تتعامل السعودية مع الميليشيات التي تستهدف أراضيها بطريقة مختلفة عن تعاملها مع إيران التي تدعم تلك الجماعات، ففي حين شنت المملكة ضربات على الفصائل المدعومة من طهران في العراق، تدخلت في وقت لاحق لدى الرئيس الأميركي لمنع شن هجوم كبير على إيران.
وتعرضت المملكة منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 29 فبراير، إلى هجمات إيرانية بالمسيرات والصواريخ الباليستية، نددت بها الرياض وحملت طهران مسؤوليتها، إلا أن المملكة لم ترد عسكريا، إلا من خلال ضربات محدودة جدا تحدثت عنها تقارير صحفية ولم تؤكد رسميا.
وشهد شهر يوليو محاولات مستمرة من الفصائل الموالية لإيران في العراق لاستهداف منشآت الطاقة في السعودية، مما دفع الرياض إلى شن ضربات جوية بالتعاون مع الولايات المتحدة على تلك الفصائل، وأعلن الحشد الشعبي مقتل عشرين من أفراده وإصابة 32 آخرين، بعد استهداف مقار له في سبع محافظات.
ومع انهيار مذكرة التفاهم التي وقعت في يونيو بين طهران وإيران، وتواصل الهجمات الإيرانية على السفن واستهداف القوات الأميركية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق إنه سيشن هجوما كبيرا على إيران، قبل أن يعلن لاحقا تعليق الهجوم وفسح المجال للدبلوماسية بعد أن تحدثت إليه دول خليجية بينها السعودية.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية حينها أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شدد في اتصال هاتفي مع ترامب على “ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد وعلى أهمية بذل كافة الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة” في أزمة الشرق الأوسط.
فلماذا قررت السعودية الرد عسكريا على الفصائل التي تدعمها طهران، في حين حاولت إقناع ترامب بعدم توجيه ضربة كبيرة على إيران؟
يرى الدكتور عايد المناع، الأكاديمي والباحث السياسي أن السعودية لا تريد مواجهة واسعة في الإقليم، بسبب ما قد يترتب عليها من تفكك داخل إيران وتدفقات للاجئين، إضافة إلى رد إيراني عنيف قد يتركز على دول الخليج والأردن.
وقد استهدفت الضربات الأميركية والإسرائيلية بشكل مسبق معظم القدرات والمواقع الإيرانية، لذلك تدفع الرياض نحو الاكتفاء بما جرى من ضرب للقدرات الإيرانية والانتقال إلى حل سياسي، يؤمن الملاحة في مضيق هرمز ويعالج ملف اليورانيوم عالي التخصيب، وقد يشمل تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة، بشرط عدم توجيهها إلى العمل العسكري أو التسليحي.
من جهته، يربط محمد مرعي، الخبير بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، ضبط النفس السعودي بكلفة الحرب المباشرة، التي قد تستنزف موارد المملكة وتعرض منشآتها الحيوية للخطر، إلى جانب اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتأثير في أولوياتها الاقتصادية.
ويضع مبارك آل عاتي الكاتب والمحلل السياسي الموقف السعودي ضمن مبدأ الردع المشروط والتجزئة الاستراتيجية، إذ تحتفظ السعودية بحق الرد على الهجمات، لكنها تحاول منع تحوله إلى حرب استنزاف تمس أمن الخليج ومشروعات رؤية 2030.
ويرى أن المملكة تعتمد في ضرب الفصائل على معادلة الرد على النار بالنار، إذ استهدفت هذه الجماعات السعودية فردت المملكة على مواقعها وقدراتها، بهدف وقف الهجمات وإظهار أنها لن تمر من دون عقاب، على اعتبار أن الفصائل العراقية يمكن رصد مواقعها ومنصاتها بسهولة أكبر، ومن ثم توجيه ضربات مباشرة إليها.
ويميز مرعي بين إيران بوصفها دولة يمكن إدارة العلاقة معها عبر السياسة والدبلوماسية، وبين الفصائل المسلحة الموالية لها التي تمثل مصدرا مباشرا للتهديد، ولذلك يأتي استهدافها في إطار الدفاع عن النفس وفرض قواعد ردع تمنع تكرار الاعتداءات، وليس بوصفه بداية لحرب مع طهران.
وجاءت الضربات السعودية الأميركية على مواقع الفصائل في إيران، في وقت تسعى حكومة علي الزيدي إلى نزع سلاح تلك الجماعات وحصره بيد الدولة بضغوط من الولايات المتحدة، وأدت الغارات إلى تأجيل زيارة رئيس الوزراء العراقي التي كانت مقررة إلى المملكة.
وبعد ضرب الفصائل، التقى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، في اجتماع قال مسؤول أميركي ومصدر مطلع لموقع أكسيوس إنه خصص لنقل رسالة من ولي العهد بشأن الحرب والتطورات الإقليمية.
وخلال لقاء منفصل مع نائب الرئيس جي دي فانس، أوضح خالد بن سلمان أن هجمات الفصائل الموالية لإيران على البنية التحتية ومنشآت الطاقة السعودية تجاوزت خطا أحمر، وأن المملكة كان عليها الرد، وهي معلومات نسبها أكسيوس إلى مصدر مطلع ولم تصدر بشكل رسمي عن المملكة.
ويخلص المحللون إلى أن السعودية ستحافظ على الجمع بين الردع العسكري والاتصالات السياسية عبر تصعيد منضبط، إذ ترفع كلفة استهداف أراضيها مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، لمنع انتقال العمليات المحدودة إلى مواجهة شاملة ولإحياء فرصة التوصل إلى حل سياسي مع إيران.