صدر الكتاب بنسخته العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ضمن “سلسلة ترجمان”، في العام الماضي، بترجمة أنجزها الكاتب والمترجم المصري مصطفى قاسم، أستاذ علم اجتماع التربية والسياسات التربوية في المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية بالقاهرة، وهو يقع في 816 صفحة.
يُصنّف هذا الكتاب الأكاديمي الذي نستعرضه في مقالنا هذا، والذي يقدّم قراءة في تشكّل الرأسمالية والاقتصاد العالمي من خلال استعراض تاريخ زراعة وصناعة القطن، كواحدٍ من الأعمال المساهمة في إعادة كتابة تاريخ الرأسمالية والعولمة من منظور سلعة واحدة شكّلت عالمنا الحديث؛ وهي القطن، الذي لا يتعامل المؤلّف معه باعتباره محصولًا زراعيًا أو منتجًا صناعيًا فحسب، بل بوابة لنفوذ مركّب معقّد من القوّة والعنف والسوق، والذي يصفه المؤلّف بـ”الرأسمالية الحربية”. وهو المفهوم الأكثر تأثيرًا في الكتاب؛ باعتباره مفهومًا يعيد تسمية مرحلة تاريخية كاملة كي يلتقط طبيعتها التشغيلية؛ إذ فيها توسّع تجاري مدعوم بقوّة بحرية، واستعمار يربط الأرض بالمركز، ومصادرة موارد تُبدّل أنماط الزراعة، وعبودية تخلق كتلة عمل قابلة للجدولة، ثمّ شبكات ائتمان وتأمين ومحاسبة تجعل العنف قابلًا للحساب داخل دفاتر التجار والمموّلين الرأسماليين.
كذلك، ينظر خبراء وباحثون اقتصاديون إلى أنّ كتاب سفِن بِكَرت الذي صدرت طبعته الأولى باللغة الإنكليزية في عام 2014م، والفائز بـ”جائزة بانكروفت” المرموقة في الولايات المتّحدة لعام 2015م، يُعَدّ واحدًا من أهمّ الأعمال في دراسة صعود الرأسمالية العالمية من منظور غير تقليدي؛ إذ يضع القطن في مركز التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، لا بصفته مادّة ثانوية، بل بصفته قوّة محرّكة للتغيير الهيكلي عبر العالم. وهو ما يُسهم في إلقاء الضوء على الثمن البشري لذلك؛ الأمر الذي يحفّز على النقاشات المعاصرة حول العدالة الاجتماعية، والإرث الاستعماري في الاقتصاد السياسي.
الصعود ثمرة تحالف رأس المال والدولة والقوّة العسكرية
يرى بِكَرت أنّه لا يمكن فهم تاريخ زراعة وصناعة القطن بشكلٍ معقول بدون النظر إليه من منظور عالمي. وذلك من خلال تتبّع مسار نبتة القطن plant cotton(1)، بداية من مراكز إنتاجها الأولى في الهند والصين، مرورًا بتحوّلها إلى العمود الفقري للصناعة الأوروبية، وصولًا إلى توسّع زراعتها في الأميركيتين، حين ارتبطت ارتباطًا عضويًا بنظام العبودية وترحيل ملايين الأفارقة للعمل في مزارع العالم الجديد، ما يمكننا من قراءة تاريخ مختلف للعصور الحديثة.
يقع الكتاب في أربعة عشر فصلًا تتناول تاريخ القطن وماهيته، وكيف اكتشف الإنسان هذه النبتة قبل 5000 عام تقريبًا، ويستعرض السرديات الدينية والثقافية للقطن، وكيف اكتسب ألقه بين الحضارات المتعاقبة؛ وكيف أثّر العرب والمسلمون في نقله وتجارته إلى بلدان أوروبا، بما ينفي أساسًا أصالة هذه النبتة أوروبيًا، على اعتبار أنّ مدنًا مثل إشبيلية وقرطبة كانت تحتوي على مصانع للقطن حوالي عام 950م؛ لينتقل بعدها إلى المدن الإيطالية والفرنسية والألمانية، مع منافسة وطلب عالٍ على القطن القادم من الشرق.
عبر هذه الفصول الـ 14 يروي المؤلّف قصّة الصعود والسيطرة والانهيار لنظام عالمي فرضته أوروبا، ولا سيما المملكة المتّحدة، خلال قرنين، حين نجحت في تحويل عالم القطن القديم، الذي كان اقتصادًا مفتوحًا متعدّد المراكز، إلى إمبراطورية ذات مركز صناعي واحد وأطراف خاضعة. مبيّنًا كيف تعرّضت هذه الأطراف للعنف والمصادرة والعمل القسري، وأُجبِرت على التخلّي عن صناعاتها المحلّية والتخصّص في إنتاج القطن الخام، مقابل استهلاك المنسوجات المصنّعة في المركز.
بتحليل نقدي منهجي دقيق يقدّم بِكَرت نموذجًا تحليليًا نادرًا في كتابة التاريخ العالمي وتنوّعاته بين الاقتصاد والأنثربولوجيا والدين والسياسة والعسكرة؛ وتداخلات العِمالة والعبودية والحرب وإعادة الإعمار. قارئًا نشأة الرأسمالية والاقتصاد العالمي من زاوية غير تقليدية، رابطًا إياها في مسار الحداثة نفسها، بدون أن يغفل عن إعادة طرح أسئلة جوهرية حول الثمن الإنساني الذي قام عليه النظام الاقتصادي العالمي المعاصر.
انطلاقًا من معرفة بِكَرت واهتمامه بتاريخ الولايات المتّحدة وتاريخ الرأسمالية والعالم الحديث، ودراساته المعمّقة حول صعود البرجوازية الأميركية، فقد كرّس كتابه هذا لتفكيك السرديات الكلاسيكية التي ربطت الثورة الصناعية بالتقدّم التقني وحده، مُقترحًا بديلًا تحليليًا يرى في القطن مفتاحًا لفهم مجموعة من التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم منذ القرن الثامن عشر، متوقّفًا عند الدور المحوري الذي لعبه القطن في صعود الولايات المتّحدة خلال القرن التاسع عشر، حين شكّل النسبة الأكبر من صادراتها قبل اندلاع الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر، وأسهم في ترسيخ نفوذ سياسي واقتصادي لمُلّاك المزارع في الجنوب الأميركي. عارضًا في المقابل كيف أدّت الحرب الأهلية إلى زلزال عالمي في صناعة القطن، وهو ما كشف هشاشة النظام الاقتصادي القائم على مصدر واحد، وعِمالة قسرية.
يستفيض بِكَرت في تحليله مقدّمًا الحالة الأميركية بوصفها نموذجًا مكثّفًا لانقسام بنيوي بين شكلين من التنظيم الاقتصادي تشكّلا في الوقت نفسه داخل دولة واحدة؛ ففي الجنوب تكرّس اقتصاد زراعي واسع النطاق قائم على مزارع القطن والعبودية، حيث تركّزت الأرض ورأس المال والعمل القسري في وحدات إنتاج ضخمة موجّهة نحو التصدير، بينما شهد الشمال مسارًا مختلفًا ارتكز على التصنيع والميكنة، وتراكم رأس المال الصناعي، وتوسّع شبكة المصانع والمصارف والموانئ، فتكوّن تباين واضح بين منطقة تُنتج المادّة الخام ضمن منطق توسّعي يعتمد السيطرة على الأرض والعمل، ومنطقة تُحوّل هذه المادّة إلى سلع صناعية ذات قيمة مضافة عالية داخل إطار مؤسّسي وصناعي متطوّر.
في هذا السياق، يؤكّد صاحب “تاريخ الرأسمالية الأميركية” أنّ صعود هذه الصناعة لم يكن نتيجة “السوق الحرّة” كما تروّج الأدبيات الليبرالية. إنّما هو ثمرة تحالف وثيق بين رأس المال والدولة والقوّة العسكرية، موضّحًا ذلك ببيان أنّ الدول الأوروبية، وعلى رأسها المملكة المتّحدة، لعبت دورًا حاسمًا في حماية مصالح الصناعيين والتجار، وفرض السيطرة على طرق التجارة، وقمع المنافسين، ما جعل العنف جزءًا بنيويًا من تشكّل الرأسمالية المبكرة.
ينتقد بِكَرت هذا العنف وما أنتجه من عبودية ليس فقط في الحقول والمزارع، بل وفي المعامل أيضًا، إذ يسلّط الضوء على ظروف العمل القاسية في معامل الغزل والنسيج الأوروبية، حيث يتمّ تشغيل النساء والأطفال لساعات طويلة في بيئات خطرة وأُجور متدنية، ضمن أنظمة قانونية صارمة تجرّم الإضراب، وتقيّد حرّية العمّال، كاشفًا أنّ الأوروبيين كانوا يدفعون للحكام الأفارقة لاصطياد العبيد لهم مقابل منتجات النسيج؛ حيث كان أولئك الحكام يطلبون منتجات القطن مقابل العبيد من شبّان بلدانهم الذين يصدّرونهم إلى القارة الأوروبية ضمن تشكيل نظام اقتصادي جديد قائم على الاستيطان، والقتل، وأساطيل الحماية والصادرات البشرية، مقابل القطن ومنتجاته، بما يخدم نظرة الغرب الاستعمارية حتّى للقطن وإمبراطوريته. وفي نهاية الأمر، يصل المؤلّف إلى نتيجة صادمة هي أنّ الفارق بين “عبودية الحقول” و”عبودية المصانع” كان في الشكل لا في الجوهر.
تاريخ ملطخ بدماء العبيد والسكّان الأصليين
ابتداءً من عام 2019م، يحتفل العالم كلّ عام في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل باليوم العالمي للقطن، والذي يُعَدّ، بعد القمح، المحصول الأكثر أهمّية، لحضوره مع شتّى استخدامات الناس اليومية، غير أنّ أهمّية القطن لا تقتصر على حضوره الواسع في حياتنا اليومية، إنّما تمتدّ إلى الآثار العميقة التي تركها تاريخيًا على الاقتصاد العالمي، بوصفه أحد أساسات النهضة الصناعية في أوروبا، وصعود الولايات المتّحدة، وعاملًا أساسيًا في استعباد واضطّهاد وإفقار عشرات الملايين حول العالم، ضمن تاريخ ملطخ بدماء العبيد والسكّان الأصليين.
وفقًا للمصادر التاريخية، فإنّ نبات القطن يُعَدّ من أهمّ محاصيل الألياف البذرية النباتية في العالم. وهو معمّر، لكنّه يزرع كمحصول حولي. وقد عَرفت الحضارة الهندية القطن في القرن الخامس عشر قبل الميلاد (وربّما قبل ذلك في حضارة وادي السند)، ثمّ نُقل إلى جزيرة تيلوس (الاسم القديم لمملكة البحرين حاليًا في الخليج العربي) عام 23 ــ 79 بعد الميلاد، وزرعه العرب في حدود دولتهم وأدخلوه إلى أوروبا في القرن التاسع الميلادي. ووجد الرحالة ماجلان Magellan عند اكتشافه للبرازيل عام 1519م أنّ الأهالي يستخدمون قطن النباتات البرّية. وقد استوردت الولايات المتّحدة الأميركية بذور أصناف مختلفة منذ سنين عديدة، وحدث تهجين طبيعي في ما بينها، إضافة إلى أعمال الاصطفاء والتربية، ممّا ساعد على إنتاج الأقطان الأميركية(2).
وتُعَدّ المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في آسيا وأفريقيا وأستراليا والأميركيتين موطنًا أصليًا للقطن. وتُنتج خمس دول 70% من الإنتاج العالمي، وهي الولايات المتّحدة، والاتّحاد السوفياتي سابقًا، والصين، والهند، والبرازيل، ويُنتج كلّ من خمس دول أخرى نحو مليون طن من القطن المحبوب (أي القطن الذي يجنيه الفلاحون) وهي الباكستان، والمكسيك، ومصر، والسودان، وسورية، التي كانت تحتلّ في مطلع الألفية الثالثة المرتبة العاشرة عالميًا على صعيد الإنتاج، والمرتبة الأولى عالميًا وعربيًا في إنتاجية وحدة المساحة (4015 كغ/ هـكتار)، ويشكّل القطن السوري 1% من الإنتاج العالمي، وقد قُدر إنتاج سورية في عام 2002م بنحو مليون طن من القطن المحبوب. ويوفّر هذا المحصول فرص عمل لنحو 20% من السكّان في مختلف مراحل إنتاجه وتصنيعه، وكان يُعَدّ ثالث مادّة تصديرية بعد البترول والقمح، والمصدر الرئيسي الثاني لتوفير النقد الأجنبي(3).
بحسب مؤلّف الكتاب سفِن بِكَرت، تنطلق الرحلة من عالم القطن قبل الهيمنة الأوروبية، حيث كانت مراكز إنتاجه وصناعته موزّعة في آسيا وأفريقيا وأميركا الشمالية ما قبل الاستعمارية، مبرزًا كيف كان القطن الخام يُنقل لمسافات قصيرة، بينما تجوب المنسوجات القارات ضمن شبكات تجارة قديمة ومستقرّة. لكنّ هذا التوازن تصدّع مع دخول القوى الأوروبية التي لم تكن تمتلك تفوقًا صناعيًا، بل امتلكت السفن والمدافع، وبدأت في تفكيك عالم القطن القديم وبناء نظام جديد قائم على القوّة العسكرية أوّلًا، وذلك عبر السيطرة على البحار وطرق التجارة. ويشير بِكَرت إلى أنّ المملكة المتّحدة استثمرت عوائد هذا العنف لتأسيس أعظم صناعة قطن عرفها العالم، كاشفًا أوضاع العمّال في قلب المركز الصناعي نفسه. فالرأسمالية الصناعية التي حلّقت في إنكلترا اعتمدت على عمّال ــ بينهم أعداد هائلة من الأطفال ــ عملوا في ظروف قاسية داخل “المصانع الشيطانية المظلمة”، بأجور زهيدة وساعات عمل مرهقة. وفي ما بعد، أصبحت مدينة ليفربول ــ شمال غرب إنكلترا ــ القلب النابض لإمبراطورية عالمية تمتدّ خيوطها من حقول العبيد إلى الأسواق العالمية. أمّا في أميركا، فقد أدّى الطلب المتزايد على القطن خاصّة في الولايات الجنوبية إلى توسّع مزارع العبيد، وجلب ملايين الأفارقة قسرًا، والاستيلاء على أراضي السكّان الأصليين.
يتتبّع صاحب “عاصمة المال: مدينة نيويورك ودمج البرجوازية الأميركية”، في هذا الكتاب، الصدمات التي تعرّضت لها إمبراطورية القطن، وعلى رأسها الحرب الأهلية الأميركية، التي دفعت المملكة المتّحدة إلى البحث عن مصادر جديدة للقطن في مصر، والهند، والبرازيل، مع إعادة إنتاج أشكال جديدة من العمل القسري. ويرصد المؤلّف الدمار الذي ألحقته هذه الإمبراطورية بمراكز الصناعة التقليدية، حيث فقد ملايين عمّال الغزل والنسيج أعمالهم ومهاراتهم في أكبر عملية تراجع صناعي شهدها التاريخ.
في الفصول الأخيرة للكتاب، يتناول بِكَرت توسّع إمبراطورية القطن شرقًا مع الاستعمار الياباني والروسي والألماني، ثمّ أفول مركزية القطن في الاقتصاد العالمي، وعودة صناعته إلى الجنوب العالمي بحلول منتصف القرن العشرين.
يشار إلى أنّ مؤلّف الكتاب سفِن بِكَرت، أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة هارفارد، حاصل على درجة الدكتوراة من جامعة كولومبيا، ونال كثيرًا من الجوائز والمنح. تتركّز كتاباته على التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للرأسمالية. نشر عددًا كبيرًا من البحوث والمقالات في تاريخ الرأسمالية والقطن.
من مؤلّفاته: “تاريخ الرأسمالية الأميركية”، و”عاصمة المال: مدينة نيويورك ودمج البرجوازية الأميركية 1850 ــ 1896م”. حصل كتابه “إمبراطورية القطن: تاريخ عالمي”، الصادر عام 2014م، على “جائزة بانكروفت” المرموقة لعام 2015م، وهي جائزة يقدّمها أمناء جامعة كولومبيا للكتب المميّزة في الدبلوماسية، أو في تاريخ الأميركيتين. وكان كذلك كتابًا نهائيًا (Finalist) لـ”جائزة بوليتزر” في الولايات المتّحدة، في “فئة التاريخ” للعام نفسه 2015م.
هوامش:
1- تحمل بذرة القطن، كمثرية الشكل، بلونها البني المائل للاسوداد، على سطحها الخارجي شعر القطن والزغب، وتحوي البذور زيتًا بنسبة 20 ــ 30%، يدخل في تركيبه الغوسيبول/ gossypol بنسبة 0.4 ــ 2%، وهو مادّة سامة. ويستفاد صناعيًا من الألياف السللوزية المتكوّنة على سطح بذوره تمييزًا من محاصيل الألياف اللحائية (القنب، الكتان، وغيرها)، ومحاصيل الألياف الورقية (السيزال، الصبّار، وغيرها).
2 ــ محمد عبد العزيز، القطن، الموسوعة العربية، المجلّد (15)، صفحة (470)، دمشق، طبعة 2006م.
3 – المصدر السابق.