط المرأة بحركة سادية من فوق ركنها العالي، لتشرف بعدها على درس رياضة قسري للمحتجزين، وبإيعازات أقرب إلى أوامر عسكرية: “واحد اثنان، واحد اثنان”.
تصف المشرفة على حفلة التعذيب هذه بأمثولة “العقل السليم في الجسم السليم”، تماماً مثلما يورد ساراماغو (نوبل للآداب- 1998) في روايته: “أن أحد النزلاء العميان قام الأطباء باستئصال الزائدة الدودية له كي يموت موتاً معافى”! لا مسافات هنا بين ليل ونهار، أو بين صبح ومساء. الزمن نعرفه فقط من ذهاب نزلاء هذا الجحيم وإيابهم بين أسرتهم المتخيلة وباب العنبر الحديدي لاستلام وجباتهم الفاسدة، هم هنا أقرب إلى حيوانات أحالها فقدان البصر إلى مسوخ بشرية ضالة. يتدافعون ويتقافزون، ثم يرتمون أرضاً في حركة لولبية قاسية. يتلقون الأوامر والسياط والصعق بالكهرباء، يأكلون ويشربون ثم يتقيؤون ما أكلوه على الفور.
أفعال يكررها المؤدون في حالة من هياج وتدافع عنيفين في ما بينهم، ثمة امرأة بنظارة سوداء (تالا نيسانه)، شخصية تجسد البعد النفسي لما كتبه الأديب البرتغالي، جسد ينتفض ويتوتر ويصطدم بقوة بحديد الباب الخارجي للمكان. وقع ارتطام المرأة اليائسة بقضبان الحديد يوظفه مخرج العرض في لحظات من الذروة الدرامية، ثم يقطعه صوت المرأة المشرفة مجدداً التي تعود للتذكير بقائمة تعليمات الحكومة.
إغتصاب وصراخ
تدور كل هذه الأحداث وسط أجواء ثقيلة الوقع، فلا يلبث أن يتخلى الإنسان عن إنسانيته في هذا الظرف المريع. نساء عمياوات يهربن من الاغتصاب والتحرش، وأخريات يصرخن في الظلام عن مخرج لهن من هذا السعير. رجال ينتفخون في الرطوبة والظل، لكن الخارج لم يعد خارجاً – يصيح نزيل (ليث الشيخ) وهو يضرب أرضية الخشبة بجسده المذعور، ويضيف: “المدينة التي تعرفونها اختفت، كأن أحداً مسحها بيد عملاقة، وترك مكانها فوضى بيضاء لا شكل لها”.
ويقفز أعمى آخر (حيان بدور) فيقول: “الناس يصرخون في الطرقات، يصرخون على أشياء لا يعرفونها، ويخافون من أشياء لا يرونها. عبارات يتلوها ما يشبه استغاثة لأعمى ثالث (سيمون الحناوي) يندفع بتهور نحو مقدمة الخشبة ثم ينشج متألماً: “سمعت أناساً يتقاتلون على كسرة خبز يابسة، على أي شيء يمكن أن يبقيهم على قيد الحياة يوماً آخر”.
يصور العرض السوري مقاطع من خاتمة الرواية البرتغالية عبر مونولوغ لامرأة عمياء (هايدي جمول): “الجثث في الطرقات كأنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الطريق نفسه، لدرجة أنك لا تستطيع التمييز بينها وبين الطريق”. في حين يهتف أعمى آخر (صفوت الجمال) وهو مستلق في زاوية الخشبة (مسرح سعد الله ونوس)، محاولاً خلع بنطاله دونما جدوى: “ذلك الراديو آخر ما سمعته منه كان صوتاً متقطعاً، وكأنه كان يريد أن يقول شيئاً، ولكنني لم أستطع فهمه، الخارج لم يعد مكاناً صالحاً للعيش”.
هنا تندلع نوبة هستيريا تصيب الجميع في مواجهة هذه الديستوبيا (المدينة الفاسدة)، ويعود صوت ارتطام جسد المرأة النحيل بقضبان باب المهجع الحديدي ليعلو في المكان، أصوات بشرية مبهمة تتضافر مع مقطوعة محدثة على الغيتار والبيانو لأمير البزق محمد عبدالكريم. المعزوفة التي كانت معتمدة كافتتاحية لبدء بث إذاعة دمشق حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ستهدينا دونما إبطاء إلى المكان الذي تجري فيه أحداث العرض. إيماءات تناول السجناء لأرغفة الخبز بالأسنان والأفواه يقاطعها مجدداً صوت جهاز إنذار يدوي في المكان، فتدخل المشرفة الغريبة الأطوار مجدداً على عنبر العميان بصرخة أكثر حزماً: “انتباه، انتباه”.
يتخلى المخرج نورس عثمان برفقة مساعده الفنان حسن كحلوس عن التواصل بالحوار مع الجمهور، بل يذهب إلى الحركة لا كوصيفة للدراما، بل هي هنا الدراما ذاتها، فأي أثر للصراع لا يتجلى إلا من خلال اللعب مع الجسد حراً من أي مصادرات اجتماعية أو ثقافية. ليس الرقص بل مسارات متقاطعة لأجساد المؤدين والمؤديات. حركة دائبة ومدروسة إيقاعياً لا يلبث أن يناور معها الضوء (حسن حسام الدين). لعبة لا تتنازل عن شرطها الجمالي مقابل توريط المتفرج في جحيم يحدث أمامه، بل على بعد أمتار قليلة من كرسيه في الصالة.
أنفاس وحشرجات متصاعدة، ومعايشة لحظة بلحظة للعالم الداخلي للممثل، إذ لا فكاك من هذه الفرجة الباذخة. كثافة نفسية لافتة يعكسها الأداء بدت أقرب إلى مواجهة مفتوحة مع أدوات القمع، لكنها في العمق هروب من الرقابة، ومعالجة تنتقد بصورة لاذعة غياب البصيرة ودوران آلة الاستبداد من جديد، إذ تفوق سرعة الظلام هنا سرعة انتشار الضوء، فيرينا العرض كيف يتحول الإنسان إلى كائن حسي يغرق في شهواته ووحشيته تحت ماكينة العسف وجور التسلط المفرط. عماء لا عمى، وانخطاف يقارب الواقع عبر بطولة الجسد وفصاحته لنبش المسكوت عنه، ووضعه تحت الضوء من دون أي تجميل أو رتوش.