
آسيا أرجنتو مكرّمة في مهرجان لوكارنو (خدمة المهرجان)
ملخص
في الدورة الحالية من مهرجان لوكارنو (5 – 15 أغسطس “آب”)، تطل الممثلة والمخرجة الإيطالية آسيا أرجنتو مستعيدة مسارها الفريد مع منحها جائزة تكريمية عن مجمل أعمالها، تتويجاً لمسيرة عبرت حدود الأنواع السينمائية والجغرافيا والأساليب.
في كل مرة تطل الإيطالية آسيا أرجنتو على الشاشة، تبث شيئاً من روحها المتمردة. إنها الطفلة (اليوم في الـ50) التي حملت نارها إلى الشاشة. وجهها يحمل ذاكرة أجيال عدة، من السينما الإيطالية إلى التجارب الأكثر غرابة وتطرفاً في السينما الأوروبية والأميركية. هي ممثلة ومخرجة وموسيقية وكاتبة، وتنتمي إلى ذلك النوع النادر الذي لا يتعامل مع الفن كمهنة، وإنما كحالة وجود وأسئلة وقلق
صنعت أرجنتو لنفسها مكانة خاصة منذ ظهورها الأول وهي في العاشرة في فيلم الرعب الإيطالي “شياطين 2” للمبرتو بافا، قبل أن تقف في الأعوام التالية أمام كاميرا بعض من كبار الأسماء، من مثل ناني موريتي وآبل فيرارا وأوليفييه أساياس وباتريس شيرو وغاس فان سانت وكاترين بريا. يصفها المدير الفني لمهرجان لوكارنو جونا نازارو بأنها فنانة “أعادت دائماً تخيل معنى إنجاز الأفلام”، لأنها اختارت طريق المخاطرة والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير.
من “تروما” لوالدها داريو أرجنتو حين أدت دور البطولة وهي تحت الـ20 في أول تعاون بينهما، إلى “الأيام الأخيرة” لغاس فان سانت عن آخر أيام كرت كوباين فـ”ماري أنطوانيت” لصوفيا كوبولا حين أدت دور كونتيسة دو باري، بنت أرجنتو، شريط طويل من التجارب والمواجهات. أما كمخرجة، فقد اختارت طريقاً أكثر شخصية، من “سكارليت ديفا” إلى “القلب خادع فوق كل شيء” وصولاً إلى “سوء فهم”، حين كانت الكاميرا بالنسبة إليها انعكاساً لروحها.
لكن أرجنتو لا يمكن اختزالها في قائمة الأفلام التي شاركت فيها أو أنجزتها. وراء الصورة العامة للممثلة المشاكسة التي رافقت مسيرتها، هناك رحلة شخصية معقدة لا تخلو من العذابات، بدأت داخل عائلة سينمائية استثنائية. فهي ابنة المخرج الإيطالي الشهير داريو أرجنتو (85 سنة)، التي دخلت عالم السينما باكراً، لتحمل منذ البداية علاقة ملتبسة مع الكاميرا: كانت موهبة تكتشف نفسها وسط رغبة في إثبات وجودها أمام أب ظل بعيداً ومنشغلاً بعالمه الفني.
في سيرتها الشخصية التي صدرت قبل خمسة أعوام والتي حملت عنوان “تشريح قلب متوحش”، روت الممثلة الأربعينية (آنذاك) حيوات كثيرة في حياة واحدة، من دون أن تعفي أحداً عن أي شيء، بدءاً من نفسها. تتحدث عن أب حاضر في المخيلة وغائب في الحياة اليومية، علماً أن الصورة التي ترسمها له ليست صورة الأب القاسي، بل الفنان الذي ابتلعته السينما، إذ كان شديد التفرغ لعمله، إلى درجة أن طفولتها تشكلت حول غيابه وانشغاله بالتصوير. عندما كانت في سن المراهقة، وجدت نفسها في وضع عائلي صعب، فلجأت إليه، فكان هو الذي ساعدها على الاستقلال عن البيت، واللافت أن السينما كانت لغة التواصل بينهما.
عندما التقيتها في مهرجان كارلوفي فاري قبل أعوام، كانت تقف عند عتبة تحول شخصي وفني. كانت قد أنجزت فيلمها الثالث كمخرجة، “سوء فهم”، بعد غياب طويل عن الإخراج، وتتحدث عن السينما كما لو أنها وسيلة لفهم الذات قبل أن تكون صناعة وفناً.
قالت يومها: “أجريت كثيراً من الأبحاث. كانت فترة انتقالية في حياتي رحت أتأمل خلالها في نوعية الأفلام التي يجب أن أنجزها. أستطيع أن أقول إنني نضجت على المستوى الإنساني، وصار لدي رؤية أخرى للسينما والحياة”.
هذه الرؤية لم تكن منفصلة عن علاقتها بالفنون الأخرى، بالنسبة إلى أرجنتو، السينما ليست جزيرة مستقلة، وإنما نقطة التقاء بين الشعر والموسيقى والأدب والفوتوغرافيا. “اعتبر أن الفنون كلها تجتمع لبعث الوحي فيَّ. قد أستلهم من كتاب أو من أغنية أو من حوار أو من غرافيتي على الجدار. سواء مثلت أو أخرجت، فإني أشعر نفسي دائماً بأنني وسيط. هناك شيء أهم مني وأكثر قوة ينقل من خلالي”.
في “سوء فهم” (2014)، عادت آسيا إلى موضوع الطفولة، وهو موضوع ظل قريباً منها منذ بداياتها. لقد رأت في الأطفال مساحة للحقيقة والعفوية التي يفقدها العالم مع الوقت. “الأطفال لا يزالون يملكون شيئاً نفقده نحن الكبار مع الوقت. وهذا الذي فقدناه شيء مقدس، قوة عظمى”.
لا تخفي أرجنتو أن العالم المعاصر “انتشلنا من الحلم وجعلنا ماكينات”، وأن العمل مع الأطفال كان بالنسبة إليها عملية تطهير للذات. هذه النظرة إلى الطفولة تكشف جانباً أساساً فيها: بحثها الدائم عن البراءة وسط عالم لا يرحم، حتى عندما كانت في أكثر مراحلها غضباً وتمرداً، كانت السينما بالنسبة إليها محاولة لاستعادة شيء مفقود.
حتى جسدها هو بالنسبة إليها حيز لنقاش حول الحرية والسلطة. تحدثت عن العري في الحركات النسوية باعتباره قضية معقدة: “كل شيء يتوقف على النحو الذي يستخدم به والهدف الذي يخدمه”. ترى أن الجسد الأنثوي ما زال محاطاً بالتابوهات والخوف، وأن السؤال الحقيقي يكمن في فهم أسباب هذا الخوف.
في مرحلة ما جاء قرارها بالابتعاد عن التمثيل، بعدما شعرت بخيبة تجاهه. كانت تقول إنه عليها أن تفكر في ما يجب أن تفعله وليس في ما هي قادرة على فعله، مشددة على الفرق بينهما. بعد عقود أمام الكاميرا، شعرت أن الآوان آن للذهاب إلى مكان آخر، معترفة أن التمثيل في هذه المرحلة من حياتها ما عاد يتناسب مع حاجاتها الروحية ومعتقداتها. حتى صديقها ومخرجها المفضل أبيل فيرارا لم يكن قادراً على تغيير قرارها. تقول: “نحن صديقان. أفضل أن أكون مساعدة له من أن أمثل في أحد أفلامه”.
لكن على رغم تحفظاتها، مسار أرجنتو كممثلة لم ينته، إذ لم تغلق الأبواب التي شرعت لها الطريق. خلال الأعوام الأخيرة عادت إلى الشاشة في أعمال اختارتها بعناية، ومنها فيلم “فيرا”، وشاركت في فيلم “الموت لا مالك له” للفنزويلي خورخي تييلين أرمان الذي ستقدمه في لوكارنو ضمن برنامج التكريم، وتؤدي فيه دور امرأة تسافر إلى فنزويلا لبيع مزرعة الكاكاو التي ورثتها عن والدها.
في حديثها عن الوشم على ذراعها، تقول إن الكلمتين تعنيان لها كثيراً: “حقيقة وثبات”. ربما تختصران مسيرتها كلها، لكونها بحثت دائماً عن الحقيقة، حتى عندما كانت مؤلمة، وتمسكت بثبات غريب بخيارها في السير عكس التيار. تكريم لوكارنو يأتي اليوم ليحتفي بطاقة امرأة حملت إرث السينما الإيطالية، ثم خرجت منه لتبحث عن عالمها الخاص.