ملخص
النظام الذي يرى أنه استطاع العبور من أخطار وتحديات المواجهة العسكرية مستعيداً المبادرة، قد يواجه أزمة حقيقية في حال حصل انفجار داخلي على خلفية اقتصادية ومعيشية، مما يعيده لدائرة التهديد والانهيار التي لا تزال واشنطن وتل أبيب وكثير من أحزاب وجماعات المعارضة في الخارج تراهن على حصولها وصولاً إلى تغيير النظام والتخلص من التحديات التي ينتجها في منطقة غرب آسيا، وأخيراً على الاقتصاد العالمي.
التغييرات والتعيينات التي قام بها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي لا يمكن اعتبارها إجراءً أو عملية روتينية داخل القيادة العسكرية للقوات المسلحة بوصفه القائد الأعلى لها، وكذلك لا يمكن حصرها في خانة محاولة النظام الإيراني إعادة ترميم وبناء صورته العسكرية وإظهار قوته وإعادة بنائها من جديد بعد ما تعرضت له من خسائر وضربات.
قد يكون من الطبيعي أن يقدم القائد الأعلى للقوات المسلحة، بخاصة في ظل أية هدنة قتالية بين حربين، على إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعيين قادة جدد أو تثبيت من أوكل إليهم إدارة المرحلة في مواقعهم، بهدف الوصول إلى أعلى درجات الانسجام والفاعلية في القرار العسكري، إلا أن هذه الإجراءات حملت كثيراً من الرسائل ذات الدلالات الواضحة على الكيفية التي يتعامل بها المرشد مع هذه المسائل.
فالمرشد ومن خلال حزمة التعيينات والتغييرات في المواقع الحيوية داخل المنظومة العسكرية، أراد القول إنه لا يزال يمسك بقوة بمفاصل القرار. وإن الصدمة التي أحدثها في سلسلة التعيينات والتغييرات داخل المؤسسة العسكرية هي بمثابة رسالة إلى كل المشككين في وجوده أو قدرته على القيادة، بأنه تعافى من آثار الجروح التي أُصيب بها واستعاد كامل نشاطه وإشرافه على كل التفاصيل، ولن يسمح بحصول أي خلل في إدارة النظام والدولة، أو التشكيك في ما يصدر عنه من مواقف وتوجيهات.
ولعل ما كشفه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن اجتماع لمدة سبع ساعات مع المرشد والذي سبق حزمة التعيينات العسكرية، كان بمثابة رسالة واضحة إلى الداخل الإيراني قبل الخارج، بأن كل الرهانات على وجود إرباك في تسيير العملية السياسية، أو تباينات في المواقف بين الرئيس والمرشد مجرد أوهام، وأن المرشد يشرف على كل التفاصيل ويواكب كل التطورات ويمارس دوره في رسم السياسات الاستراتيجية والاقتصادية، خصوصاً ما يتعلق بالمفاوضات وتأثيراتها في الأوضاع الداخلية والحياة اليومية للإيرانيين.
وما بين إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتنظيم مراكز القرار فيها، ودعم المسار التفاوضي والسياسي للحكومة التي تعمل بالتنسيق مع القيادة العسكرية، يأتي قرار دمج مقر خاتم الأنبياء العسكري التابع لحرس الثورة في قيادة أركان القوات المسلحة، ليشكل مؤشراً على نظرة خامنئي إلى هذه المؤسسة ومستقبل دورها في هرمية النظام. وإن قرار الدمج يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين حرس الثورة والجيش النظامي لا مكان فيها لعدم الثقة. وإن كلا المؤسستين تعملان الآن في إطار الدور والمهمة الأيديولوجية من أجل حفظ النظام واستمرار الثورة والسيادة الإيرانية والوطنية.
أما استبعاد محمد باقر ذو القدر من منصبه كأمين للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو التعيين الذي جاء نتيجة الأوضاع الأمنية والحرب التي كان يخوضها النظام مع واشنطن وتل أبيب وضرورة سد الفراغ بعد اغتيال إسرائيل لسلفه علي لاريجاني، فهو قرار فرضته ضرورات مرحلة إعادة هيكلة القرار وتفعيل القناة التي تربط بين المرشد والسلطة التنفيذية بما هي سلطة سياسية والمؤسسة العسكرية. وإن المرحلة الجديدة بحاجة إلى شخصية ذات بعد عسكري أكثر ديناميكية في التعامل مع الآليات السياسية والمستجدات التي تفرضها عملية التفاوض والحاجات الاقتصادية لإيران. بالتالي فإن ذو القدر الذي لم يُمنح حق التصويت في المجلس الأعلى للأمن القومي لعدم تعيينه ممثلاً للمرشد فيه، كان أقرب في خطابه السياسي إلى الخطاب الغيبي الذي لا ينسجم مع شروط المرحلة التي تعيشها إيران، مما وضعه خلال اللحظات الحرجة في مواجهة مع الخطاب الدبلوماسي للدولة.
وتاريخ الإعلان عن اختيار محسن رضائي كممثل للمرشد وأمين لمجلس الأمن القومي في أغسطس (آب) الجاري، قد لا يكون توقيتاً عابراً، فهو يتوافق مع تاريخ إعلان وقف الحرب العراقية- الإيرانية في الشهر نفسه عام 1988، وإن رضائي قام حينها بدور محوري في إقناع المؤسس الخميني بوقف الحرب وقبول قرار مجلس الأمن رقم 598، من خلال التقارير الميدانية عن الوضع العسكري الذي كانت تعيشه إيران وعدم قدرتها على حشد المتطوعين، فضلاً عن تراجع قدرتها على شراء الأسلحة من السوق السوداء بالتزامن مع شح كبير في المصادر المالية للدولة والنظام.
لذلك فإن هذا التعيين قد يكون مؤشراً على وجود مسار داخل منظومة القرار بالذهاب إلى تسوية كبرى تنهي حال الحرب وتفتح الباب أمام صفقة شاملة وكبيرة مع الولايات المتحدة الأميركية على كافة المستويات النووية والإقليمية والدولية. وإن من المفترض أن يقوم رضائي بدور أساس في تسويق هذه الصفقة بين مؤسستي الدولة والعسكر مع المرشد، بخاصة أن رضائي يأتي من تجربة عسكرية طويلة في قيادة الحرس استمرت لنحو 16 عاماً، كان فيها شريكاً مع كل القيادات الجديدة التي عُينت في المواقع العسكرية أخيراً، وأسهموا معاً في إنهاء الحرب مع العراق، فضلاً عن معرفته التفصيلية بكل الأزمات المالية والاقتصادية التي تعيشها إيران والدولة والنظام نتيجة متابعته للملف الاقتصادي كنائب للرئيس السابق إبراهيم رئيسي للشؤون الاقتصادية، إضافة إلى موقعه في مجمع تشخيص مصلحة النظام، من دون أن يتخلى عن الخطاب المتشدد عسكرياً وتصلبه في التعبير عن الموقف العسكري لإيران والنظام في التعامل مع أي عدوان أميركي من المحتمل أن يحصل في المستقبل.
ترتيب البيت الداخلي الذي بدأ بصورة واضحة وعملية، انطلاقاً من المؤسسة العسكرية، يتزامن مع خطاب دبلوماسي وسياسي إيراني متشدد في موضوع المفاوضات، وسط مسار أميركي جديد في طبيعة المواجهة مع إيران، يرجح خيار الحصار والخنق الاقتصادي خلال هذه المرحلة على الخيار العسكري. وعودة حسين طائب وتعيينه رئيساً لمؤسسة “الباسيج” يعني أن خامنئي استعاد تفعيل أحد أذرعه الضاربة من جديد، وأن النظام لجأ إلى استنفار كل طاقاته وتنظيم صفوفه استعداداً لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية المحتملة على استقرار الشارع الداخلي.
فالنظام الذي يرى أنه استطاع العبور من أخطار وتحديات المواجهة العسكرية مستعيداً المبادرة، قد يواجه أزمة حقيقية في حال حصل انفجار داخلي على خلفية اقتصادية ومعيشية، مما يعيده لدائرة التهديد والانهيار التي لا تزال واشنطن وتل أبيب وكثير من أحزاب وجماعات المعارضة في الخارج تراهن على حصولها وصولاً إلى تغيير النظام والتخلص من التحديات التي ينتجها في منطقة غرب آسيا، وأخيراً على الاقتصاد العالمي.
