في زيارته واشنطن أواخر الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز)، التفّ رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو على رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانسحاب من سورية، من خلال تأكيده أنّ الوجود الإسرائيلي تفرضه دواعٍ أمنية، وأنّ إسرائيل، مقارنةً بالوجود التركي، لا تسيطر إلا على مناطق محدّدة في سورية، ما يعني أنّ الوضع في المَقلب السوري سيبقى مفتوحاً على احتمالات أمنية خطيرة، بما يتناقض مع الرؤية الأميركية لسورية التي يتطلّب تحقيقها حالةً من الاستقرار الأمني والسياسي.
وفي سياق مساعي واشنطن إلى صياغة ترتيبات إقليمية جديدة في المنطقة بعد الحرب مع إيران، تحتلّ سورية مكانةً مركزيةً في الاستراتيجية الأميركية، بالنظر إلى موقعها بين العراق ولبنان، إحدى أهمّ مناطق النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى إمكان الاستفادة من موقعها على البحر المتوسّط واحداً من بدائل مضيق هرمز لنقل الطاقة والتجارة بين الخليج والعالم الخارجي.
وقد بدا واضحاً أنّ الولايات المتحدة، من خلال استثمارات شركاتها في سورية، تسعى إلى تحقيق تأثير سياسي واقتصادي طويل الأمد، وأن يكون لها دور أساس في إعادة تموضع سورية على المستويين العربي والدولي، انطلاقاً من الأدوار والوظائف التي تخطّط واشنطن للاضطلاع بها سوريّاً، سواء في لبنان، وربّما في العراق في مرحلة لاحقة، أو وظيفتها الجغرافية المشار إليها بوصفها منفذاً بديلاً من هرمز.
ويمكن ملاحظة مدى اهتمام واشنطن بسورية من خلال الموارد الدبلوماسية التي تخصّصها، سواء بتعيين مبعوث خاص، أو لقاءات رئاسية عديدة، أو النقاش الداخلي بشأن سورية في الكونغرس والبيت الأبيض والخارجية، ما يؤكّد مركزية سورية في الترتيبات الأميركية للمنطقة، وتقديرات واشنطن للأدوار والوظائف التي يمكن لسورية القيام بها.
أمّا المقاربة الإسرائيلية تجاه سورية، فيسيطر عليها الهاجس الأمني، وينشغل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، المتأثّر بدرجة كبيرة بأحداث “7 أكتوبر” (2023)، بالبعد الأيديولوجي للحكم في سورية، فلا تزال النظرة إلى طبيعة النظام السياسي الجديد مرتبطةً بماضيه، وبأنّه جماعة إسلامية سُنّية تحكم شعباً تربطه صلات قربى بالفلسطينيين، بالإضافة إلى علاقاته الوثيقة مع تركيا، والنظر إلى أنقرة بوصفها حاملةَ مشروع سُنّي تشكّل القيادة السورية أحد أذرعه، ومن ثمّ، لا يمكن الانخداع بالقشور البراغماتية التي يحاول الشرع التلطّي خلفها.
لا تزال إسرائيل تؤمن بأنّ الحلّ الأمثل تقسيم سورية على أسس طائفية وعرقية. كذلك فإنّها، في إطار استراتيجيتها الأمنية القائمة على المناطق العازلة، ستستمرّ في سيطرتها على المنطقة المحتلّة في سورية التي لا يُعرف ما إذا كانت ستتوسّع أكثر عبر القضم البطيء، ولا سيّما غرب العاصمة دمشق، فضلاً عن أنّ هناك جهات داخل الحكم الإسرائيلي تشجّع على حصول عمليات استيطان في المناطق المحتلّة حديثاً بذريعة حماية مستوطنات الجولان.
السؤال المهمّ يتعلّق بكيفية تفاعل المقاربتَين، الأميركية والإسرائيلية، وتأثيرهما في المسار السوري، فهل سينجح أحد الطرفَين في جرّ الآخر إلى صفّه؟ وهل تستطيع واشنطن، التي استثمرت استثماراتٍ مهمّةً في الملفّ السوري (أمنياً واقتصادياً، ولديها رهانات كبيرة على نظام الشرع، ولا سيّما على مستوى الأدوار الأمنية في الحرب على تنظيم داعش أو مواجهة أذرع إيران في المنطقة) أن تفرض على إسرائيل التعقّل تجاه سورية والابتعاد عن أيّ مغامرة من شأنها التأثير في المخطّط الأميركي لسورية؟ أم تستطيع إسرائيل، الواضح أنّ سياسة المناطق العازلة باتت جزءاً أساسياً في استراتيجيتها الأمنية بعيداً عمَّن يحكمها، جرّ الإدارة الأميركية إلى صفّها؟ أو إجبارها عبر جماعات الضغط في واشنطن على تبنّي رؤية إسرائيل الأمنية، انطلاقاً من قاعدة أنّ أمن إسرائيل غير قابل للمساومة وغير خاضع للتكتيك والتجريب؟
على الرغم ممّا يُحكى عن انزياحات لدى النُّخب الحاكمة في الولايات المتحدة في غير مصلحة إسرائيل، إلّا أنّ الموقف المؤيّد لاستمرارها أقوى قوّة في المنطقة ما زال ثابتاً. والمفارقة أنّ سياسات إدارة ترامب تجاه إسرائيل، على الرغم من ضجيجها العالي، ومظهرها الذي يوحي بالافتراق عن إسرائيل، فإنّها تنطلق من تحقيق مصالح إسرائيل التي لا يدرك قادتها دائماً سبل الوصول إليها. ومن هنا يصرّ ترامب على استكمال مسار الاتفاقات الإبراهيمية ودمج إسرائيل في المنطقة.
إزاء هذا، يبرز خيار وسط بين الطرفَين، يقوم على استمرار السيطرة الإسرائيلية على مناطق محدّدة في الشريط السوري، أي المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد، مع احتفاظ إسرائيل بهامش حركة في العمق السوري، بحسب تقديرها للمخاطر، على أن تبقى العاصمة دمشق بعيدةً من التهديدات، ما دام نظام الحكم الحالي لا يشكّل مصدرَ خطر على إسرائيل. كذلك تُبقي هذه الصيغة دمشقَ بحاجة دائمة إلى الضامن الأميركي لضبط إيقاع حركة إسرائيل. إذ من الواضح أنّ ترامب لم يتطرّق كثيراً، بحسب ما ورد في مصادر مفتوحة، إلى موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الشريط الحدودي المحتلّ.
المشكلة أنّ هذه التوليفة بين المقاربتَين، الأميركية والإسرائيلية، إن اعتُمِدَت، فستكون بمثابة ترتيب طويل الأمد، كذلك فإنّها تترك الباب موارباً لإسرائيل لتوسيع نطاق سيطرتها على جنوب سورية، وقد تؤدّي مع الزمن إلى إيجاد أمر واقع لا تستطيع سورية تغييره.