ملخص
“مصنع السحاب” رواية مكتوبة بالعربية، لكن أحداثها ووقائعها تدور في اليابان، شخصياتها يابانية، وكذلك أمكنتها، حتى ليمكن القول انها رواية يابانية ولكن مكتوبة بالعربية. إنها مغامرة روائية فريدة يخوضها الكاتب حامد عبد الصمد.
يمكن القول بدءاً إن رواية “مصنع السحاب” (دار التنوير2026) هي رواية يابانية، كتبها المفكر والأكاديمي المصري حامد عبد الصمد باللغة العربية، ولو تُرجمت إلى اليابانية لأمكن إدراجها في خانة الروايات اليابانية الحديثة، بل لعلها تنتمي إلى الحركة الروائية اليابانية الراهنة التي سعى روادها إلى التمرد على التراث الروائي “التقليدي” أو “الوطني”، وعلى أسمائه الكبيرة من أمثال كاواباتا وتانيزاكي وميشيما وسواهم الذين أرسوا التقليد الياباني الصرف والخالص الذي حافظ على الإرث السردي ولم ينفتح البتة على الرواية الغربية و”الغريبة”، بل قاوم التأثر بها وتقليدها
وكان هاروكي موراكامي في مقدمة الجيل الجديد الذي خرج عن الإرث الياباني، الكلاسيكي والحديث، منفتحاً على معطيات الرواية الغربية، وأجوائها وتقنياتها وأفكارها.
الكاتب والأكاديمي المصري- الألماني حامد عبدالصمد الذي عاش أعواماً في اليابان ودرس فيها اللغة، ثم درّس وما زال يدرّس في بعض جامعاتها باليابانية، والذي يكتب بالألمانية والعربية، اختار أن يكتب روايته اليابانية هذه بالعربية، خائضاً مغامرة ليست سهلة. المكان والشخصيات والوقائع والأحداث، كلها يابانية صرفة، لكنها منفتحة على ما يمكن أن يسمى “العولمة والديستوبيا العالمية” اللتين أزالتا الحدود بين الأمكنة والأزمنة وبين الشعوب والهويات والقوميات.
يعتمد عبدالصمد لعبة تقنية متينة في بناء أزمنة الرواية ومراحلها المتعاقبة والمستعادة، تقوم على التقديم والتأخير والتقطيع الذي يبدو سينمائياً في أحيان، وعلى التوهيم أو الإيهام، وثنائية اليقين والشك، الواقعية واللاواقعية… ولعل البعد الديستوبي في الرواية، المتعدد في مظاهره ومعطياته، يتعرض لسلسلة من المفاجآت، تجعل الديستوبيا نفسها أعمق من رؤية ديستوبية وأبعد منها، حتى ليمكن الدمج بين الواقع واللاواقع وبين الحقيقة والعبث، وكأن القارئ أمام لعبة مرايا، تصبح فيها الحقائق أوهاماً والأوهام حقائق.
فـ”المنصع” الذي هو “مصنع السحاب” بحسب ما يدل العنوان، ينقلب مصنعاً للقتل وصنع القنابل العنقودية، بل ينقلب من “مستشفى” يوتوبي تتم فيه أفعال الموت الرحيم الذي يطلبه أشخاص مأزومون إلى مقتلة ومحرقة للجثث، في البعد الديستوبي. وهنا تكمن المفاجأة الكبيرة التي تخفيها نهاية الرواية.
الكاهن والخادمة: مدخل روائي أول
تبدأ الرواية بداية أولى ثم بداية ثانية، لتفضي إلى الرواية المنتظرة. وتبدأ كذلك بشخصية أولى ثم بشخصية ثانية، لتنتهي هاتان الشخصيتان في جوقة الشخصيات غير المنتظرة داخل “المصنع”. ولا يخيل للقارئ أن المدخل الروائي الأول والمدخل الثاني سيبدوان ظاهراً مرتبطين بالرواية الأساسية.
في المدخل الروائي الأول وعنوانه “اليابان 2022” يقدم الراوي شخصية هاناكو، سيدة في الـ40 من عمرها، سمينة (100 كيلوغرام) تنتظر وصول طرد أو علبة، نعرف عندما تفتحها أنها تضم صليباً كبيراً في وسطه حبة ماس. هذه الحبة هي إكسير جثمان قسيس كاثوليكي أُحرق في سويسرا. القسيس هو يوشيدا، الوصي الكنسي والروحي على هاناكو، منذ أن لجأت إلى الدير كي تصبح راهبة. هاناكو اليتيمة عاشت في ميتم، ولما بلغت الـ16 بات لزاماً عليها ترك الميتم، وبعد حيرة تقرر الالتحاق بدير يقع في منطقة جبلية، ممنّية نفسها في أن تصبح راهبة. الراهب كاثوليكي وليس بوذياً، فالطائفة الكاثوليكية حاضرة في اليابان وتملك طقوسها الخاصة بها.
ولكن بسبب براءتها وضعفها في التركيز، هي التي عملت خادمة في الميتم، يجري إلحاقها برعية الكاهن يوشيدا كي تكون في خدمته. يصبح القسيس مدار حياتها اليومية، تأخذ عنه تواضعه وارتباطه بشخص المسيح ومقولته “قهر الجسد من أجل سمو الروح”. لكن هذه المقولة تنقلب في المطبخ عندما يقترب منها القسيس ويلتصق بظهرها ويهتز بحثاً عن المتعة، من غير أن يخلع ثوبه. كان القسيس يكرر التصاقه بها بغية الانتشاء السري. وذات مرة تحاول أن تلتقط عضوه منذ أن انتفخ، فينقبض ويتراجع، مردداً “فلتسامحها يا الله”. ثم يغيب عنها أسبوعين.
هذا موقف مستغرب طبعاً، لكنه في الحياة الرهبانية ممكن جداً، وكأن التلذذ من فوق الثياب ليس خطيئة بينما لمس الخادمة عضوه هو الخطيئة. لعله ما يسمى “الجنس الناقص”، أو الجنس غير الآثم بنظر القسيس الذي لا يلبث أن يعود مستعيداً عادته شبه السرية. تعترف له هاناكو الخادمة شبه الضحية في كرسي الاعتراف، وتصلي له أيضاً بسذاجة المؤمنة البسيطة كي يغفر خطيئتها، من غير أن يكفا عن فعلتهما التي ما كانت الخادمة تجني منها سوى الظن بأنها آثمة. يبقيان 22 عاماً على هذه العلاقة السرية، فتشتد الصداقة والمحبة بينهما، ويطلعها على أسرار ماضيه ويتمه. وعندما يمرض يهبها كل ما يملك، فترافقه حتى الاحتضار. ونظراً إلى حبها له وتعلقها به، تعمل على حرق جثمانه وتحويله إلى حبة ماس، يحملها الصليب الثقيل الذي يبقى معلقاً على صدرها طوال حياتها.
ناوومي: مدخل روائي ثان
أما المدخل الثاني للرواية فيحمل الرقم 2، وفيه نتعرف إلى شخصية نسائية أخرى هي ناومي، في الـ30 من عمرها، جاءت إلى كيوتو من قرية بعيدة كطالبة. صدمتها المدينة الصاخبة، وفقدت منحتها الدراسية، فتنقلت بين مهن عدة، آخرها كانت “مضيفة” في بار. تتعرف بالصدفة إلى رجل أعمال كوري، متزوج، غيّر اسمه كي يبدو يابانياً، يدعى أكينو. أقامت معه في البداية علاقة حب كادت تنتهي إلى زواج، لكن ناومي رفضت الزواج من ثم لكنها ظلت تعاشره. عندما بلغ الـ60 أصيب بعجز جنسي فتركته بعد مرحلة من الاضطراب.
كانت ناومي يتيمة، عاشت بلا أم، فهي هجرتها في الرابعة من عمرها، ثم توفي والدها بعد خمس سنوات. الرجل الحاقد على زوجته قص وجهها من كل الصور، فلم تتعرف ناومي إليها الا بنصف وجه بقي في إحدى الصور. تقرأ ناومي الشعر وتحب الشاعرة المنتحرة سيلفيا بلاث. شابة وحيدة على حافة اليأس، لم يبقَ لها سوى صديقها ساكورا، المومس. وذات مرة تقرر ناومي زيارة طبيب نفساني يدعى هاتادا في مركز يدعى “لايف تريتنور”، فيقنعها بأنها مزمعة على الانتحار وخائفة منه، قائلاً لها “أنت تريدين الموت لكنك تخشينه، نحن لدينا الحل”. الحل يكون في سفرها إلى جزيرة يابانية، هي واحدة من 6 آلاف جزيرة مهجورة.
هنا تبدأ الرواية بعد المدخلين هذين، وتلتقي الشخصيتان اللتان برزتا في المدخلين، هاناكو الخادمة المسيحية وناومي بطريقة مفاجئة في هذه الجزيرة، بل في “المصنع”، فيتضح الهدف من المدخلين السرديين. والالتحاق بهذه الجزيرة المهجورة، وما يسمى “المصنع” يتطلب توقيع عقد يتولاه وسيط، فيتبدى أن مهمة المصنع والقائمين عليه تنفيذ الموت الرحيم أو الانتحار الرحيم بلا ألم وإخفاء جثامين المنتحرين، فلا يعلم بهم أحد. مصنع سري، يساعد المقدمين على الانتحار والمترددين حياله، في إنفاذ المهمة.
الجزيرة المهجورة
يوحي وصول الزبائن، الراغبين في الانتحار إلى “مصنع الضباب” في الجزيرة المجهولة، بجو شبه خيالي علمي. هناك أولاً الانتقال بالطائرة ثم بالسفينة من جزيرة إلى أخرى، مع عصابة على العينين. وما إن ينزع الحراس العصابة عن العينين حتى يبصر الزبون مبنى مستديراً ضخماً، قبته تشبه ظهر سلحفاة. ثم يساق إلى نفق طويل متعرج، تحت أضواء لمبات “الفلورسان”، ينتهي في قاعة كبيرة تتوسطها مقاعد مرصوصة، وترتفع على جدارها العريض شاشة عملاقة، وفي الزوايا كاميرات مراقبة.
ومن الغرفة هذه ينشق نفق آخر أشد ضيقاً من الأول. عالم متاهي، ديستوبي، متخيل وممكن في الوقت نفسه. حتى القانون ديستوبي، يسلم الزبائن كل ما يملكون ويحملون ويخلعون ثيابهم ليرتدوا اللباس الموحد “أوفورلين”، ويتسلمون بيجامات ومناشف وقطع صابون ومعاجين أسنان وحاجات أخرى. ثم يتوزعون بين عنابر النساء وعنابر الرجال حيث يستريحون وينامون. وعدد النساء يعادل عدد الرجال، لكن الأعمار مختلفة.
لعل ما يزيد من غرابة المكان أو المصنع و”ديستوبيته” هو طبيعة العمل الذي سيقوم به الزبائن الذين يسمون هنا عمالاً، ويتمثل في فرز كرات معدنية صغيرة، عددها 44 كرة، ووضعها داخل أسطوانة معدنية بحجم كف اليد، ثم وضع كل 88 أسطوانة في صندوق كرتون. هذا هو العمل الذي على العمال القيام به يوماً تلو يوم، في انتظار أن يحين دور كل واحد منهم للخضوع للانتحار الرحيم.
النظام قاسٍ جداً، وجبة واحدة ظهراً في اليوم، سمك مسلوق وبطاطا وباذنجان، بلا ملح ولا صلصة. من يريد الملح والصلصة يعمل ساعتين إضافيتين، ومن يريد سيجارة وفنجان قهوة خمس ساعات إضافية، والكحول 10 ساعات.
شخصيات سينمائية ومسرحية
الزبائن الذين أصبحوا عمالاً، يمثلون فعلاً شخصيات روائية وربما سينمائية وسط هذ القاعة الغريبة وتحت القبة العالية. وفي حواراتهم الجانبية التي تطول أحياناً، يبدون شخصيات مسرحية تماماً. فعلى كل شخصية من هذه الشخصيات، أن تروي قصتها أو مشكلتها، ليلة تلو ليلة، وكأنها في مسرحية، بغية التخفف من أثقال الماضي. وقد يكون مدير المصنع الذي يروي حكايته عبر الرسائل التي يكتبها إلى حبيبته الألمانية كاتارينا المنتحرة، من أغرب الشخصيات وأشدها مأسوية.
بين هؤلاء النزلاء مثلاً رجل مدمن كحول، فقد ماله وخسر عائلته، وامرأة مكتئبة ومنهكة تخلى عنها زوجها وأُغرم بامرأة تصغرها 20 عاماً، وشاب عرف شهرة كبيرة في وسائل التواصل الإجتماعي في أنه يساعد المرضى والفقراء، فإذا به فاسد ومحتال، يُفتضح أمره ويُلاحق، وأرملة في نهاية الستينيات تشعر بوحدة قاتلة، لم تبقَ قادرة على احتمالها… هذه بضعة نماذج من العمال والعاملات، تمثل فعلاً وجهاً من الأزمة الوجودية التي يعانيها الإنسان المعاصر.
وثمة شخص يدعى يماموتو، يكون هو أول من يخضع لاختبار الانتحار الرحيم، هو رب عائلة، يفقد وظيفته كقبطان يقود مركباً سياحياً ويؤدي دور دليل سياحي، بعدما اعتُمد الذكاء الاصطناعي في قيادة المراكب وأداء دور الأدلة السياحيين، فيحل صوته المسجل كدليل آلي محله. “طار عنقي”، ردد أكثر من مرة، معترفاً أيضاً أنه أساء إلى ابنته الصغيرة فصوّرها عارية وتاجر بصورها. عندما يحين موته الرحيم، يُمدد عارياً على حصيرة في منتصف ليلة أمام جميع العمال وقد تحولوا إلى شهود، ويُحقن بإبرة مهدئ، كي تخفف عنه حال الهلع، ثم يُطهر جسده حيّاً، على أن يحقن بالإبرة السامة التي تمنحه الموت الهادئ.
يُنقل جثمانه إلى الفرن السري كي يُحرق ويُخفى رماده، فلا يبقى منه أثر. يبدو طقس الموت الرحيم قاسياً جداً، ولو كان بلا ألم، وكذلك حرق جثمانه في الفرن السري الذي يمثل العدم.
شخصية أخرى تدعى أسوكا يقودها مرض السرطان ويأسها منه إلى غرفة العناية السرية، فتموت هناك من دون حاجة إلى الطقس الانتحاري، ثم تحرق.
سويون شخصية أخرى هاربة من نفسها، لا تغادرها ذكرى اليوم الذي أجهضت فيه الجنين الذي حبلت به بعدما ضاجعها أو اغتصبها قواد أمها. ولا تنسى أيضاً كيف اغتصبها الطبيب قبل أن يجهضها، قائلاً لها “ما يفسده رجل لا يصلحه سوى رجل آخر”. كانت أمها تعمل مومساً في أحد النوادي، تجلس في “فترينة” كي يختارها الزبائن. وبما أنها ابنة “عاهرة” كان لا بد لها من أن تنزلق في هذه المهنة التي أنهكت جسدها وروحها. وقبل أن تأتي إلى المصنع حاولت أن تطعن نفسها بسكين أمام المرآة، طاعنة صورة أمها في وقت واحد، لكنها جرحت ذقنها وسال الدم.
صليب هاناكو
أما إحدى المفاجآت، فتتمثل في لجوء هاناكو الخادمة الكاثوليكية، المؤمنة والبريئة، إلى “مصنع السحاب”، رغبة في الموت الرحيم. كانت هاناكو خدمت القسيس يوشيدا وأحبته وخضعت طوال أعوام لتحرشاته الجنسية، ودفنته بعد موته، وحملت ماسة رماده في صليب تعلقه على صدرها. لكن هذه الشخصية الظريفة، السمينة التي تهوى الطعام، تؤدي دور الخادمة في العنبر وتعمل في تنظيف الحمامات، لقاء وجبة إضافية. تصادق هاناكو الجميع وتتحدث في الدين والإيمان، وتصادق العاملات ومنهن امرأة يابانية مسلمة، تحمل القرآن وتصلي.
لكن هاناكو البريئة هي التي تكشف عن أسرار المدير السبعيني شيماكامي، عندما تدخل إلى مكتبه في غيابه. تكتشف هاناكو الزجاجة أو القارورة الغريبة الشكل التي تسمى “زجاجة كلاين”. يضعها المدير على مكتبه محتفظاً بها. هذه الزجاجة التي لا يمكن أن تتجسد إلا في عالم افتراضي رباعي الأبعاد، هي محاكاة لزجاجة كلاين الأصلية، وقد أهدته إياها صديقته الألمانية المنتحرة. وسر هذه الزجاجة أن عنقها يعبر إلى داخلها من دون أن يخترق جسدها. وكان عالم الرياضيات الألماني فيليكس كلاين أول من أعطى وصفاً لزجاجة أو قارورة كلاين عام 1882. والمفاجئ أيضاً أن هاناكو هي التي ستقتل المدير في الختام بعد أن يفضح مشروعه الرهيب، ضاربة إياه بالصليب الذي تحمله.
وعلى رغم الظروف السوداوية والكالحة داخل المصنع، أوجد المؤلف حامد عبدالصمد قصة حب، غريبة أيضاً، عاشتها ناومي بطلة المدخل الثاني من الرواية التي هجرتها أمها ثم توفي والدها والتي فشلت في حياتها بعدما انتقلت إلى المدينة. كانت ناومي تقول “الإنسان يصل إلى الإنتحار بسبب ما فعله هو بنفسه، وليس بسبب ما فعله الآخرون به”.
أما الطرف الآخر في قصة الحب، فشخص يدعى إتشيرو كاواسكي، ابن الـ33 سنة الذي يملك عادة سيئة هي الأكل في المرحاض، وليس مع العمال. ما يلفت إتشيرو في ناومي، أن أمه وزوجته تحملان هذا الاسم. ماتت أمه يوم ولادته وماتت زوجته انتحاراً مع الابنتين، في عيد ميلاده الـ33. أصبح سميناً في يناعه بعد هزال، وبات يأكل في المرحاض الذي يسميه “المساحة الآمنة” بالخفية عن زوجة أبيه، وكذلك في المدرسة هرباً من نظرات رفاقه. في المدرسة تعرف إلى الطالبة ناومي، القوية الشخصية، فراحت تدافع عنه ضد تنمر رفاقه القساة وتحميه، فتحابّا، وترافقا في الدراسة الثانوية ثم الجامعية، ودرسا الأدب الألماني وتزوجا وأنجبا فتاتين. تتهمه زوجته مرة بخيانتها مع طالبته ساوري، وتطعنه بالسكين في فخذه، ثم تدخل المصح النفساني.
وذات يوم تقفز على سكة القطار مع ابنتيهما، فيترك هذا الانتحار في دخيلته عقدة ذنب عميقة لم يشفَ منها، فقصد المصنع لينهي حياته. وزاد من يأسه الرسالة التي تركتها زوجته قبل انتحارها معتذرة منه ومعترفة بأنها لم تكُن سعيدة في حياتها الزوجية، وأنها كانت بمثابة أم له. ناومي الجديدة، نفرت منه أول ما رأته، ثم ارتاحت إليه وأحبته. وأقاما علاقات حب خفيفة ثم قوية في الغرف السرية، ولا سيما في غرفة غسل الموتى، وكأنهما ميتان يغتسلان بحبهما. وإذ شاءت أن تحميه، طلبت من مدير المصنع مرة أن يسمح له بالمغادرة، فرفض بقوة. ويبرز في الختام، بعد أن يتم فضح المصنع وسقوطه، أن ناومي حملت من إتشيرو، مما يعني أن حياة أخرى لهما ستبدأ.
الكاتب وكرسي المرحاض
بين العمال أو الشخصيات، شخص غريب الأطوار أيضاً يدعى كوباياشي، يحمل عقدة جدته التي ماتت على كرسي المرحاض بسبب الإمساك المزمن الذي تعانيه، ولم يشفع لها تقديم الرز كل صباح إلى تمثال بوذا. كانت جدته تريد موتاً رحيماً كي تنتهي من عذابها، لكن ابنها لم يوافق حرصاً على سمعة العائلة. لم يبكِ جدته بعد موتها فهو لا يستطيع البكاء، ويقول “لا أعتقد أنها في مكان أفضل، لا أعتقد أنها في أي مكان على الإطلاق”. غارق في بحر من الملل والرتابة، كما يقول، وفي رأيه “الملل هو المادة الأولى للوجود”. لم يعرف الحب يوماً، لكنه يهوى قراءة الروايات، فيكتور هوغو وأوسكار وايلد وجورج أورويل ودي أتش لورنس وكاواباتا وميشيما… ويحب رواية دوستويفسكي “الأبله” ويحب هذه الشخصية.
يعترف كوباياشي أنه لم يأتِ إلى المصنع لينتحر، بل ليكتب رواية عنه وعن نزلائه، وبرفقته دوماً دفتر يدوّن فيه انطباعاته وملاحظاته. لكن فضيحة تحل به عندما يدخل إلى المصنع زائر مفاجئ يسمي نفسه “الإله”، ويردد “أنا إله”، ويلف جسده بقطعة من النايلون. وهو اكتشف أنه إله بعدما دخن سيجارة حشيشة، فحلت عليه رؤى حتى باتت لديه رسالة هي إنقاذ البشرية من الفساد، ثم أُدخل إلى مصح نفساني… والفضيحة تتمثل في أن كوباياشي كان التقاه وتعرف إليه قبل 10 أعوام في المصح الذي كان يتعالج فيه.
سرق تفاصيل حياته وسيرته وكتبها في رواية حققت نجاحاً كبيراً، ثم كشف أمر سرقة المادة من أرشيف المصح. ويفضح “الإله” كوباياشي أمام الجميع، ويخبر كيف أنه دخل سجن الأحداث في يفاعه، بعدما قتل والده العنيف، طعناً بالسكين.
لكن كوباياشي الساعي إلى كتابة رواية، يكتشف أن المصنع ومديره هما الأجدر في أن يكتب رواية عنهما، إذ وجد في المصنع فكرة عبقرية فريدة، فالمصنع برأيه هو قلب العالم القاسي ومرآته الصادمة، عطفاً على اعترافات العمال التي دوّنها. ويفاتح المدير بأمر الرواية هذه، وبأنه سيقدم له خدمة، وتحية إلى فلسفته وجهوده، ولن ينشر الرواية إلا بعد وفاته. يوافق المدير للفور، بعدما بدأ يشعر بأن الخدعة الكبيرة التي ورثها عن أبيه اقتربت من الانكشاف.
وبعدما عمد المدير شيماكامي إلى قتل أمه الراقدة في السرير داخل غرفة سرية في المصنع، يكشف عن كل أسراره وأسرار والده الفاسد، مجرم الحرب، وهذه المؤسسة القاتلة التي كان الابن (المدير) يظنها فعلاً مصنعاً للسحاب. ويقيم المدير للعاملين مائدة كبيرة هي مائدة الوداع، غنية بكل المأكولات والأطايب. وحضر جميع العاملين وقد تحرروا من أسرهم على وقع موسيقى فاغنر.
سقوط المصنع
وفي الفجر تختفي جدران المصنع وتنفتح القبة الضخمة، ويُعرض فيلم وثائقي يفضح حقيقة المصنع بالوثائق والصور، فيتضح أنه مصنع قنابل عمودية، وفيه ينكب العمال الأبرياء، من دون أن يدروا، على تجهيز المادة المتفجرة عبر الكرات والأسطوانات الحديدية التي كانوا يجمعونها. المصنع هذا يزود الدول الأولى بملايين القنابل الخطرة كي ترميها الطائرات على بعض البلدان وشعوبها، ومن بينها غزة والجنوب اللبناني وأفغانستان والعراق وشرق أوكرانيا. ويلقي المدير خلال اللقاء الأخير خطاباً يروي فيه بعضاً من سيرته، فاضحاً اللعبة كلها بتفاصيلها، معلناً أنه ضحية أبيه ومجاهراً بندمه. ويعترف بأن المصنع ظل يصنع قنابل عنقودية مخففة بعدما وقّعت اليابان على اتفاق حظر تصنيع القنابل العنقودية واستخدامها.
ولئن تبلغ رواية “مصنع السحاب” نحو 250 صفحة، فهي تحمل كثيراً من الوقائع والشخصيات والأفكار والتفاصيل والتقنيات والتواريخ… عطفاً على تناولها الأحوال النفسية والأعطاب الجسدية التي يواجهها الإنسان المعاصر، إنسان القرن الـ21، في ما يضم من كوراث وثورات علمية وتكنولوجية ضد – إنسانية. إنسان ما بعد الحداثة، المعطوب والمقموع والمحبط الذي يكاد يفقد معنى وجوده، والباحث عن لحظة الهرب أيّاً يكن ظرفه. ومثلت الشخصيات – الضحايا نماذج من هذا الإنسان الذي يتخبط في أوحال الكوراث ويواجه المجهول.
ولعل أبرز ما تحمل هذه الرواية من جديد، أنها رواية يابانية كتبها حامد عبدالصمد بالعربية، مانحاً إياها طابعاً عالمياً، حداثياً وما بعد حداثي. فالطابع الديستوبي الذي تتفرد به الرواية عبر ظاهرة الانتحار الرحيم ومصنع الموت ومعاناة الشخصيات المأزومة لا ينفصل عن الواقع، بل هما يندمجان مثلما يندمج التخييل والسرد التاريخي والواقعي. لعلها تجربة فريدة تفتح أمام الرواية العربية أفقاً غير مألوف وتدفعها إلى خوض مغامرة خارج التخوم المفترضة، لم يعهدها السرد العربي. ويُشار إلى أن عبدالصمد يدخل عالم الرواية، آتياً من الكتابة الفكرية والفلسفية، مما يكشف عن بروز البعد الفلسفي والميتافيزيقي في الرواية.
