يثير إعلان الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم، عن الاستعداد للقاء علنيّ مع القيادة السوريّة الجديدة، ملفّاً يتجاوز العلاقات اللبنانيّة السوريّة، ويضع تجربة “الحزب” كلّها أمام سؤال المحاسبة: كيف تحوّلت القوى التي بادر “الحزب” إلى خوض حربٍ طويلةٍ ضدّها، ووصفها بأشدّ الأوصاف الدينيّة والأخلاقيّة، إلى قيادة يمكن الحوار معها والتعاون على أساس المصالح المشتركة؟
لا يخلو تاريخ الدول والقوى المتصارعة من تجارب التفاوض بعد الحروب، أو الجلوس معاً عندما تتغيّر الظروف. فالمجتمعات لا تستطيع العيش إلى الأبد داخل ثاراتها القديمة. هذا مفهوم وبديهيّ. أمّا التحوّل في حالة “الحزب” فيستوجب تفسيراً يوازي حجم الدم والدمار الذي سبقه.
للتذكير، أنّ “الحزب” هو من بادر إلى الحرب في سوريا، منتحلاً عناوين كبرى، بدأت بحماية المقامات، ثمّ الدفاع عن القرى الحدوديّة، ثمّ منع “شاقّي الصدور وآكلي القلوب” من الإمساك بسوريا. وفي الختام أقرّ بأنّ خياره هو منع سقوط نظام الأسد وإجهاض مشروع إقليميّ يستهدف ما يسمّى المقاومة ومحورها.
لم تُقدَّم هذه العناوين في حينه بوصفها تقديراً سياسيّاً يحتمل الصواب والخطأ، بل صيغت على هيئة حقائق مطلقة، واتّخذت طابعاً دينيّاً وأخلاقيّاً حاسماً. صار الاعتراض على حرب “الحزب” في سوريا ضعفاً في الوعي، والحياد تواطؤاً، والدعوة إلى الحلّ السياسيّ خدمة للمشروع الأميركيّ الإسرائيليّ التكفيريّ.
بعد أكثر من عقد، سقط الأسد، ووصلت إلى دمشق القوى التي قاتل “الحزب” لمنع وصولها. انقطع طريق الإمداد. تراجعت إيران. خسر “الحزب” قادته وجزءاً كبيراً من قوّته العسكريّة. وخرج لبنان من حرب مدمّرة خلّفت قرى مهدّمة، وآلاف القتلى والجرحى، واحتلالاً إسرائيليّاً جديداً، وانهياراً اقتصاديّاً كانت الحرب سبباً من أسبابه المباشرة.
إدانة لمشروع “الحزب”
لذلك، عندما يقف نعيم قاسم ليقول إنّ سوريا المستقرّة سند للبنان، وإنّ العلاقة الأخويّة والإيجابيّة والتعاونيّة معها ضرورة، وإنّ لقاءً علنيّاً مع قيادتها ممكن عندما يرى الطرفان أنّ الوقت مناسب، فإنّ كلماته تشكّل إدانة له ولمشروعه أكثر ممّا تعبّر عن عقلانيّة مستجدّة.
كلّ سؤال رفض “الحزب” سماعه خلال الحرب السوريّة يقضم من مصداقيّة التحوّل الذي تعبّر عنه تصريحات قاسم: لماذا استُبعد الحوار سابقاً مع الثورة السوريّة؟ لماذا اختير السلاح ردّاً وحيداً منذ البداية؟ لماذا جرى تخوين المطالبين بتسوية سياسيّة؟ لماذا أُرسل اللبنانيّون إلى حرب لم تفوّضهم بها دولتهم؟ لماذا رُبط مصير لبنان ببقاء رجل واحد ونظام واحد وطريق إمداد واحد؟
كان الحلّ السياسيّ ممكناً في مراحل متعدّدة من الأزمة السوريّة. قبل التدمير الشامل. قبل التهجير الجماعيّ. قبل دخول روسيا وإيران والميليشيات والتنظيمات الجهاديّة في حرب مفتوحة على أرض سوريا. اختار “الحزب” الحرب لأنّ ميزان القوّة بدا في مصلحته. اعتقد أنّ القدرة العسكريّة تتيح له فرض النهاية التي يريدها. تعامل مع القوّة بوصفها بديلاً عن السياسة، ومع الانتصار العسكريّ بوصفه حلّاً دائماً.
وصل “الحزب” في نهاية المطاف إلى النتيجة التي كان يمكن أن يبدأ منها: الاعتراف بالخصم، التعامل مع الواقع، البحث عن صيغة تعايش.
ما الذي بقي من خطاب حماية المقامات؟ ما الذي بقي من صورة العدوّ التكفيريّ الذي يستحيل الحوار معه؟ ما الذي بقي من الرواية التي جعلت بقاء الأسد شرطاً لحماية لبنان؟
قد يقول نعيم قاسم إنّ أحمد الشرع تغيّر، وإنّ الرجل الذي خرج من جبهة النصرة صار يتصرّف بمنطق رئيس الدولة، ولذلك أصبح الحوار معه ممكناً. حسناً! ماذا تغيّر في “الحزب” في المقابل؟ هل أخطأ حين لم يترك في الماضي أيّ مساحة لاحتمال تغيّر خصومه أو تطوّر الأزمة نحو حلّ سياسيّ؟ ألم يكن احتمال التغيير الذي يعترف به “الحزب” اليوم يستحقّ أن تُمنح له فرصة قبل أن تتحوّل سوريا إلى ركام؟
ماذا عن الموقف من التّفاوض مع إسرائيل؟
تبلغ سورياليّة تصريح قاسم ذروتها عند التدقيق في موقفه من إسرائيل. فالقيادة السوريّة التي يتهيّأ “الحزب” للقائها والتعاون معها أعلنت، قبل أيّام، أنّها تفاوض إسرائيل سعياً إلى اتّفاق أمنيّ قد يقود إلى سلام شامل. يقبل “الحزب” إذاً بناء علاقة مع سوريا التي تفاوض إسرائيل، فيما يصف تفاوض الدولة اللبنانيّة معها بأنّه عار وذلّ وتنازل. يغضّ “الحزب” الطرف عن سياسة تنتهجها سوريا ويحرّمها على لبنان، وفق حاجاته وموازين قوّته.
يفعل ذلك وهو يُلزم بلداً كاملاً بخياراته، ثمّ يغيّر تلك الخيارات من دون محاسبة، مع إبقاء الخسائر في رصيد المجتمع والدولة والناس.
ما الذي يمنع تحوّلاً مماثلاً في موقف “الحزب” من العلاقة مع إسرائيل بعد خمس سنوات أو عشر؟
قد يخرج الأمين العامّ لـ”الحزب” مستقبلاً ليقول إنّ الظروف تغيّرت، وإنّ مصلحة لبنان تفرض التفاوض المباشر، وإنّ استقرار المنطقة يحتاج إلى ترتيبات جديدة. ستبدو الكلمات حينها عاقلة وموضوعيّة، كما كلمات قاسم اليوم. وسيظلّ السؤال نفسه قائماً: لماذا حُرّمت هذه الأفكار عندما كان طرحها قادراً على توفير آلاف الأرواح؟
لم يقدّم قاسم مراجعة للحرب السوريّة، ولم يعترف بخطأ، ولم يشرح تبدّل نظرته إلى من سمّاهم تكفيريّين. ببساطة شديدة، تبدّل ميزان القوّة، فتبدّلت معه اللغة. كان “الحزب” يملك القدرة على القتال حين أعلن استحالة الحوار، ثمّ اكتشف فضائل الحوار عندما فقد القدرة على فرض شروطه بالسلاح.
“الحزب” يحتاج إلى تقديم جردة حساب عن خياراته التاريخيّة قبل طلب الثقة في خياراته المقبلة. عليه أن يشرح قرار التدخّل في سوريا، والجهة التي اتّخذته، والمصلحة اللبنانيّة التي خدمها، والكلفة التي ترتّبت عليه، والدروس المستفادة. وعليه أن يقدّم ضمانة سياسيّة ودستوريّة تمنع تكرار التجربة: إعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة، وإنهاء فكرة الجيش الموازي، والاعتراف بأنّ أيّ تقدير سياسيّ معرّض للخطأ مهما ارتدى من لغة دينيّة ووطنيّة.
لأفضل علاقات مع دمشق
المصلحة اللبنانيّة تحتاج إلى أفضل علاقة ممكنة مع دمشق. الحدود والنازحون والموقوفون والتجارة والأمن كلّها ملفّات تفرض التواصل والتعاون بين الدولة اللبنانيّة والدولة السوريّة. والمصالحة الحقيقيّة تحتاج إلى ذاكرة واضحة، وإلى فصل مستقبل البلدين عن الحروب التي خاضها حزب لبنانيّ مهزوم دفاعاً عن نظام سوريّ بائد.
كما أنّ بين الحرب الوحشيّة في الأمس واللقاء العلنيّ المقترح في المستقبل القريب، شعباً سوريّاً كاملاً دفع ثمن تلك المغامرة الدمويّة، وله الحقّ في سؤال “الحزب” عن دوره، وعن القتلى والمهجّرين وعن مساهمته الحاسمة في ترجيح كفّة نظام فعل كلّ شيء. لإخضاع السوريّين.
“حكمة” نعيم قاسم الآتية بعد كلّ هذا الخراب، من دون مراجعة حقيقيّة ومحاسبة، هي مجرّد مقدّمة محتملة لمأساة الغد.
