تشهد العلاقات الاقتصادية بين سورية والولايات المتحدة تطوراً ملحوظاً مع انتقالها من مرحلة الاتصالات السياسية إلى خطوات عملية تشمل التعاون المالي والاستثمار في قطاع الطاقة، بما يعكس توجهاً نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة الاقتصادية العالمية وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمارات.
وفي الجانب المالي، بحث وزير المالية السوري محمد يسر برنية مع مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون تمويل الإرهاب والجرائم المالية جوناثان بورك، آليات إعادة سورية إلى النظام المالي العالمي، والإجراءات اللازمة لتسهيل اندماجها في المنظومة المالية الدولية، كما تناولت المباحثات التي جرت عبر تقنية الفيديو اليوم الأحد، تعزيز التعاون الفني وبناء القدرات بين وزارتَي المالية في البلدين، خاصة في مجالَي المالية العامة والقطاع المالي، إلى جانب مناقشة الخطوات المرتقبة بعد رفع العقوبات وشطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون مع المؤسسات المالية الأميركية.
وأكد الجانب الأميركي دعمه لاستمرار الإصلاحات المالية التي تنفذها الحكومة السورية، فيما شدّد الوزير برنية على أهمية الشراكة مع وزارة الخزانة الأميركية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية في القطاع المالي.
وفي موازاة ذلك، دخل التعاون الاقتصادي بين البلدَين مرحلة تنفيذية من خلال شراكة بين الشركة السورية للبترول وشركة “HKN” الأميركية لإعادة تأهيل حقول الرميلان وتطوير معمل غاز السويدية في محافظة الحسكة شرقي سورية.
وتستهدف الخطة، وفق ما كشفت الشركة السورية للبترول، اليوم الأحد، رفع إنتاج النفط تدريجياً من نحو 70 ألف برميل يومياً إلى 250 ألف برميل يومياً، عبر إعادة تأهيل الآبار المتوقفة، وحفر آبار جديدة، وتحديث البنية التحتية باستخدام تقنيات حديثة، مع ضخ استثمارات تقدر بمئات ملايين الدولارات في المرحلة الأولى من المشروع.
وفي معرض حديثها عن نتائج لقاء رئيسها التنفيذي يوسف قبلاوي، مع الرئيس التنفيذي لشركة “HKN” الأميركية مارك رولينز، الذي جرى الأربعاء الماضي، أوضحت الشركة أن الشراكة النفطية لا تقتصر على الجانب الإنتاجي، بل تمتد إلى أبعاد تنموية وبيئية، إذ تشمل تطوير البنية التحتية، ومعالجة التلوث الناتج عن المياه الطبقية، وإعادة حقنها للحفاظ على البيئة، إضافة إلى تنفيذ برامج للمسؤولية المجتمعية تتضمن دعم المراكز الصحية والمدارس، وتحسين الخدمات في القرى المجاورة، وتوفير فرص عمل للسكان المحليين، فضلاً عن رفع رواتب العاملين وتطوير خبراتهم الفنية.
وأشارت الشركة السورية للبترول إلى أنّ أعمال الصيانة والتأهيل ستبدأ فوراً وتستغرق بين ستة أشهر وعام واحد لرفع كفاءة البنية التحتية والقدرة الإنتاجية، بهدف الوصول إلى 250 ألف برميل يومياً بحلول نهاية العام المقبل مشيرة إلى أن شركة “HKN” ستضخ مئات الملايين من الدولارات في المرحلة الأولى من المشروع لتطوير الحقول المذكورة وفق خطط مدروسة ومتفق عليها.
ويتضمن المشروع معالجة التلوث الناجم عن المياه الطبقية وإعادة حقنها، بما يحدّ من الأضرار البيئية الناتجة عن العمليات النفطية ويحافظ على استدامة الإنتاج. وزار وفدا الشركة السورية للبترول و”HKN” الموقع المعروف باسم “نهر الموت”، واطلعا على نتائج الأعمال التي أدت، وفق الشركة، إلى إخماد النهر وجفافه بالكامل بعد أن شكل لسنوات أحد أبرز مصادر التلوث البيئي في المنطقة.
وتأتي الجولة الميدانية الأخيرة بعد زيارة سابقة أجراها قبلاوي إلى حقل الرميلان للاطلاع على واقع العمليات التشغيلية بعد تسلّم “HKN” مهام تشغيل الحقل، إذ التقى الكوادر الفنية والعاملين وناقش معهم آليات التعاون والتحديات التي تواجه العمل.
وقال الصحافي الاقتصادي محمد عيد لـ”العربي الجديد” إنّ “هذه التطورات تشير إلى أنّ العلاقات الاقتصادية السورية – الأميركية تشهد تطوراً متصاعداً ينتقل من التركيز على الملفات السياسية والعقوبات إلى بناء شراكات اقتصادية مباشرة، من خلال ربط سورية بالنظام المالي العالمي وأيضاً عبر استقطاب استثمارات أميركية في قطاع النفط والطاقة”.
ورأى عيد أن تواصل هذه الوتيرة من التعاون، لا بدّ أن يسهم في دعم تعافي الاقتصاد السوري، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الإنتاج، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية خلال الفترة المقبلة.