ثمّة فارق بين أن تخوض قوّة سياسيّة سجالاً مع السلطة، وبين أن تعيد هذه القوّة تعريف السلطة باعتبارها جزءاً من مشروع العدوّ. ليس الفارق لغويّاً ولا سياسيّاً فحسب، بل هو فارق يمسّ فكرة الدولة من جذورها. حين يقول الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم إنّ السلطة السياسيّة في لبنان استُخدمت “أداةً إسرائيليّة”، وإنّ رئيس الجمهوريّة جوزف عون خرج من موقع الحكم الجامع ليصبح طرفاً، لا يعود الخلاف على الخيارات، بل على شرعيّة الدولة نفسها.
لا تكمن خطورة خطاب الشيخ قاسم في كونه انتقاداً حادّاً للسلطة السياسيّة اللبنانيّة، إنّما في النقلة الفكريّة التي ينطوي عليها، حين تصبح السلطة نفسها جزءاً من رواية مضادّة للوطن ـ الدولة. هذه ليست المرّة الأولى التي يقف فيها لبنان أمام ازدواجيّة المرجعيّات، لكنّها من المرّات النادرة التي يبلغ فيها الخطاب هذا المستوى في نزع الوطنيّة عن المؤسّسات الدستوريّة، وإعادة توزيعها على ميزان آخر: ميزان تُقاس فيه الشرعيّة بمدى التطابق مع مشروع “المقاومة”، لا بمدى التزام الدستور.
من الخصومة السّياسيّة إلى إلغاء الشّريك
الأخطر في خطاب قاسم أنّه لم يكتفِ بتوصيف السلطة باعتبارها مخطئة، بل وضعها في خانة الخصومة الوطنيّة. وفي السياسة، ثمّة مسافة هائلة بين خصم سياسيّ وخصم وطنيّ. الأولى تُنتج تداولاً في السلطة، وأمّا الثانية فتُنتج إلغاءً للشريك، لأنّ من يعمل لمصلحة إسرائيل لا يُحاوَر، بل يُدان.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس دفاعاً عن سلطة أو عن رئيس جمهوريّة، بل دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها: إذا كانت كلّ مؤسّسة لا تتبنّى خيارات المقاومة تتحوّل تلقائيّاً إلى أداة إسرائيليّة، فما الذي يبقى من معنى الانتخابات؟ ما الذي يبقى من قيمة المؤسّسات؟ ما الذي يبقى من وظيفة الدولة سوى أن تصبح جهازاً إداريّاً يصدّق على ما تقرّره قوّة السلاح؟
في التجارب السياسيّة الحديثة، لم تُنشأ الدولة لكي تنافس الجماعات على الشرعيّة، بل لكي تنهي تنازع الشرعيّات أصلاً. كانت وظيفتها أن تنقل المجتمع من منطق الولاءات المتعدّدة إلى مرجعيّة عامّة يتساوى أمامها المختلفون.
حين تصبح السّيادة قراراً خارجيّاً
في معرض حديثه عن وقف العدوان الإسرائيليّ، قدّم الأمين العامّ لـ”الحزب” رواية أخرى لا تقلّ دلالة، حين اعتبر أنّ الذي أوقف الحرب لم يكن المسار التفاوضيّ الذي انخرط فيه لبنان، بل التفاهم الأميركيّ – الإيرانيّ. قد يكون هذا التقدير قريباً من حقيقة موازين القوى الإقليميّة، لكنّه، في الوقت نفسه، ينسف كلّ حديث عن سيادة القرار اللبنانيّ. فإذا كان الخارج هو الذي يقرّر بداية الحرب ونهايتها، فما الذي يبقى من الدولة سوى وظيفة بروتوكوليّة؟
ليست السيادة، في نهاية المطاف، شعاراً يُرفع، بل قدرة الدولة على أن تكون صاحبة قرارها، لا ساحة تتقاطع فوقها قرارات الآخرين. والخطاب الذي ينتقد السلطة اللبنانيّة لأنّها تفاوضت، يعترف، في الوقت نفسه، بأنّ الحسم لم يكن لبنانيّاً. وهكذا يصبح التفاوض بلا أثر، والدولة بلا فاعليّة، والسياسة الداخليّة صدى لتفاهمات أوسع منها.
غير أنّ الأخطر من ذلك هو ما يترتّب على الوعي العامّ. حين يقتنع المجتمع بأنّ مصيره تحدّده تفاهمات الآخرين، يفقد ثقته بجدوى مؤسّساته، ويتحوّل الانتماء إلى الدولة من رابطة سياسيّة إلى انتماء إداريّ. عندئذٍ لا يعود السؤال: كيف نبني دولة أقوى؟ بل يصبح: إلى أيّ محور ينبغي أن ننتمي؟
لا تسقط الدول دائماً تحت وطأة الجيوش، بل قد تسقط حين يتراجع الإيمان بها بوصفها الفضاء المشترك الوحيد للمواطنين.
حين تصبح المفاهيم ملكاً لمحور
لم يكن أقلّ دلالة ما أورده الشيخ قاسم عن العلاقة بين “الحزب” وحركة “أمل” حين اعتبر أنّ منها تنبع نظريّة “الشعب والمقاومة”، وأنّ هذه الثنائيّة تمثّل “الوحدة الوطنيّة” و”السيادة”. هنا ينتقل الخطاب من السياسة إلى إعادة تعريف المفاهيم. فالوحدة الوطنية، في معناها الدستوريّ، ليست تحالفاً بين فريقين مهما بلغت قوّتهما، بل عقد بين جميع اللبنانيّين. والسيادة ليست هويّة محور، بل ملكيّة الدولة وحدها.
إنّ اختزال “الوحدة الوطنيّة” في محور سياسيّ، مهما اتّسعت قاعدته، يحمل في طيّاته انقلاباً هادئاً على فكرة الجمهوريّة. فالجمهوريّة لا تقوم على وحدة المتشابهين، بل على إدارة اختلاف المختلفين. وكلّ محاولة لتحويل فريق سياسيّ إلى مرادف للوطن، تنتهي، تاريخيّاً، إلى تحويل الوطن نفسه إلى ساحة انقسام دائم.
لا يحدث هذا التحوّل دفعة واحدة، بل يبدأ باللغة. إذ تتحوّل المفاهيم الجامعة إلى مفاهيم حصريّة، وتنتقل الكلمات من فضائها الدستوريّ إلى فضائها التعبويّ، فتصبح “السيادة” وصفاً لفريق، و”الوحدة الوطنيّة” اسماً لتحالف، و”الشعب” عنواناً لجزء من الشعب. وعندها تفقد اللغة حيادها، وتصبح السياسة سجالاً في امتلاك الكلمات قبل امتلاك الوقائع.
حين تتعدّد الولاءات تُؤجّل الدّولة
الشيخ قاسم الذي قطع مع كلّ مختلف لبنانيّ مع محوره وعنه، تمنّى لسوريا، الهارب منها بعد سقوط نظام بشّار الأسد، النجاح في بسط العدل وتعاون كلّ مكوّناتها، بعدما كان حزبه بالموقف والعديد والعتاد ينصر فريقاً حاكماً على الشعب الثائر على الظلم.
ثمّ جاءت التحيّة التي خصّ بها الأمين العامّ لـ”الحزب” الحشد الشعبي والفصائل العراقيّة والحوثيّين في اليمن لتكشف البعد الإقليميّ الكامل للخطاب. فهذه ليست عبارات تضامن، بل إعلان انتماء إلى جغرافيا سياسيّة تتجاوز حدود الدولة الوطنيّة. غير أنّ السؤال يبقى مشروعاً: كيف يصبح الهجوم على دول عربيّة جزءاً من معادلة “المقاومة”؟
دفع لبنان، طوال نصف قرن، أثمان تعدّد مراكز القرار. وكانت الحروب كلّها، بأشكال مختلفة، تدور حول سؤال واحد: من يملك حق تعريف المصلحة الوطنيّة؟
لم ينجح اللبنانيّون في تقديم جواب نهائيّ لأنّ كلّ فريق كان يرى نفسه الدولة حين يقوى، ويرى الدولة خصماً حين تختلف معه.
ليس المطلوب أن تتخلّى “المقاومة” عن قناعاتها، ولا أن تتوقّف السلطة عن ممارسة صلاحيّاتها، بل أن يتّفق الجميع على حقيقة واحدة: لا وطن إذا أصبحت الوطنيّة حكراً على فريق، ولا دولة إذا أصبح كلّ خلاف مع السلطة دليلاً على الخيانة، ولا سيادة إذا بقي تعريفها موزّعاً بين العواصم والمحاور. لبنان لا يحتاج إلى رواية تنتصر على أخرى، بل إلى دولة تنتصر على الروايات جميعاً.
