
كاتب وصحافي فلسطيني… المصدر الثورة السورية دمشق
غني عن البيان أن الشعب الفلسطيني واللبناني وقيادتيهما الوطنية، عانيا أسوأ معاناة من تغوّل نظام الأسدين على وطنيهما، فإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء لوجدنا أن النظام المخلوع كان فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم ولبنانياً أكثر من اللبنانيين ذاتهم فهو تبجح مراراً وتكراراً أنّه يعرف مصلحة القيادة الفلسطينية واللبنانية أكثر منهما.
ومن هذا الغرور الغير مبرر والتعالي الغير منطقي، كان يجد المبرر والذريعة ليكون وصياً على لبنان وفلسطين، ويكون طرفاً في الحروب الداخلية التي كان يشعلها و يؤججها وينفذ اغتيالات بحق كل من يعارض وصايته ليفرض تغييرات قسرية، مع العلم أنّه بذات الوقت لم يكن نظاماً وطنياً أو عربياً أو قومياً.
ومن الظواهر الغريبة والبارزة والمعاكسة لمنطق الأشياء وطبيعتها تتجلى حين كان الحرس الثوري الإيراني يحتفل بيوم القدس العالمي وينصب خيمة أمام مخيم اليرموك، ويطلب من الفلسطينيين المشاركة لا العكس، والأغرب هو تلبية فصائل دمشق للدعوة.
اصطدمت حركة فتح مراراً وتكراراً مع النظام المخلوع، وأُريقت دماء مئات الفلسطينيين ذوداً عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل، ودفعت فتح سنوات عديدة من عمرها النضالي في سجون الأسدين، وإن كان الرئيس الشهيد ياسر عرفات في القرن الفائت تحدث عن أعضاء اللجنة المركزية واصفاً إياهم بأنهم يجتمعون في الجنة، فأعضاء اللجنة المركزية الحالية اجتمعوا في معتقلات نظام الممانعة الكاذب، كالدكتور سمير الرفاعي سفير فلسطين في دمشق وروحي فتوح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني والقيادي عزام الأحمد والقيادي توفيق الطيراوي والقيادي محمد المدني وغيرهم الكثير.
ومن اليسير القول إن ما انطبق على الفلسطينيين انطبق أيضاً على اللبنانيين، من قتل واعتقال وملاحقة، وإن خسرت فتح في تلك الحقبة الزمنية قائد قواتها سعد صايل فقد خسرت لبنان اسماً وطنياً كبيراً ألا وهو كمال جنبلاط، ولعل خسارتها الفادحة تمثلت في اغتيال الشهيد رفيق الحريري.
وفي سياق متصل، لا تتسع مقالة متواضعة لذكر أسماء وصفات ومناصب من فقدوا حياتهم قتلاً على يد النظام السوري أو فقدوا جزءاً من حياتهم داخل معتقلاته، لكل من الفلسطينيين واللبنانيين على وجه التحديد، وعليهِ، كان خبر سقوط النظام برداُ وسلاماً على الجزء الغالب من كلا الشعبين، وكان ناراً وجمراً على من رهنوا عقولهم ووطنيتهم له وقاتلوا أبناء جلدتهم انصياعاً لأوامره ونرجسيته المتغطرسة.
فمن المؤكد أن سقوط النظام، حقق المصالح العليا لكل من الفلسطينيين واللبنانيين، لأنه بكل بساطة لن يكون هناك من يفرّقهم ويغذي نزعات الانفصال والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد، ولهذا سيضطر من كان يسير في ركب نظام التشبيح أن يقفل عائداً لخيمة وطنه التي تتسع للجميع والتي دعاهم لها إخوتهم من أبناء الوطن الواحد عدة مرات، ولكن الأسد كان يحول بينهم وبين وحدتهم الوطنية ليظلوا ضعفاء كي يظل يتحكم بأمرهم وقضاياهم العادلة.
فالفصائل الفلسطينية الخمسة التي اتخذت من دمشق مركزاً رئيسياً لها، فرّ بعض قادتها إلى لبنان بعد سقوط النظام، ومنهم من تبرّأ من قيادته، وأصدرت حركات بيانات لفصل البعض بشكل نهائي، كما فصلت القيادة العام خالد جبريل ابن مؤسسها وقائدها التاريخي أحمد جبريل والذي كان يشغل منصب نائب أمينها العام طلال ناجي وفصلت حركة فتح المنشقين رئيسها زياد الصغير الذي يقال أنّه فرّ إلى لبنان كما فرّ خالد جبريل.
وإن كانت هذه الحركات قد جمّدت مشاركتها في اجتماعات منظمة التحرير بعد أوسلو، ورفضت عديد الدعوات لحضور اجتماعات المجلس المركزي، كان آخرها قبل عامين عندما ترأس أمين سرّ اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب وفداً من قيادات فتح واجتمعوا بفصائل دمشق وعملوا على إقناعهم ولكن بلا جدوى.
وفي المقابل، نجد أن القيادة السورية الجديدة، ترفض التدخل في شؤون الدول العربية، وطوت صفحة النظام السالف وتغوّله على أشقائه العرب، وهذا يظهر بتصريحاتها المطمئنة لكل من اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء.
بعد خلاص الأمة العربية والإسلامية من نظام الأسد، من المفترض أن تسهم الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية على اختلاف مشاربها في بناء وطن واحد وموحد، طبعاً إن أصمّت أذنيها عن جعجعة طهران وشعوذتها ونأت بنفسها وبحاضنتها الشعبية عن الزجّ بحرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، حينها لن تجد من يثير الفتن وينصر الفلسطيني على أخيه الفلسطيني واللبناني على أخيه اللبناني، ليكونا لقمة سائغة أمام “إسرائيل”.