أعربت بريطانيا عن قلقها من استمرار حالة التوتر بين الحزبين الكرديين الرئيسين في شمال العراق، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي ويعزز موقف الحكومة العراقية، مما دفع لندن إلى اقتراح تدخل منظم من الاتحاد الأوروبي لتعزيز نفوذه في المنطقة.
تستعرض الوثائق الدبلوماسية البريطانية، التي رُفع الحجب عنها في 19 يوليو (تموز) الماضي، تفاصيل الجهود البريطانية والأميركية لتثبيت اتفاق السلام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني عام 1996. وتكشف عن الدور البريطاني في دعم المبادرة الأميركية سياسياً ودبلوماسياً، وحشد التمويل من دول الخليج والاتحاد الأوروبي لتنفيذ الاتفاق، إلى جانب المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار وتأثير ذلك على استقرار شمال العراق ومستقبل المعارضة العراقية واحتواء النفوذ الإيراني.
إشراك الاتحاد الأوروبي
في أواخر مارس (آذار) 1996، أعدت وزارة الخارجية البريطانية مشروع برقية إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، اقترحت فيها إطلاق إجراء مشترك ضمن إطار السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي بهدف دعم اتفاق السلام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)عبر إشراك الاتحاد الأوروبي بصورة مباشرة في إنجاح المبادرة الأميركية.
وكشفت الوثيقة أن الحكومة البريطانية أعربت عن قلقها من استمرار حالة التوتر بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في شمال العراق، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي، وأوضحت أن الولايات المتحدة حققت تقدماً ملحوظاً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أنها لم تتمكن بعد من التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، الأمر الذي دفع لندن إلى اقتراح تدخل أوروبي منظم يمكن أن يسهم في إنجاز الاتفاق، وفي الوقت نفسه يعزز حضور الاتحاد الأوروبي ونفوذه في المنطقة.
واندلع الصراع الكردي في عام 1993، قبل أن يتصاعد بصورة كبيرة في أواخر عام 1994 عندما تمكن الاتحاد الوطني الكردستاني من السيطرة على مدينة أربيل، بينما احتفظ الحزب الديمقراطي الكردستاني بالسيطرة على الإيرادات الجمركية الكبيرة المتأتية من معبر الخابور، مما أدى إلى توقف البرلمان الإقليمي المنتخب والإدارة الإقليمية عن أداء مهامهما.
وفي حين نجحت الوساطة الأميركية في أغسطس (آب) 1995 في فرض وقف لإطلاق النار، وظل الاتفاق صامداً بصورة عامة رغم وقوع بعض الاشتباكات المحلية المحدودة، تشير الوثائق إلى أن الاجتماعات التي عقدت برئاسة الولايات المتحدة، والتي شاركت المملكة المتحدة في أحدها بصفة مراقب، إلى جانب الاتصالات المباشرة الأخيرة بين الحزبين، جعلت الطرفين قريبين جداً من التوصل إلى خطة سلام نهائية تنص على أن تتولى لجنة محايدة يشكلها المؤتمر الوطني العراقي (INC) مهمة الإشراف الأمني على تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى إعادة تفعيل الإدارة الإقليمية الكردية.
العقبة المالية
العقبة الرئيسة التي حالت دون تنفيذ الاتفاق لم تكن سياسية، بل مالية، إذ قدرت الولايات المتحدة أن المؤتمر الوطني العراقي سيحتاج إلى نحو 4 ملايين دولار لتغطية الأشهر الستة الأولى من التنفيذ، بما يشمل تمويل قوات الأمن والمراقبين والإدارة المدنية، غير أن واشنطن لم تتمكن حتى ذلك الوقت من توفير التمويل اللازم.
ورأت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي يمتلك مصلحة مباشرة في استقرار شمال العراق، نظراً إلى الوجود الواسع للجالية الأوروبية في المنطقة، وإلى الروابط التاريخية والسياسية التي تجمع دول الاتحاد بالإقليم، محذرة من أن استئناف القتال قد يؤدي إلى موجة جديدة من اللاجئين، ويوفر لكل من إيران والعراق فرصة لتعزيز نفوذهما داخل المنطقة بما يتعارض مع المصالح الأوروبية الأوسع.
ولذلك حثت بريطانيا الاتحاد الأوروبي على كسر حالة الجمود التي أصابت عملية السلام، من خلال تقديم الدعم المالي والخبرة الفنية، معتبرة أن مشاركة الاتحاد ستعزز حضوره السياسي في المنطقة، وستؤكد التزامه بإحلال سلام دائم في شمال العراق، إضافة إلى أن مساهمة الاتحاد الأوروبي ستشجع جهات مانحة أخرى، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، على تقديم مساهمات مماثلة.
وكشفت الوثائق أن لندن لم تكن مستعدة لأن يتحول التمويل الأوروبي إلى مجرد تحويل مالي لصالح الولايات المتحدة، ولذلك اقترحت ربط أي مساهمة أوروبية بشرطين أساسين. تمثل الشرط الأول في أن تتمكن الولايات المتحدة من توفير مساهمة مالية مماثلة، سواء من دول مجلس التعاون الخليجي أو من الحزبين الكرديين نفسيهما. أما الشرط الثاني فتمثل في منح الاتحاد الأوروبي دوراً سياسياً رسمياً داخل عملية السلام، مع بقاء الولايات المتحدة الطرف الرئيسي في الوساطة.
وأكدت الحكومة البريطانية امتلاكها الموارد الكافية لتغطية الحصة البريطانية من أي مساهمة أوروبية تصل إلى مليوني دولار، وهو ما يمثل نصف المبلغ الذي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى جمعه لتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق السلام.
وفي حال وافق الاتحاد الأوروبي على المقترح، سيمثله رئيس الرئاسة الدورية للاتحاد، غير أن الحكومة البريطانية أوضحت أنها ترغب في أن يكون لها تمثيل وطني مستقل داخل العملية السياسية، استناداً إلى مشاركتها السابقة في اجتماعات السلام وإلى دورها العسكري في عملية “توفير الراحة” وهي مهمة عسكرية وإنسانية قادتها الولايات المتحدة وقوات التحالف في أبريل 1991 لحماية وتقديم المساعدة الإنسانية للاجئين الأكراد الفارين من شمال العراق بعد حرب الخليج الثانية.
وأكدت الوثيقة أن الخارجية البريطانية طلبت من سفارتها في واشنطن نقل هذه الأفكار إلى المسؤولين الأميركيين في إطار مشاورات سرية وغير رسمية، لأن المبادرة لم تكن قد طُرحت بعد على بقية الدول الأوروبية. كما طلبت من السفارة البريطانية في باريس استطلاع الموقف الفرنسي إذا أبدت واشنطن قبولاً أولياً للفكرة.
هدنة هشة
ظل وقف إطلاق النار بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني قائماً رغم استمرار بعض المناوشات المحلية المحدودة، وبدء الحزبين تدريجاً في استعادة قنوات الاتصال بينهما، غير أن الخارجية البريطانية حذرت من أن الهدنة هشة وعرضة للانهيار مع اقتراب فصل الربيع، مؤكدة أن تجدد القتال سيكون منافياً للمصالح البريطانية لأنه سيؤدي إلى تعطيل برامج المساعدات الإنسانية في شمال العراق، ويقوض الاستقرار الإقليمي، ويمنح حكومة بغداد فرصة للاستفادة من الانقسام الكردي.
وفي حين نجحت الولايات المتحدة في التوصل إلى شبه اتفاق بشأن خطة السلام، فإنها رفضت استكمالها قبل ضمان التمويل اللازم لتنفيذها. وقدرت الإدارة الأميركية أن الأشهر الستة الأولى ستتطلب 4 ملايين دولار، وهي الفترة التي كان يفترض خلالها إعادة تفعيل الإدارة الإقليمية الكردية بصورة كاملة. وأوضحت أن المؤتمر الوطني العراقي (INC) كان سيتولى الجزء الأكبر من تنفيذ الاتفاق، لكنه كان يفتقر إلى أي موارد مالية، في حين رفضت الولايات المتحدة تحمل هذه النفقات، كما أخفقت الجهود البريطانية والأميركية المشتركة لإقناع دول الخليج بالمساهمة في التمويل.
ورأت لندن في التعهد الأوروبي بالمساهمة المالية وسيلة لتحريك العملية السياسية بأكملها، إذ توقعت أن يؤدي إعلان الاتحاد الأوروبي استعداده للمشاركة إلى تشجيع الولايات المتحدة ودول الخليج، بل وحتى الحزبين الكرديين، على توفير بقية الموارد المطلوبة، بما يسمح ببدء تنفيذ الاتفاق.
وفتحت الخارجية البريطانية قناة اتصال غير رسمية مع المفوضية الأوروبية لاستطلاع إمكانية تقديم مساهمة مالية، إلا أن مسؤولي المفوضية أوضحوا وجود صعوبات قانونية تحول دون استخدام بنود الموازنة الحالية لهذا الغرض، مع تأكيدهم أن تلك العقبات ليست مستعصية إذا توافرت الإرادة السياسية، وطلبوا من لندن إعداد ورقة غير رسمية تشرح الخلفية السياسية والقانونية للمبادرة.
وأكدت الوثيقة أن خيار استخدام مخصصات السياسة الخارجية والأمنية المشتركة ظل، في نظر الحكومة البريطانية، أفضل السبل لدعم المبادرة الأميركية، لأنه يبقي القرار بيد حكومات الدول الأعضاء، ويمنح بريطانيا فرصة لقيادة التحرك الأوروبي سياسياً. كما شددت على ضرورة ألا يقتصر الدور الأوروبي على تقديم الأموال، بل ينبغي أن يقترن بحضور سياسي رسمي داخل المفاوضات، مع اشتراط مساهمة مالية أميركية موازية، وضمان مشاركة بريطانية وفرنسية مستقلة استناداً إلى دور البلدين في عملية “توفير الراحة”، وذلك قبل الانتقال إلى مرحلة التشاور الرسمي مع بقية دول الاتحاد الأوروبي.
الدور الخليجي
وفي الـ14 من فبراير (شباط) 1996، أرسلت بريطانيا برقية عاجلة إلى سفاراتها في الرياض والكويت وأبوظبي، مع نسخ إلى واشنطن وباريس وأنقرة ودمشق وطهران ونيويورك وغيرها من البعثات البريطانية، بهدف حشد دول الخليج للمساهمة المالية في تنفيذ اتفاق السلام الذي رعته الولايات المتحدة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في شمال العراق، في إطار تحرك غربي لمنع انهيار وقف إطلاق النار. وأوضحت أن واشنطن طلبت من لندن دعم مساعيها لتوفير مبلغ 4.5 مليون دولار لتغطية الأشهر الستة الأولى من تنفيذ الاتفاق، وهو التمويل المخصص لإنشاء لجنة محايدة تتولى مراقبة تطبيق بنود التسوية والإشراف على ترتيباتها الأمنية.
وأشارت الوثيقة إلى أن أكثر من شهرين كانا قد مضيا منذ الزيارة الأخيرة التي قام بها الوسيط الأميركي ديفيد دويتش إلى المنطقة، وأن غياب أي تقدم خلال تلك الفترة أثار قلقاً بريطانيا متزايداً من احتمال انهيار وقف إطلاق النار، وأكدت أن الحزب الديمقراطي الكردستاني وافق على أحدث مسودة للاتفاق، بينما اقتصر موقف الاتحاد الوطني الكردستاني على ملاحظات محدودة تتعلق بصياغة بعض البنود، وهي ملاحظات لم تعدها لندن عقبة أمام إتمام الاتفاق. كما افترضت الخارجية البريطانية أن المسؤولين الأميركيين سبق أن ناقشوا مع الحكومات الخليجية حجم المساهمات المتوقعة.
وطلبت الخارجية البريطانية من سفرائها إبلاغ المسؤولين الخليجيين بأن تقييم لندن يشير إلى أن الحزبين باتا قريبين جداً من توقيع التسوية النهائية، وأن العقبة الأساسية المتبقية تتمثل في توفير الموارد المالية اللازمة لإنشاء اللجنة المحايدة، لافتة إلى أن أي تأخير في توفير التمويل قد يؤدي إلى تجدد القتال، وهو ما سيقوض الاستقرار في شمال العراق ويضر بالمصالح الغربية، لأن المعارضة العراقية ستعود إلى الاقتتال الداخلي بدلاً من التركيز على مواجهة صدام حسين، وستكون بذلك الحكومة العراقية وإيران المستفيدين الرئيسيين.
وأضافت الوثيقة أن الخارجية البريطانية وجهت بعثاتها إلى التأكيد، إذا طُرح سؤال بشأن الموقف البريطاني، على أن الولايات المتحدة لم تطلب من لندن تقديم مساهمة مالية مباشرة، مبررة ذلك بأن بريطانيا تمول بالفعل عدداً من المشروعات الإنسانية في شمال العراق، فضلاً عن تحملها نفقات سنوية تبلغ نحو 10 ملايين جنيه إسترليني بوصفها شريكاً رئيساً في عملية “توفير الراحة”، وطلبت الوزارة من سفاراتها موافاتها سريعاً بما إذا كانت الحكومات المضيفة تعتزم المساهمة في التمويل، ومتى ستبلغ الجانب الأميركي بقرارها.
وكشفت مذكرة داخلية حملت عنوان “العراق: تمويل الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين الأكراد العراقيين”، عن انتقال الجهد البريطاني إلى مسار موازٍ يتمثل في محاولة استقطاب دعم الاتحاد الأوروبي للمبادرة الأميركية، بعدما أظهرت الاتصالات الأولية مع الدول الخليجية مؤشرات غير مشجعة.
وتطور الخلاف الكردي في أواخر 1994 إلى صراع مفتوح بسبب الخلاف على تقاسم عائدات الرسوم الجمركية المفروضة على تجارة ناقلات النفط، وسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني على مدينة أربيل.
وصوّرت بريطانيا التمويل المطلوب بأنه لم يكن موجهاً لدعم أي من الطرفين عسكرياً، وإنما لتغطية نفقات اللجنة الأمنية المحايدة التي كان من المقرر أن تضم عناصر من المؤتمر الوطني العراقي، وأوضحت أن لندن، بعد تلقيها ردوداً غير مشجعة من العواصم الخليجية، بدأت تدرس خيار الحصول على مساهمة أوروبية تتراوح بين 500 ألف ومليون دولار، ليس بهدف تغطية كامل التكلفة، وإنما لإرسال رسالة سياسية تؤكد دعم الاتحاد الأوروبي لاتفاق السلام وتشجع المانحين الخليجيين على استكمال بقية التمويل.
واختتمت المذكرة بتوجيه بعثة المملكة المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل لإجراء اتصالات غير معلنة مع مسؤولي المفوضية الأوروبية لاستطلاع إمكانية تخصيص موازنة لهذا الغرض، مع التشديد على إبقاء هذه التحركات في نطاق محدود إلى حين الحصول على موافقة كبار مسؤولي الخارجية البريطانية.
مخاوف بارزاني وطالباني
وفي سياق الجهود البريطانية الرامية إلى تأمين التمويل اللازم، كشفت برقية دبلوماسية بريطانية صادرة عن السفارة البريطانية في واشنطن، وموجهة بصورة عاجلة إلى وزارة الخارجية البريطانية، عن انتقال الاهتمام من البحث عن مصادر التمويل إلى القلق المتزايد بشأن انعكاسات التأخير على مصداقية المبادرة الأميركية نفسها، وعلى مستقبل العلاقات بين واشنطن والقيادات الكردية في شمال العراق.
وأكدت الوثيقة أن التقييم الذي تبنته وزارة الخارجية الأميركية في تلك المرحلة كان يقوم على عدم إرسال المبعوث الأميركي ديفيد دويتش، مدير شؤون الخليج الشمالي في وزارة الخارجية، إلى شمال العراق قبل اتضاح الصورة النهائية بشأن إمكانية الحصول على التمويل المطلوب من الجهات المانحة. ومع ذلك، أقر دويتش بأن احتمال قيامه بزيارة المنطقة خلال الشهر التالي ظل قائماً، حتى وإن لم تُحسم قضية التمويل بصورة نهائية.
وفي 20 فبراير 1996 أجرى المسؤولون البريطانيون سلسلة من المشاورات مع دويتش، استعرضوا خلالها البرقيات الواردة من السفارة البريطانية في أنقرة، وأطلعوه على المخاوف التي نقلها كل من مسعود بارزاني وجلال طالباني بشأن طول الفترة التي مضت منذ آخر زيارة للمبعوث الأميركي.
وأوضحت البعثة البريطانية أن هذا التأخير أدى إلى تعاظم شكوك الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول مدى جدية الولايات المتحدة في الالتزام بالمبادرة التي ترعاها، معتبرة أن قيام دويتش بزيارة مبكرة، حتى في غياب ضمانات نهائية بشأن تمويل اللجنة المحايدة، من شأنه أن يبدد جانباً من تلك المخاوف، وأن يعزز قدرة القيادات الكردية على مقاومة الضغوط الإيرانية التي كانت تتزايد في تلك المرحلة.
وكشفت الوثيقة أن دويتش أبلغ الجانب البريطاني بأنه كان يتلقى الرسائل نفسها بصورة مباشرة من قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لكنه أعرب عن تخوفه من أن تؤدي زيارته إلى نتائج معاكسة إذا وصل إلى المنطقة من دون أن يحمل حلاً لمسألة تمويل اللجنة المحايدة، لأن ذلك سيعزز لدى القيادات الكردية الانطباع بأن الولايات المتحدة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وأن التزامها السياسي بإنجاح المبادرة ليس بالقدر الذي كانت تعلنه.
تواصل بين نيجيرفان بارزاني وقصي صدام حسين
جادل المسؤولون البريطانيون بأن مجرد قيام دويتش بالزيارة سيكون موضع ترحيب من القيادة الكردية حتى لو لم يحمل معه تعهداً مالياً، واقترحوا أن يستثمر وجوده في استكمال النقاط العالقة في الاتفاق، أو أن يطرح على بارزاني وطالباني فكرة مساهمة الحزبين نفسيهما في تمويل اللجنة المحايدة إذا تعذر الحصول على الدعم الخارجي، غير أن دويتش أوضح أن الإدارة الأميركية سبق أن أبلغت الحزبين بأن القضايا العالقة ستُحسم خلال الاجتماع النهائي المخصص لتوقيع الاتفاق، ولذلك سيكون من الصعب إعادة فتحها قبل بدء التنفيذ. أما بالنسبة إلى مساهمة الأكراد في التمويل، فقد أقر بأنها قد تصبح خياراً مطروحاً في نهاية المطاف، لكنه رفض اللجوء إليها قبل التأكد من استنفاد جميع البدائل الأخرى، وقبل التأكد من عدم وجود أي إمكانية للحصول على تمويل أميركي أو دولي.
وتبين من الوثيقة أن دويتش أوضح أيضاً أن القيادات الكردية كانت ترغب منذ البداية في مشاركة الولايات المتحدة نفسها في اللجنة المحايدة، إلا أن واشنطن رفضت ذلك، مفضلة إثبات التزامها تجاه الأكراد بوسائل أخرى، من بينها استمرار برامج المساعدات الإنسانية، والعمل على توفير التمويل اللازم للجنة من مصادر خارجية. وأعرب عن اعتقاده بأن القيادات الكردية اعتبرت هذا التعهد بمثابة ضمانة أميركية حقيقية، وأن عجز واشنطن عن توفير التمويل سيُفسر لديهم بوصفه دليلاً على تراجع الالتزام الأميركي، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على مستقبل عملية السلام برمتها.
وكشف دويتش عن عامل آخر دفع واشنطن إلى التفكير في التعجيل بإرسال مبعوثها إلى شمال العراق، إذ أبلغه أحمد الجلبي، رئيس المؤتمر الوطني العراقي بوجود تقارير موثوقة عن اتصالات جدية بين نيجيرفان بارزاني وقصي صدام حسين. وفي الوقت ذاته، اشتكى ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني في واشنطن من وجود اتصالات جديدة بين الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو ما أثار قلقاً إضافياً لدى الإدارة الأميركية من احتمال استغلال بغداد حالة الجمود التي أصابت المبادرة الأميركية لاستعادة نفوذها داخل الإقليم.
وعاد دويتش لاحقاً للاتصال بالجانب البريطاني ليبلغهم بأن ديفيد ولش، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أصبح مقتنعاً بأن القيام بزيارة إلى المنطقة خلال مارس سيكون خطوة مناسبة، حتى في ظل استمرار الغموض بشأن التمويل. ووافقت واشنطن على أن تقوم البعثات البريطانية، خلال اتصالاتها مع قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بإبلاغهما باحتمال قيام دويتش بزيارة قريبة إلى شمال العراق، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة ما زالت ملتزمة بقوة بإنجاح مبادرة السلام، وأنها مستمرة في العمل من أجل تأمين الموارد المالية اللازمة وتثبيت الاتفاق ومنع عودة الاقتتال بين الطرفين، وبذلك تكشف الوثائق البريطانية أن أزمة التمويل لم تكن مجرد مسألة مالية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية الوساطة الأميركية، وإلى عنصر مؤثر في موازين القوى السياسية والإقليمية المحيطة بشمال العراق خلال عام 1996.