بعد 56 عاماً من وأد الحياة السياسية، و15 عاماً من الحرب والدمار، لم يعد التحدّي أمام السوريين كيف تنتهي الحرب، بل كيف يُبنى السلام وكيف تتحقّق العدالة. فلا سلمَ أهلياً من دون محاسبةٍ لكلّ من ارتكب جريمةً، ولا استقرارَ إذا شعر الضحايا بأنّ حقوقهم قد ضاعت، أو شعر الأبرياء بأنّ هُويّاتهم أصبحت تهمةً. يقف السوريون اليوم أمام اختبار تاريخي: هل تُبنى عدالة تقوم على المسؤولية الفردية وسيادة القانون، أم تنزلق إلى منطق المسؤولية الجماعية الذي يخلط بين الجاني والبريء؟ وهنا تصبح الكلمة مسؤوليةً وطنيةً، لأنّها قد تفتح الباب أمام دورة جديدة من الانقسام والانتقام.
يثير قلق السوريين كلّ خطاب يوحي بأنّ جماعة دينية أو قومية يمكن أن تتحمّل مسؤولية جماعية عن الجرائم التي ارتكبتها سلطة سياسية أو أمنية. فمهما كانت النيات، لا ينسجم هذا المنطق مع مبادئ العدالة، ولا مع القانون الدولي، ولا مع تجارب الشعوب التي خرجت من الحروب الأهلية، بل يهدّد بتحويل السوريين إلى جماعات متقابلة، ويجعل الهُويّة بديلاً من القانون. ليس في هذا القول أيّ انتقاص من حقّ الضحايا في الحقيقة والإنصاف والمحاسبة، بل على العكس، إنّ أوّل شروط احترام الضحايا هو ألا تختلط المسؤولية الجنائية بالانتماء الطائفي، وألّا تتحوّل العدالة إلى وسيلة لإنتاج مظالم جديدة.
لقد رسخ القانون الدولي مبدأً لا خلاف عليه: المسؤولية شخصية، والعقوبة شخصية. وهذا المبدأ حاضر في القانون الجنائي الحديث، وفي عمل المحاكم الجنائية الدولية، وفي جميع تجارب العدالة الانتقالية التي سعت إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة. فلم تصدر المحكمة الجنائية الدولية، ولا المحكمتان الدوليتان الخاصّتان بيوغوسلافيا السابقة ورواندا، حكماً أدان جماعة دينية أو قومية بكاملها، وإنّما حاكمت أفراداً ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن الجرائم.
لقد شهدت البوسنة والهرسك واحدةً من أبشع الجرائم الجماعية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك لم تُحمّل العدالة الدولية الشعب الصربي أو البوسني أو الكرواتي مسؤولية جماعية، بل حاكمت القادة العسكريين والسياسيين الذين ثبتت مسؤوليتهم الجنائية، لأنّ معاقبة القوميات والطوائف لا تؤسّس للسلم الأهلي، بل تورّث الأحقاد للأجيال المقبلة.
وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، كان من السهل تحميل شعب الهوتو المسؤولية، لكنّ الدولة اختارت، على الرغم من كلّ التعقيدات، أن يكون هدفها الأساسي محاسبة الجناة والسعي إلى إعادة بناء المجتمع. وقد جمعت التجربة بين القضاء وآليات العدالة المجتمعية والمصالحة الوطنية، إدراكاً بأنّ الدولة لا يمكن أن تقوم إذا بقي نصف المجتمع ينظر إلى النصف الآخر باعتباره متّهماً بالولادة.
أمّا جنوب أفريقيا، فقد قدّمت أحدَ أهمّ الدروس في الانتقال السلمي من نظام فصل عنصري إلى الديمقراطية، فلم يكن هدف لجنة الحقيقة والمصالحة أن تستبدل ظلماً بظلم، أو أن تعاقب البيض لأنّهم بيض، أو السود لأنّهم سود، وإنّما أن تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتحمّل المسؤولية مَن ارتكب الانتهاكات، وتفتح الباب أمام مصالحة تحفظ كرامة الجميع. ولو اختار نيلسون مانديلا منطق الانتقام الجماعي، لما أصبحت جنوب أفريقيا مثالاً عالمياً في الانتقال السلمي. هذه التجارب تتّفق على حقيقة واحدة: لا يمكن بناء سلام مستدام إذا أصبحت الهُويّة أساساً للمحاسبة.
اختزال تاريخ القمع في سورية بمرحلة، وربطه بطائفة بعينها، يغفل حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها. فالأجهزة الأمنية السورية بدأت تتشكّل وتكتسب نفوذها منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، وزار آباء الاستقلال سجن المزّة الشهير عقب كلّ انقلاب، وترسّخ دورها خلال مرحلة الوحدة السورية المصرية تحت قيادة المشير عبد الحكيم عامر ورئيس المكتب الثاني العقيد عبد الحميد السرّاج، فشهدت سورية توسّعاً في المراقبة والاعتقالات السياسية وملاحقة المعارضين من مختلف الاتجاهات. كما تعرّض عدد من الشخصيات السياسية، ومن أهمّهم القيادي الشيوعي فرج الله الحلو، لانتهاكات جسيمة انتهت بقتله في أثناء الاحتجاز عام 1959، وتذويبه بالأسيد، وهي جريمة أصبحت من أبرز رموز القمع السياسي.
لاحقاً، استعان النظام السوري بخبرات أمنية متعدّدة، ومن بينها ضبّاط نازيون وسوفييت، وإن ظلّ مدى تأثيرهم محلّ نقاش بين الباحثين والمؤرّخين. غير أنّ الحقيقة الثابتة أنّ النظام السابق لم ينشئ الأجهزة الأمنية من الصفر، بل ورث دولة أمنية قائمة، ثمّ أعاد تنظيمها ووسّع صلاحياتها، وربطها مباشرةً بمركز السلطة، حتّى أصبحت المؤسّسة الأمنية قلب النظام، واتّسع خلالها نطاق الاعتقال التعسّفي والتعذيب والإخفاء القسري والقتل خارج القانون. واستحضار هذا التسلسل التاريخي ليس بقصد تبرئة أيّ مرحلة أو التقليل من مسؤولية النظام عن الجرائم المرتكبة، وإنّما لتأكيد أنّ الاستبداد في سورية كان نتاج بنية سياسية وأمنية تراكمت عبر عقود، وأنّ معالجته لا تكون بإلصاقه بطائفة، بل بإصلاح المؤسّسات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وبناء دولة تضمن ألّا تتكرّر هذه الممارسات بحقّ أيّ سوري، مهما كان انتماؤه.
ليست سورية اليوم في حاجة إلى توسيع دائرة الاتهام، بل إلى تضييقها حتّى تنحصر فيمَن ارتكب الجريمة، أو أمر بها أو شارك فيها أو تستّر عليها، وفق القانون. فكلّ توسّع في مفهوم المسؤولية خارج هذا الإطار هو خروج من العدالة إلى السياسة، ومن القضاء إلى شريعة الغاب.
لقد كان الاستبداد يقوم على اختزال المواطنين في هُويّاتهم، وتصنيفهم وفق الانتماءات، وتوزيع الحقوق والامتيازات والعقوبات على هذا الأساس. وإذا أعادت القوى السياسية أو الثقافية إنتاج المنطق ذاته تحت عنوان مختلف، فإنّها لن تؤسّس دولةً جديدةً، بل ستعيد إنتاج البنية الفكرية التي غذّت الاستبداد عقوداً. اختزال الطائفة العلوية في النظام السابق لا يقلّ خطأً عن اختزال أيّ مكوّن سوري آخر في تنظيم مسلّح أو حزب سياسي. فالعلويون، مثل غيرهم من السوريين، ليسوا كتلةً سياسيةً واحدةً، ولا مؤسّسةً واحدة، ولا يحملون رأياً واحداً. منهم من كان في مواقع القرار، ومنهم من كان مهمّشاً، ومنهم من دفع ثمناً باهظاً للحرب والاستبداد، ومنهم من فقد أبناءه، أو هُجّر، أو عاش السجن والخوف مثل سائر السوريين.
يقتضي الإنصاف الاعتراف بأنّ النظام السابق استند إلى شبكات ولاء متعدّدة، ضمت أفراداً من مختلف الانتماءات، يمكن تسميتها بطائفة النظام، كما أنّ معارضيه وضحاياه انتموا أيضاً إلى مختلف مكوّنات المجتمع السوري. ولذلك، فإنّ تفسير المأساة السورية بمنظار طائفي مبسّط لا يفسّر الواقع، بل يختزل تاريخاً معقّداً في سردية واحدة، ويُحمّل ملايين السوريين وزر قرارات لم يشاركوا فيها ولم يمتلكوا القدرة على تغييرها.
ليست العدالة الانتقالية مجرّد محاكمات، بل هي مشروع وطني متكامل يقوم على أربعة أعمدة: كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسّسات لضمان عدم التكرار. ولن تنجح إذا غابت الثقة بين مكوّنات المجتمع، أو إذا شعر السوريون بأنّ القانون لم يعد يحميهم بسبب الطائفة أو المذهب. والسلم الأهلي ليس شعاراً سياسياً، بل شرط لبقاء الدولة نفسها، ولا يمكن تحقيقه إذا تحوّلت اللغة العامّة إلى لغة اتهام جماعي. فكلّ عبارة تُعمّم المسؤولية على جماعة، مهما كان حجم الألم الذي تعبّر عنه، تزرع في المقابل خوفاً لدى تلك الجماعة، وتجعل المصالحة أكثر صعوبةً.
إنّ سورية الجديدة التي يتطلّع إليها السوريون يجب أن تكون دولة مواطنة، لا دولة طوائف، ودولة قانون، لا دولة روايات متصارعة، ودولة كرامة متساوية، لا دولة امتيازات أو عقوبات جماعية. فكرامة الضحية لا تكتمل إلا بعدالة نزيهة، وكرامة البريء لا تُصان إلّا إذا بقي بريئاً حتّى يثبت العكس، بصرف النظر عن اسمه أو دينه أو منطقته. لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً بسبب الانقسامات، ولا يجوز أن يتحوّل الألم إلى أساس لبناء نظام جديد من الريبة المتبادلة. فالعدالة الحقيقية ليست انتقاماً مؤجّلاً، بل عقداً أخلاقياً وقانونياً يطمئن الضحية ويحمي البريء في الوقت نفسه.
لن يُبنى مستقبل سورية بتوزيع المسؤولية على الطوائف والأقلّيات، وإنّما بإسنادها إلى الأفراد وفق القانون، ولن يتحقّق السلام والمصالحة إذا شعر أيّ سوري أنّ هُويّته أصبحت تهمةً وأنّ حقوقه قد أُهملت. والتوازن بين هذين المبدأين هو جوهر العدالة الانتقالية، وهو الطريق الوحيد للحفاظ على وحدة السوريين وكرامتهم.
ليس المقصود من هذا المقال مجادلة كاتب في حقّ الاجتهاد ولا التقليل من حجم المأساة التي عاشها السوريون، فكلّ قلم وطني يسعى إلى فهم أسباب الكارثة يستحقّ أن يُقرأ ويُحترم. لكنّني أدعو جميع الكتّاب والمثقّفين وصنّاع الرأي إلى التأمّل في خطورة الكلمات حين تتعلّق بمصير وطن ما زال ينزف. فالانتقال من تحميل النظام السابق مسؤولية جرائمه إلى تحميل طائفة مسؤولية تلك الجرائم هو انتقال من منطق العدالة إلى منطق التجريم الجماعي، ومن دولة القانون إلى دولة الهُويّات. والتاريخ يعلمنا أنّ الأوطان لا تنهض عندما تتبادل مكوّناتها الاتهام، وإنّما عندما تتّفق على أنّ القانون هو صاحب الكلمة الأخيرة. ونجاح العدالة الانتقالية في سورية لن يُقاس بعدد من يُدان، بل بقدرتها على إنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة، وحماية الأبرياء، ومنع تكرار الانتهاكات، وإلّا تحوّلت إلى مصدر انقسام جديد، بدلاً من أن تكون جسراً للمصالحة الوطنية.
ليس أمام السوريين اليوم ترف الفشل، فبلدنا مدمّر، لا يحتمل أن تُؤسَّس خصومات دائمة بين مكوّناته، ولا خطابات تُحمّل الأبناء أوزار الآباء، أو تجعل الهُويّة قرينة للإدانة. السلم الأهلي ليس شعاراً سياسياً، بل هو الأساس لبقاء سورية دولةً موحّدةً وآمنة لجميع أبنائها.
مسؤوليتنا، نحن السوريين، الأخلاقية والوطنية أن نُطفئ حرائق الذاكرة، لا أن نضيف إليها وقوداً، وأن نتبنّى خطاباً يعيد الثقة بين السوريين. فالكلمة قد تكون بداية مصالحة، وقد تكون شرارة فتنة، والفرق بينهما الإيمان بأنّ العدالة لا تعرف الطوائف، وأنّ الكرامة الإنسانية لا تتجزّأ. فلن تُبنى سورية الجديدة على مبدأ الغالب والمغلوب، ولا على توزيع المسؤوليات بحسب الانتماءات، بل على عقد وطني جديد يقوم على حرّية الرأي والمعتقد، واحترام الآخر المختلف، وسيادة القانون، والاعتراف بآلام جميع السوريين من دون استثناء.
عندما يشعر كلّ سوري، أيّاً كان دينه أو مذهبه أو قوميته، أنّ القانون يحميه بقدر ما يحاسبه. عندئذٍ نقول فقط إنّ سورية قد غادرت زمن الحرب والطائفية، ودخلت زمن الدولة.