مارك هولينغزورث… اندبندنت عربيةصوفيا فتاة أوكرانية لها من العمر 11 سنة، خلفت ندوب أثرها في وجهها وتربط شعرها البني الفاتح إلى الخلف. وهي تتذكر جيداً الأحداث التي وقعت عندما دخلت القوات الروسية قريتها.
“دب الذعر في قلب الجميع. لم نكن نعرف ماذا نفعل أو إلى أين نذهب. أتى الروس إلى منزلي. فتشوا ألعابي ودبابيس شعري وملابسي… وهددوا والدي. كانوا يحملون أسلحة. إذا قلت أي شيء، فقد يقتلونك”.
تعد مزاعم الانتهاكات الجنسية التي تعرضت لها الفتيات القاصرات واحدة من الحكايات المروعة التي يرويها فيلم وثائقي جديد استثنائي يحمل عنوان “هل يمكنني العودة إلى المنزل الآن؟”. ويتناول الوثائقي تجارب الأطفال الأوكرانيين خلال الغزو الروسي المستمر منذ خمسة أعوام. وقد عُرض الفيلم بصورة حصرية على ’اندبندنت‘، ويتضمن مقابلات مع فتيان وفتيات أوكرانيين، ولا تُسمع فيه أصوات أي شخص بالغ.
عمل بريتان أمبروز، وهو فاعل خير يبلغ من العمر 35 سنة ويملك موقع “هوليوود إنسايدر” Hollywood Insider، على إنتاج الفيلم وإخراجه، وقد تلقى مساعدة من جمعيات خيرية إنسانية أتاحت له أن يقابل 500 طفل.
وكان أمبروز، الذي أخرج في السابق فيلماً وثائقياً حول السجون الخاصة في الولايات المتحدة، قد قام بعدة زيارات شديدة الخطورة إلى أوكرانيا، حيث سافر جواً إلى بولندا قبل أن يتوجه بالسيارة إلى لفيف، حيث انتقل منها بالقطار إلى كييف، لتوثيق قصصهم المروعة في خضم حرب تشير التقديرات إلى أن أوكرانيا قد تكبدت خلالها ما بين 525 ألفاً و625 ألف ضحية، من بينهم ما بين 125 ألفاً و150 ألف قتيل.
فر ملايين الأطفال الأوكرانيين من ديارهم منذ بدء الغزو الشامل الروسي في عام 2022. وفي عام 2025، أفادت السلطات الأوكرانية بأن أكثر من 19500 شخص تعرضوا للترحيل غير القانوني أو النقل القسري إلى روسيا أو الأراضي التي تحتلها روسيا، ولم يعد سوى عدد قليل من هؤلاء إلى عائلاتهم.
وعدونا بأننا ذاهبون إلى مخيم يشبه جزر باهاماس. أتت أمي لاصطحابي، لكنها تأخرت. كانت البوابات موصدة… وضعونا على متن سفينة
فيتالي، أوكراني يبلغ من العمر 16 سنة
خلال زياراته، استمع أمبروز إلى شهادات مفجعة على وقع أصوات متواصلة من الانفجارات والصواريخ وانهيار المباني يومياً. وقد كان عازماً على ضرورة إيصال قصص هؤلاء الصغار إلى العالم، فتغلب على مخاوفه في شأن سلامته الشخصية واختار 15 فتى وفتاة ليرووا قصصهم أمام كاميرا الصحافية الأوكرانية تيتيانا بوبوفا، التي كان لها دور حيوي في تغطية قضية ترحيل الأطفال الأوكرانيين.
ويقول “أكثر ما شغل بالي هو الأطفال الذين أُنقذوا من روسيا وجلسوا أمام الكاميرا بعد أسبوع واحد فقط من وصولهم إلى أوكرانيا. كانت تجربتهم لا تزال جديدة ومؤلمة للغاية. ولذا واجهتني هذه المعضلة: هل ما أفعله هو الصواب، عندما أحمل الأطفال على التحدث عما مروا به؟ تحدثت إلى عدد من المعالجين النفسيين الذين قالوا لي جميعاً إن الكلام عن تلك التجارب أفضل لهم من كتمانها في داخلهم”.
يصور الفيلم طفلة تؤدي دور راقصة باليه، بينما تحدق فتاة أخرى مباشرة إلى فوهة مدفع دبابة وهي تقدم زهرة إلى جندي. تحطمت أحلام “ساشا” البالغة من العمر ستة أعوام في أن تصبح لاعبة جمباز عندما انفجر صاروخ داخل منزلها. أصيبت بصورة مباشرة، إذ سقطت قطعة من الخرسانة على ساقها اليسرى، ونقلت إلى المستشفى. استيقظت من غيبوبة لتكتشف أنها فقدت ساقاً وذراعاً كما فقدت السمع في إحدى أذنيها.
تتذكر قائلة “حاول الأطباء إنقاذ ساقي، لكن محاولاتهم باءت بالفشل، لذا اضطروا إلى بترها. عندما كان الأطباء يغيرون الضمادات، شعرت بألم مبرح. لقد أصبت بجرح بسبب الشظايا. شعرت بالخوف الشديد وكنت أبكي. لن أتمكن من العيش كأي شخص عادي، والمشي وممارسة رياضة الجمباز”.
بكى والدا ساشا عند رؤية ساقها المبتورة، لكنها لا تزال متمسكة بالتحدي. وتقول “عندما أكبر، أريد أن أصبح مدربة جمباز وأن أشارك في الألعاب الأولمبية. أود أن أقول للإرهابيين (الروس): توقفوا عن إطلاق النار. لم نسبب لكم أي أذى، لكنكم أطلقتم علينا الحرب”.
إن التركيز على أصوات الأطفال يحمل قوة فريدة. وكذلك صمت الأصوات التي ما زلنا ننتظر سماعها.
لكن من بين الأطفال الذين اقتيدوا قسراً، لم يعاد سوى ألفي طفل إلى عائلاتهم، بينما وضع آلاف الآخرين في معسكرات داخل روسيا حيث يخضعون لتدريب أقرب إلى التدريب العسكري ويلقنون دعاية حول الحرب.
كان يتناهى إلى مسامعنا نحيب أطفال في الخامسة من عمرهم باستمرار، يتوسلون للعودة إلى ديارهم. حاولت إخفاء دموعي. ظننت أنني لن أعود إلى دياري أبداً.
فيتالي
ومن المروع أن بعض الأطفال أُرغموا على البقاء مع أسر روسية جديدة تبنتهم. بحوزة الأمم المتحدة وغيرها من المصادر أدلة موثوقة على أن السلطات الروسية أصدرت شهادات ميلاد ووثائق مواطنة روسية داخل الأراضي الأوكرانية المحتلة، حيث مُنح بعض الأطفال الأوكرانيين المرحلين هويات جديدة، بما في ذلك أسماء روسية، كجزء من إجراءات التبني أو الإيداع في أسر حاضنة. وترسل المنظمات الخيرية فرقاً متخصصة إلى روسيا، معرضة نفسها لخطر شخصي كبير، من أجل إعادة الأطفال ومرافقتهم إلى أسرهم التي تنتظرهم بفارغ الصبر.
يتذكر فيتالي، وهو صبي يبلغ من العمر 16 سنة، ما الذي حدث عندما حاولت عائلته مغادرة مدينتهم في شرق أوكرانيا. وقال “أخبرنا الروس أنهم سيطلقون النار علينا إذا عبرنا نقطة التفتيش الخاصة بهم. حاول بعضهم عبورها فتعرضوا لإطلاق النار على الفور”.
اقتيد فيتالي بعدما وقعت والدته مرغمة، بسبب ضغط الجنود الروس، على أوراق تسمح لابنها بالالتحاق بـ”مخيم صيفي”.
وقال “وصلت في النهاية إلى روسيا. وعدونا بأننا ذاهبون إلى مخيم يشبه جزر باهاماس. أتت أمي لاصطحابي، لكنها تأخرت. كانت البوابات موصدة. أخبروها أن الأطفال نُقلوا إلى سفاتوفو. صرخت وصاحت، لكنهم [لم يأبهوا] وضعونا على متن سفينة”.
“ظلت السفن تنقل الأطفال إلى هناك لمدة ثلاثة أيام. كانت السفينة الواحدة تستوعب ألف شخص. عندما دخلنا الميناء، رأينا أسلاكاً شائكة حول السياج. قال الروس إن كل شيء سيكون مثالياً. لكن بمجرد دخولك المخيم، تجد أن الواقع خلاف ذلك تماماً”.
“لم يكن لدينا أي نار [موقد]، والكهرباء معطلة ولا ماء ساخن، ولا تدفئة تقريباً. غطت القذارة والأوساخ والسواد كل شيء. كنا ننام على مراتب ملقاة على الأرض. كان في المكان دش استحمام واحد ومرحاضان”، وفق ما يشرح فيتالي.
“ضم المعسكر نحو 500 طفل تراوح أعمارهم ما بين 5 و18 سنة. أرغمونا على العمل. مرضنا مرات عديدة، لكن لم تتوافر أي رعاية طبية”.
“خشيت ألا أعود إلى دياري أبداً. كان الروس يصيحون فينا طوال الوقت، وينادوننا بـ’هوهول’ و’أوكروب’ (عبارات مسيئة)، ويقولون إننا معتلون عقلياً. أجبرونا على تعلم النشيد الوطني الروسي وغنائه، لكننا رفضنا. كان كل ذلك دعاية روسية. وعندما قلنا: ‘القرم أوكرانية’، وضعونا في الحبس الانفرادي في الطابق السفلي. عاملونا كالحيوانات. لم يعدونا بشراً”.
تعرضت أوليا، إحدى رفيقات فيتالي في السجن، للاعتداء في الطابق السفلي على يد مدرس روسي لأنها هتفت “المجد لأوكرانيا”.
ويتذكر فيتالي الحادثة فيقول “ضربها بقضيب معدني وشتمها قائلاً إنه سيذبحها. أرتني الكدمات الزرقاء على ظهرها. أصابنا الفزع. كان يتناهى إلى مسامعنا نحيب أطفال في الخامسة من عمرهم باستمرار، يتوسلون للعودة إلى ديارهم. حاولت إخفاء دموعي. ظننت أنني لن أعود إلى دياري أبداً”.
بعد سبعة أشهر في المعسكر، أطلق الروس سراحه. وقال “عندما رأيت أمي، كدت أكسر البوابات وأُجهشت بالبكاء”.
وعند العودة إلى أوكرانيا، عانى الأطفال أيضاً بصورة مباشرة من قصف منازلهم. تتذكر صوفيا، التي تعرضت مدينتها للقصف طوال عام 2022 “رمانا عصف الانفجار جميعاً إلى الخلف”.
“استيقظت داخل حفرة. لم أستطع التحرك على الإطلاق بسبب وجودي تحت الكتل الخرسانية. لم يصلني ما يكفي من الهواء. كان الحطام يغطي جسدي. شعرت بالخوف وظننت أنني سأموت ولن ينقذني أحد. ابتلعت التراب وبقي نصف شعري عالقاً فيه”.
“أخرجتني الشرطة من تحت الأنقاض ونقلتني إلى قسم الطوارئ في المستشفى. كنت قد ابتلعت شظايا، فدخلت معدتي، لذا وضعوني في العناية المركزة حيث أجروا لي عملية جراحية. ترك الصاروخ ثلاث ندوب على خدي، وخلف أذني، وعلى ظهري… أرتدي القناع دائماً عندما أخرج. لست جميلة مع هذه الندوب”.
استيقظت داخل حفرة. لم أستطع التحرك على الإطلاق لأنني كنت تحت قطع خرسانية
صوفيا، 11 سنة
لم تغادر مسقط رأسها، لكن جدتها توفيت منذ ذلك الحين، فيما أمضت أمها معظم فترة الحرب في المستشفى.
إنه لمن المؤلم أن نشهد كل هذه الخسائر المروعة التي تسببها الحرب. كان يوري، 16 سنة، متجهاً برفقة والده على دراجتيهما الهوائيتين إلى بوتشا لتوصيل الطعام للمسنين عندما أوقفهما جندي روسي.
“سألنا إلى أين نحن ذاهبان. أخبرته أننا نوصل الطعام. سار والدي نحوي ثم دوت طلقات نارية. خرَّ والدي على الأرض، ووجه الجندي سلاحه نحوي. أطلق النار مرتين على يدي، فسقطت أنا أيضاً. استلقيت على بطني. ثم سمعت طلقتين أخريين وأنا ممدد أرضاً. شعرت بأن إحداهما أصابتني والأخرى أصابت والدي”.
“أدرت رأسي فرأيت والدي غارقاً في دمائه. مددت يدي نحو جسده لكنني أصبت مرة أخرى. ظن الروس أنني قد مت وأبلغوا أمي بما حدث”.
“في اليوم التالي، وصلت جدتي تجر عربة يدوية وساعدها الجنود الأوكرانيون في نقل جثة والدي، فدفناه في فناء المنزل. كانت ملابسي غارقة بالدماء. طلبت من أمي ألا تذهب إلى هناك لأن الوضع كان شديد الخطورة. لكنها ذهبت على أي حال”.
ما لم يتوقعه أمبروز هو الوقع العاطفي عليه بعد 30 يوماً من التصوير والسفر لمسافة ألف كيلومتر من أجل التنقل عبر 10 مدن مختلفة. فـ”أثناء المقابلات كان يخلع سماعاته ويغادر الغرفة. لم يستطع تحمل الأمر”. وأضاف أنه شخص بعد عودته إلى الولايات المتحدة بإصابته باضطراب ما بعد الصدمة وتلقى العلاج اللازم.
وتعليقاً على كل هذه الطفولة المسلوبة، قال “لا أستطيع أن أغفر الجرائم المرتكبة ضد الأطفال. إن هذا الفيلم ثورة ضد الحرب والكراهية”.
“هل يمكنني العودة إلى دياري الآن؟” من إنتاج شركة Cinessaince Motion Pictures Inc ومؤسسة Humans of our World
© The Independent