كثيرًا ما يستخدم كُتاب المقالات السياسية عبارة “بلغ السيل الزُبى” للدلالة على الضيق وعدم الاحتمال. وكثيرًا ما كنتُ أسأل أصدقائي الكُتّاب عن معنى الزُبى، وكان الأمر يتطلب دائمًا العودة إلى القواميس، وهو ميسور في أي حال. والزُبى هي الروابي التي لا تصلها مياه السيول. فما ضرّ لو كتبنا: بلغ السيل الرُبا؟ وكنا نقرأ في الروايات البوليسية والرومانسية التي درجت في ستينيات القرن المنصرم عبارة “عِم صباحًا” أو “عِم مساء”. واكتشفنا، بعد عمر كامل، أن أصلها “أنعمَ الله صباحك”، أي غمره بالنعمى. وقد أسقط الاستعمال النون ومعها الله فصارت “عِم صباحًا”. ومثل ذلك عبارة “لا يملك شروى نقير” التي تدل على الفقر أو الطفر. لكن من يعرف ما هو النقير؟ النقير هو الشق في نواة التمر. وكذلك عبارة “رقيق الحاشية”، أي لطيف المعشر. غير أن الحاشية هي طرف الشيء، ولا علاقة لطرف الشيء، كالثوب على سبيل المثال، بلطف المعشر إلا من باب الاستعارة أو المجاز. ويُقال “قاب قوسين أو أدنى”. غير أن “قاب” تعني حفر الأرض أو شقها، وهي تبتعد عن معنى اللفظ الذي يعني مسافة مُحدّدة.
وهناك عبارة شديدة الشيوع في الكتابات الصحافية، والقلّة من الكتاب تعرف معانيها، مثل “ذهب أدراج الرياح”، أي ذهب هباء أو بلا طائل. غير أن الأدراج تعني الطرق، والتشبيه هنا عويص. وكذلك “ألقى الحبل على غاربه”، أي ترك الأمور تسير كما تشاء. والغارب هو أعلى ظهر البعير بين السنام والرقبة، وهو ما يعني ترك الحرية للبعير لا للإنسان. ونقول “يخبط خبط عشواء”، أي دون تبصّر. والعشواء هي الناقة ضعيفة البصر التي لا ترى في الليل، أي أن فلانًا مثل البعير المصاب بحسر النظر Myopia. ونقول أيضًا: “يبلي بلاء حسنًا”، أي أجاد، أو أنه يحقق أمورًا جيدة. لكن البلاء هو المحنة أو المصيبة، وشر البلية ما يضحك. ونقول أيضًا “منازل خاوية على عروشها”، أي سقطت جُدُرها على سقوفها، فصارت خرابًا، وهو ما لا تشير إليه كلمة “خاوية” أو كلمة “عروشها”. و”غمز من قناته”، فالغمز معروف، والقناة هي الرمح. لكن العبارة تدل في بعض مقاصدها على العرج أو على التلميح بالسخرية، وشتان ما بين العبارة والدلالة. وترد دومًا عبارة “على الباغي تدور الدوائر”، أي أن مَن يظلم الناس سيرتد الظلم عليه. لكن الدوائر إما أنها الخطوط المغلقة أو أنها دوائر الدولة وإداراتها التشغيلية. فما علاقة هذا بذاك؟ ونستعمل كثيرًا عبارة “يرمي الكلام على عواهنه”، والمقصود به هو التسرع وعدم التأني. لكن العواهن هي جرائد النخل اليابسة، ومنها أيضًا العِهِن، أي الصوف الملوّن. ويُقال: يضرب أخماسًا بأسداس، أي يتأمل مليًا ويفكر. لكن الخِمس (جمعها الأخماس) هو إشراب الإبل مرة في كل خمسة أيام. أما الأسداس (مفردها سِدس) فهي إرواؤها مرة في كل ستة أيام. فأين ضرب الأخماس بالأسداس في هذا المعنى؟
من أشهر العبارات الدالة على قلة قيمة المرء عبارة “لا في العير ولا في النفير”. والعير هي القافلة، بل قافلة أبي سفيان التي أقبلت من الشام ووقعت في أيدي المسلمين. والنفير هم القوم دون العشرة، بل هم الذين نفروا مع عتبة بن ربيعة لاستنقاذ عير أبي سفيان. لكن، ما علاقة قلة المكانة بالعير والنفير، أي لا هنا ولا هناك؟ إنه المغزى لا اللغة. وعلى هذا الغرار نقول في مفتتح الكلام: “بعد التي واللتيا”. والتي هي الداهية الصغرى، واللتيا هي الداهية الكبرى، أي بعد تجاوز المصاعب أو المصائب الكبيرة والمصاعب أو المصائب الصغيرة، أو بعد تخطي السهل والصعب. وكلمة اللتيا هي تصغير لكلمة التي. ومما يعاكس المعنى قولنا “يهرف بما لا يعرف”، أي يتكلم من دون معرفة. غير أن الهرف هو الإطناب في المديح. ونقول: “استأصل شأفتهم”، أي أزال أعداءه. لكن الشأفة جرح في أسفل القدم. ونقول عن فلان إنه “ليّن العريكة”، أي سلس الخُلُق. والعريكة هي حدبة الجمل أو السنام. وكذلك عبارة “رفع عقيرته” التي نفهم منها أن فلانًا رفع صوته. لكن العقيرة هي الرِجْل المقطوعة. وأصل عبارة “كأن على رؤوسهم الطير” هو أن الغراب يقع على رأس البعير ويأخذ في التقاط الحشرات المعششة في رأسه بمنقاره. فيرتاح البعير ولا يحرك رأسه كي لا يهرب الغراب منه. والعبارة تصف جماعة من الناس يجلسون صامتين فلا ينبس الواحد منهم ببنت شفة. والنبس هو تحريك الشفتين، وبنت الشفة هي الكلام. والعبارة كلها ثقيلة، ولا بلاغة فيها أو رشاقة، ولا طائل من استعمالها اليوم بهذه الصيغة المهركلة مثل مئات العبارات التي لا يعرف مستخدموها معانيها وإن فهموا دلالاتها. وقد ذقت الأمرّين من رصد هذه العبارات، وهي كثيرة جدًا. لكن، ما الأمرّين؟ يقال: هما الهرم والفقر أو الهرم والمرض. وها نحن بشمنا وما تفنى العناقيد. ترى، مَن يعرف معنى هذا العجز في بيت المتنبي؟