اهتمّ إعلام إسرائيل بالكشف عمّا سمّاه “عودة” القياديّ الفلسطينيّ محمّد دحلان للعب دور نشط داخل قطاع غزّة. كتب ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينيّة في مركز ديان بجامعة تل أبيب في “يديعوت أحرونوت” مقالاً بعنوان: “انظروا مَن عاد: محمّد دحلان”. فما هي تلك العودة التي تعتبر إسرائيل الأنباء عنها حدثاً لافتاً؟
تأخّر ذلك الإعلام في الكشف عمّا يريده أن يكون “سبقاً”. أيّ مهتمّ بالشأن الفلسطينيّ أمكن له الاستنتاج بسهولة أنّ دحلان يعرف شيئاً دفعه وتيّاره “الإصلاح الديمقراطيّ” إلى مباشرة اتّصالات وتنظيم ورش عمل استعداداً لاستحقاقات مقبلة. غاب الرجل وصحبه عن مؤتمر حركة فتح الأخير في أيّار الماضي على الرغم من أنّ الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس كان وعد القمّة العربيّة في القاهرة في آذار من عام 2025 بإصدار عفو عامّ عن جميع المفصولين من حركة فتح. لم يحضر دحلان المؤتمر، لكنّه، وللمفارقة، يشجّع مؤيّديه على خوض الانتخابات التشريعيّة وكأنّ فيها تحوّلاً ما يُعوَّل عليه.
دحلان من رجل الظّلّ إلى لاعب التّوافقات في غزّة
اختار دحلان أن يكون رجل الظلّ في مراحل لم تكن تقتضي حضوره في الواجهة. توقّف عن خوض السجال الداخليّ الذي شهدته مراحل خلافه مع قيادة السلطة الفلسطينيّة. حتّى إنّه خلال كارثة غزّة “صَامَ” عن الكلام المباح، وفق وصف أنصاره، معتبراً أنّ الساعة “ساعة للعمل”. أرسل المساعدات الإنسانيّة بكثافة إلى القطاع في أيّام الكارثة التي لم تنتهِ.
في الأسابيع الأخيرة بدا دحلان لاعباً حيويّاً لإنتاج توافقات تُخرج غزّة من نفقها المظلم. تحدّث الإعلام عن اتّصالات يجريها مع الأميركيّين، لا سيما مع موفد الرئيس الأميركيّ جاريد كوشنر. في أيّار الماضي كشفت هيئة البثّ الإسرائيليّة، نقلاً عن مصادر إسرائيليّة وإقليميّة، عن لقاء سرّيّ جمع دحلان برئيس جهاز الشاباك دافيد زيني في أبوظبي. تمحور النقاش، وفق تلك المصادر، حول الترتيبات الأمنيّة لمرحلة ما بعد الحرب في غزّة، وآليّات إدارة القطاع والسيطرة على المعابر. تحدّثت المصادر عن سرّيّة اللقاء لكنّ تسريبه إلى الإعلام في حينه أزال ذلك الغموض وبات ما هو سرّيّ علنيّاً تنشر أخباره الصحافة.
ينشط دحلان مستعيناً بما يملك من علاقات عربيّة وإسرائيليّة. شيء ما يُعدّ لغزّة ويحتاج إلى ابن غزّة الذي لطالما وُصف بالقياديّ الإشكاليّ. تُقاطعُه “السلطة” ولا تقطع معه قياداتها. أخرجته قيادة “فتح” من صفوفها، فيما يواصل الفتحاويّون الكبار الوصل والتواصل معه. فمنذ خروجه من رام الله يسأل الفتحاويّون في الضفّة الغربيّة قبل غزّة: “متى يعود أبو فادي؟”. قبل أشهر تحدّثت أنباء عن قيام ياسر عبّاس نجل الرئيس الفلسطينيّ وعضو اللجنة المركزيّة للحركة بالاجتماع مع سمير مشهرواي نائب دحلان في رئاسة “التيّار”. قيل حينها إنّ التوافق يحتاج إلى “مؤتمر”. عُقد ذلك المؤتمر، لكن لا أعراض معلنة لتوافق مقبل.
دحلان جسراً بين “حماس” وواشنطن في اختبار السّلاح والهدنة
لم يعد الأمر سرّاً. ساهم دحلان في تسويق اتّفاق “بند السلاح” لدى حركة حماس الذي أُبرم في القاهرة. قالت “التلغراف” البريطانيّة إنّه لعب دوراً أساسيّاً في إقناع قادة “حماس” بقبول صيغة الاتّفاق. في الثاني من الشهر الجاري أيقظ دحلان حسابه على منصة “إكس”. تحدّث عن موافقة “حماس” والفصائل الفلسطينيّة الأخرى على خارطة الطريق ذات الـ 15 نقطة، لافتاً إلى أنّ “نجاح الاتّفاق يعتمد على التزام إسرائيل الكامل إنهاء هجماتها اليوميّة في غزّة”. أضاف: “أبلغَنا السيّد جاريد كوشنر بأنّه يعمل مع الجانب الإسرائيليّ لوقف الهجمات على غزّة. ونحن نواصل اتّصالاتنا المكثّفة مع الجانب الأميركيّ لضمان التنفيذ الأمين والكامل للاتّفاق”. وكتب يوم الأحد الماضي، تعليقاً على رفض رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو لاتّفاق غزّة، أنّ الأخير “يمثّل تحدّياً واستخفافاً وخداعاً للإدارة الأميركيّة وطاقم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب”.
ينسج الرجل علاقات ممتازة مع حركة حماس بناها عاماً بعد عام متجاوزاً محنة الصدام الدمويّ بين حركتي “حماس” و”فتح” في القطاع سنة 2007. كان الرئيس ترامب أوّل المرحّبين بما وصفه بـ “الإنجاز التاريخيّ” في القاهرة، وأضافه إلى حساب إنجازاته، على الرغم من التباين في تفسير الاتّفاق بين اعتباره “نزعاً” للسلاح في واشنطن واعتباره من قبل حركة حماس “تخزيناً” مشروطاً من ضمن التزامات متبادلة. وفيما تحرّك “مجلس السلام” بقيادة نيكولاي ملادينوف فجأة، فإنّ “التخزين” سيجري لدى “لجنة غزّة”، التي لدحلان داخلها الأصدقاء.
من إنقاذ غزّة إلى ورشة التّحوّلات الكبرى
لطالما أثارت هِمَمُ دحلان، لا سيما الطارئة، أسئلة داخل الدوائر السياسيّة الفلسطينيّة. حتّى إسرائيل تتساءل هذه المرّة عن مغازي ما يملكه دحلان في غزّة وما يشارك في هندسته في القطاع وحوافز تغريداته المنتقدة لنتنياهو وتحميله مسؤوليّة تعطيل ما يتمّ تدبيره برعاية ترامب وموفديه. ومن الأسئلة أيضاً ما يتعلّق بحدود تحرّك دحلان ومراميه وما يمكن أن يتجاوز القطاع ليتمدّد نحو كلّ الحالة الفلسطينيّة. في الهمس أنّ فلسطين دخلت في ورشة التحوّلات الكبرى في كل المنطقة، وأنّ مواعيد الانتخابات التشريعيّة (إن أُجريت) قد تندرج من ضمن إعادة ترتيب جدّيّة إلى درجة أن يؤمن بها دحلان وينخرط في جلبتها الواعدة.
يُنقل عن مقرّبين أن “لا عودة” لدحلان، ولا هو يخطّط، كما يردّد منذ سنوات، لتقلّد أيّ منصب قياديّ، وأنّ جهده منصبّ على انتشال القطاع من نكبته. وتروي معلومات أنّه منكبّ على تشجيع التحضير للانتخابات بلوائح عابرة للفصائل والتيّارات، وسيخوضها بواسطة جيل جديد من القادة والكوادر. وحين تغمز من قناة موقف دحلان في حال إجراء انتخابات رئاسيّة، يأتيك من يسارع إلى الإفصاح عن عزم لترشيح القياديّ الأسير مروان البرغوثي..
