-
تينه موليندايك
ترجمة: رحاب منى شاكر…المصدر . الجمهورية ،نت
-
-
-
تينه موليندايك (Tine Molenwijk): عالمة أنثربولوجيا هولندية، مختصة بثيمات العنف ونظرة المجتمع إلى الجيش، والثقافة العسكرية، والأخلاق والصحة النفسية، وعلى وجه الخصوص اضطرابات كرب ما بعد الصدمة والجرح الأخلاقي. تعمل حالياً في كلية العلوم العسكرية، تدرّس الضباط المتدربين وتدير بحوثاً حول الجوانب السياقية للجرح الأخلاقي لدى العساكر وموظفي الشرطة.
صدرت مقالتها «الحرب كاكتشاف للحقيقة» في 2024 ضمن كتاب «التروما والحقيقة، حين تفشل اللغة» عن دار المدرسة العالمية للفلسفة (ISVW). وقد تمت ترجمتها عن اللغة الهولندية، ليس لأنها تُعبّر عن أحوالنا بشكل حرفي، وإنما لأن فيها الكثير ممّا يُمكِن أن يساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل.
*****
هل يُمكِن لصدمة حربٍ أن تفضي إلى اكتشاف حقائق جديدة؟ وفي حال الإجابة بنعم، فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الرؤى الجديدة هي «الـ»حقيقة؟ سوف أمرُّ في هذه المقالة على هذه الأسئلة من خلال بحثي، الذي أشتغل عليه كباحثة في الأنثربولوجيا الثقافية منذ قرابة العشر سنوات، والذي يتناول الجرح الأخلاقي لدى العساكر والمحاربين القدامى الهولنديين.
الجرح الأخلاقي مصطلح جديد نسبياً، ويُشير إلى تأثير الظروف التي تتعارض مع قناعاتنا وتوقعاتنا الأخلاقية السابقة [1]. في حالة الحرب قد ينطوي ذلك مثلاً على معضلة أخلاقية مأساوية، وعلى أن يكون أحدنا شاهداً على أفعال ملموسة تتناقض مع بوصلتنا الأخلاقية الداخلية، أو على سلوكيات غير متوقعة نقوم بها في غمرة الفوضى أو عبثية الحرب أحياناً. وقد يُفضي هذا النوع من الظروف إلى مشاعر عميقة بالذنب والخزي حيال الأفعال التي قام بها الشخص أو التي لم يتمكن من الحؤول دونها من ناحية، وإلى مشاعر غضب قوية حيال سلوكيات الآخرين وتقصيرهم وتخاذلهم من ناحية أخرى [2].
يشمل الجرح الأخلاقي جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية، والتي لا يُمكِن فهمها جيداً إلا من خلال مقاربة متعددة التخصصات. وسرعان ما ينقلنا عنصر الصدمة في الجرح الأخلاقي إلى مجال علم النفس الذي صار يُعتبر سلطة في فهم المعاناة الإنسانية وتفسيرها [3]. وبالمقابل يدعو البعد الأخلاقي لهذا الجرح إلى اعتبارات فلسفية، كإعادة النظر في التفسيرات الحدسية للذنب والخزي والغضب التي قد يُعاني منها الناس. وأخيراً هناك حاجة إلى بصيرة العلوم الاجتماعية لوضع الجرح الأخلاقي ضمن السياقات التنظيمية والسياسية التي يعمل فيها العساكر، والتي يطورون فيها مثلنا قناعاتهم الأخلاقية [4].
سوف تُظهر مقاربة متعدّدة التخصصات أن الجرح الأخلاقي لا يحتوي فقط على أحاسيس الذنب والخزي والغضب، والتي لطالما تمّ تفسيرها على المستوى النفسي والفردي، بل يفضي أيضاً إلى فقدان توازن أقرب إلى أن يكون اجتماعياً وأخلاقياً ووجودياً. فقدان التوازن كشكل من الاغتراب عن المجتمع الذي ينتمي إليه الشخص. من خلال الاغتراب وخيبة الأمل يتمكن المجروحون أخلاقياً أن يكتشفوا حقائق جديدة حول أنفسهم والعالم. وسوف أستكشف في هذه المقالة تجارب خيبة الأمل واكتشاف الحقيقة هذه، وأبدأ ببضعة أمثلة عن قصص حكاها لي محاربون قُدامى، حيث سأعرض كيف أنهم قد يتوصلون أثناء المعالجة إلى حقائق مُعقّدة – رغم أنه يتم تبسيطها أثناء العملية مما يفضي إلى وضوح جديد. ومن ثم سأصف الجرح الأخلاقي كأحد أشكال ما يسمى بـ «التحول الإبستمي»، وبعدها سأستكشف كيف تكون ردة فعل المحيط على هكذا تحولات وعلى ما يرافقها من أفكار وحدس حول حقائق جديدة، معقدة وبسيطة. وفي الختام سوف أتطرق إلى سؤال كيف ينبغي على الباحثين العلميين والمعالجين والآخرين المهتمين بالجرح الأخلاقي أن ينظروا إلى «الحقيقة». هل يُمكننا فعلاً أن نتعرف على الحقيقة؟ ولكني سأبدأ ببضع شهادات لمحاربين قُدامى توضح مباشرة العلاقة بين صدمة الحرب والحقيقة.
شهادات محاربين قدامى
التقيتُ بأحد المحاربين القدامى في كتيبة المشاة الهولندية (جزء من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في البوسنة)، والذي تم إرساله إلى سربرنيتشا في 1995، فأخبرني عن اختباره للعجز إبان سقوط المدينة، وكيف أنه من بين كل الشرور البشرية التي شاهدها استطاع أن يخبَر الخير المطلق أيضاً. حين سقطت سربرنيتشا، هرب كلٌ من السكان المحليين وعناصر الكتيبة من سربرنيتشا المدينة إلى معسكر آخر تابع للأمم المتحدة في بوتوشاري.
«قلتُ أثناء هربي لصبي إنه يجب أن يذهب معنا إلى بوتوشاري، ولكنه أجابني: ‘لا، فأنتم لم تعودوا قادرين على حمايتنا’، وأعطاني علبة مالبورو. لوّح إلي ومضى، ولم أره بعدها. لا بد أنه فكر: في حال وقعتُ في قبضة الأشرار، فلن يعثروا على السجائر. تأثرتُ كثيراً بهذا الحدث، أكثر مما تتصورين. لم نكن قادرين على حمايتهم، وخيبنا آمالهم، ومع ذلك تفضّل علي بعلبة سجائر».
في ظلِّ كارثة وشيكة، تركت هذه الهدية أثراً عميقاً في نفس المحارب القديم، وعرّت له الطبيعة البشرية المزدوجة: قدرتها على الخير والشر في الوقت ذاته.
وأخبرني محارب قديم آخر عن الألم والخزي اللذين يطاردانه دائماً حين يُفكر بفترة خدمته في أفغانستان. وأكد على المفارقة بأن ما يقومون به كان «في غاية الأهمية، وعديم الفائدة في الوقت ذاته». و«تخلينا عن الأمور التي كنّا قادرين على فعلها، لأن مئة وخمسين شخصاً في البرلمان الهولندي كان لهم رأي آخر». لقد غيّرت تجاربه نظرته إلى العالم، بحيث صار قابلاً لـ«جميع تدرجات اللون الرمادي». وهكذا اكتشف المحاربان في البوسنة وأفغانستان بأن العالم لا ينقسم ببساطة إلى أبيض وأسود، بل هو معقد وأحياناً متناقض.
غير أن الحقيقة يمكن أن تنقلب هوساً. وفي تلك الحالة سوف يتخذ اكتشاف الحقيقة أشكالاً متصلبة. وقتها يتحول الأمر إلى رحلة بحث عن «الـ»حقيقة. وقد رأيتُ ذلك لدى عددٍ كبير من المحاربين القدامى في البوسنة. بعضهم بقي عالقاً في غضبه على «سياسة البرلمان في لاهاي»، وفي محاولاته لـ«إبراز الحقيقة» بخصوص مسؤولية الحكومة الهولندية عن فشل بعثة كتيبة المشاة. ونظراً لتشبثهم، لم يتمكنوا من التعاطف مع أهالي الشباب الصغار والرجال الذين تم قتلهم في سربرنيتشا. تبين ذلك على سبيل المثال حين حكمت المحكمة العليا في 2019 بأن الدولة الهولندية مسؤولة جزئياً عن مقتل ثلاثمئة وخمسين رجلاً مسلماً في سربرنيتشا. بحيث استحق أهالي الضحايا على تعويض 10 بالمئة من الضرر الذي تكبدوه. غير أن هذا أغضب عدداً كبيراً من المحاربين القدامى، فرغم مطالبتهم بالتعويض، إلا أنهم فهموا الحكم كنوع من توجيه أصابع الاتهام إليهم. قال أحد المحاربين القدامى: «حتى هذه الـ 10 بالمئة ليست صحيحة، لأن كتيبة المشاة الهولندية لا تتحمل 0 بالمئة من مسؤولية هذه الفاجعة. مرّت سنوات وما زالت الحكومة الهولندية تضحك علينا!» [5]. يبدو أن هؤلاء المحاربين القدامى التمسوا السند في الوضوح حول سؤال الذنب، بعد أن خسروا براءتهم وأوهامهم حول عالم منظّم وعادل وذي معنى.
وقد استطاع محارب قديم آخر، من الذين اضطروا إلى مواجهة هوسهم بالحقيقة، أن يتخذ بعض المسافة من الحدث:
«استمر غضبي لمدة تسعة عشر عاماً. وكلّما ضجّت الصحف بالموضوع، انتزع مزاجي لمدة أسبوع وجافاني النوم. ليس بسبب الكوابيس، ولكن لأني كنت أجلس طوال الوقت لمشاهدة الأفلام الوثائقية محاولاً فهم الأشياء. أفهم اليوم نوعاً ما بأن اضطرابي سببه: …. أي قصة هي الصحيحة؟ ثمة زوايا نظر كثيرة جداً، وأنا غير قادر على فصل الحابل عن النابل. أنا غير قادر على التعامل مع هذا الوضع، ولا مع طريقة تفكير العالم بالموضوع. حين يتحدث الناس عن كتيبة المشاة الهولندية، فهم يتحدثون عني. الأمر ليس كذلك تماماً، ولكني أُحيل كل شيء إلى نفسي».
تُبيّن شهادات هؤلاء المحاربين القُدامى كيف أن كشف الحقيقة يتجاوز مجرد تحديد الوقائع ويُلامس الطبقات الأعمق للمعالجة الأخلاقية والعاطفية. هي طريقة للبحث عن قصة يُمكن التعايش معها وتُصحّح علاقتك مع العالم الخارجي ومع نفسك. غير أن هذه القصة ينبغي أن تتوافق مع تجاربك. كيف تجد قصة تتعايش معها إذا كانت الحرب قد علمتك أن كل شيء تؤمن به عبارة عن وهم؟
ومن المفيد أيضاً أن أقتبس غلنّ غراي (GIenn Gray)، الفيلسوف والمحارب القديم الذي دوّن تأملاته حول تجاربه كضابط في الحرب العالمية الثانية في كتابه الشهير: المحاربون: تأملات حول رجال في المعركة (1959)، الذي وصف فيه كيف أن العساكر الذين شاركوا في «الحرب الجيدة»، كما كانت تُسمّى الحرب العالمية الثانية عادة، أُصيبوا بخللٍ في بوصلتهم الأخلاقية. وفي مكان ما من كتابه يسجل مقتطفاً من مذكراته أيام الحرب والذي يصف فيه عدداً من حالات الموت التي كان مسؤولاً عنها بشكل مباشر أو غير مباشر. يستنتج في مذكراته: «أرجو ألا يثقل هذا ضميري، ولكن حتى إن لم يحصل ذلك، فسوف يكون مقلقًا لي».
يتأمل غراي في الأشياء التي أبرزتها الحرب فيه وفي زملائه العساكر، وفي الأثر الذي تركته لديهم بعد ذلك. ويكتب:
«بغض النظر عن الجبهة التي يقاتل فيها، لن يجد العسكري المتأمل مهرباً من الشعور بالذنب السياسي طالما بقي جزءاً من الدولة. وفي حال فضّل، جراء خيبة أمله، أن ينفصل عن أمته ويُخلص للإنسانية فقط، فسوف يمسي خائباً أيضاً، لأن لا ريب في أن الإنسانية تميل إلى الظلم مثلها مثل الدول… وفي مواجهة غرور الكائن الإنساني، وانغلاقه على نفسه وانعدام محبته، سوف يضطر العسكري المستيقظ أن يقول في قرارة قلبه: ‘حتى أنا أنتمي إلى هذا النوع. لا أخجل فقط من أفعالي، ومن أفعال أبناء أمتي، وإنما من أفعال البشرية بأسرها’… وكم من عسكري شعر بالنفور من الكائن الإنساني».
يُشكِّل الصراع الذي مرّ به غلنّ غراي دليلاً على وعيه الوجودي. ليست الفكرة أن الناس كائنات سيئة في واقع الأمر، وإنما أن أناساً يحملون نوايا طيبة يقومون بأفعال سيئة. تكمن المشكلة في «فشلنا أن نحيا وفق إمكانياتنا ورؤيتنا للخير».
صدمة الحرب كتحوّل إبستيمي نحو حقائق جديدة
سوف أستخدم مصطلح الجرح الأخلاقي كعدسة لاستكشاف الحقائق والأكاذيب التي تبرزها الحرب. أبدأ بمقارنة بين هذا المصطلح ومفهوم اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD). بحسب التعريف الرسمي، فإن الـ(PTSD) تتعلق بالتعرض لـ(خطر) الموت، و/أو الإصابات البليغة و/أو العنف الجنسي [6]. الأعراض المرافقة هي ومضات ارتجاعية وتجنب وأفكار سلبية وتهيج عصبي. في الـ(PTSD) يتعلق الأمر بالحوادث التي تُهدّد الحياة وتُهشّم الإحساس بالأمان وبمشاعر التوتر والإحساس الدائم بالخطر والتهديد. بالمقابل يتعلق الجرح الأخلاقي بالمواقف التي تتعارض بشدة مع البوصلة الأخلاقية والقِيَمية، وبتحطيم الإيمان بعالم عادل والتصور عن الذات كإنسان جيد. في الجرح الأخلاقي تكون مشاعر كالذنب والخزي والخيانة مركزية.
لا ينبغي النظر إلى الجرح الأخلاقي على أنه اضطراب نفسي من دون مزيد من التوضيح. حين يُعاني الشخص من اعتبارات وجروح أخلاقية، فهذا يعني أنه حافظ على إنسانيته وبوصلته الأخلاقية. إن مصطلح «التحوّل الإبستيمي» الذي صكته لوري آن باول (Larie Ann Paul) مهم في هذا السياق. «الإبستيمي» يعني: «مرتبط بالمعرفة». أقتبس من باول: «حين تمر الشخصية بتجربة جديدة ومختلفة، تجربة تعلّمها ما لا يمكنها تعلّمه من دون تلك التجربة المعينة، فهي تتعرض للتحول الإبستيمي» [7]. وتشمل باول التجارب الإيجابية، كالعشق وإنجاب طفل، والتجارب الصادمة، كالتعرض للعنف أو الحرب، على حد سواء. بمقدور هكذا تجربة مؤثرة – سلبية كانت أم إيجابية – أن تُغيّر نظرتك إلى العالم.
يُمكِن فهم قصص المحاربين القدامى التي ذكرتها آنفاً على أنها تحولات إبستيمية. وفي بعض التحولات يتوصل المحاربون القُدامى إلى الإدراك المؤلم بأن أفكارنا حول الخير والشر غير صالحة. إنه وعي بأن عالم الحرب، وعالم ما يُسمّى بـ«اللاإنسانية»، لا يقع خارج حدود العالم الإنساني، بل هو جزء من كوننا بشر. ينطوي التحول الإبستيمي إذن على تغيّر في التصورات حول الإنسانية، وعلى الإدراك الجديد بأن فقط البشر قادرون على أن يكونوا لاإنسانيين – لا يمكننا وصف أسد يفترس عجلاً بأنه لا إنساني. لذلك يمكن أن يضرّنا التعرّض لأفعال لاإنسانية، ومن ضمنها لاإنسانيتنا نحن، ولكنه يُفضي في الوقت ذاته إلى بصيرة جديدة.
حقائق المحيط الاجتماعي
قد تتنافر عمليات التحوّل الإبستيمي والجرح الأخلاقي مع ردات فعل المحيط الاجتماعي على تعبيرات الذنب والخزي. كثير من المحاربين القدامى أخبروني بأنهم حاولوا أن يشاركوا بحذر صراعاتهم الداخلية وأفكارهم مع زملائهم ورؤسائهم، فكان الرؤساء يقولون: «ولكن لم يكن بيدك أن تفعل شيئاً آخر!»، أو «لقد قدّمت أحسن ما عندك»، أو «ربما لا يمكنك رؤية ذلك الآن، إلا أن خياراتنا كانت صحيحة ضمن الصورة الأكبر» [8]. واللافت أن تجاربهم تتشابه مع تجارب محاربين قدامى من بلدان أخرى وبعثات أخرى [9].
لا يقتصر هذا النوع من ردات الفعل على الزملاء والرؤساء الذين يريدون طمأنتهم. ذلك أن جزءاً من مقدمي الرعاية الاحترافيين يفعلون الشيء نفسه تقريباً، كالمختصين النفسيين والداعمين الروحيين، الذين يتم تعزيز هذه التفاعلات لديهم أثناء تدريبهم المهني. فقد تعلموا نظريات حول الشعور بالذنب المرتبط بالتروما، والتي تم تطويرها مثلاً ضمن أبحاث حول ضحايا الاغتصاب والصدمات النفسية التي تحدث في سن الطفولة. لذلك يعتبرون مشاعر الضحايا بالذنب والخزي والغضب كمشاعر ليست في محلها. وفي الـ (DSM)، الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، يوصف الشعور بالذنب والغضب لدى المصابين بالصدمة النفسية على أنه جزء من «اضطرابات في الإدراك». حتى في النظرية حول الصدمة المتعلقة بالقتال يُفهم الشعور بالذنب على أنه «منطق زائف» [10].
وقد يُفضي هذا النوع من ردات الفعل النابعة عن حسن نية إلى المفارقة التي تثبّت أو توسّع الجرح الأخلاقي لدى المحاربين القدامى. مهما كانت النية حسنة ومبنية على حقائق، إلا أنها تجعل المحارب القديم يشعر بأنه وحيد في صراعه، مما يزيد من اغترابه عن العالم الخارجي الذي لا يرى ما يراه [11]. ويشعر بعض المحاربين القدامى بأن خيانة ما حدث معهم هو إنكار للحقيقة. وعلى أية حال، فهم يفهمون إنكار الظلم الذي وقع عليهم كفعل ظالم جديد. تُظلم تجاربهم، مما يجعلها جارحة أخلاقياً بحد ذاتها. نطلق على هذا النوع من الظلم تسمية «الظلم الإبستيمي» [12].
ينبغي فهم هذه التفاعلات في سياق اجتماعي أوسع، بحيث يتشبث الحسّ السليم للمجتمع ببعض الأوهام. فالمجتمع يعتمد مقاربة تبسيطية للعساكر: هم في نظره إما صعاليك أو أبطال أو ضحايا [13]. رغم أن هذا التصنيف نابع عن نية حسنة، إلا أنه ينكر التعقيد الأخلاقي وتعددية قصص العساكر. بل يبدو أن هذا هو المطلوب: من خلال تبسيط الحقائق نتخذ مسافة من الواقع المعقد بطريقة مريعة [14]. غير أن قصص الأبيض والأسود التي تُحكى عنهم، قد تُفضي إلى رسم كاريكاتورات منزوعة الإنسانية عن العساكر.
وفي الوقت ذاته، وكما ذكرتُ آنفاً، فمن الممكن أن يدفع اليأسُ المحاربين القدامى إلى أن يبحثوا بأنفسهم عن حقيقة جديدة وواضحة بالأبيض والأسود. وهكذا يُصبح مصطلح الجرح الأخلاقي جزءاً من العملية، ويُفسَّر ويُستخدم كعنصر من هذه الحقيقة الجديدة. وفي هذه الحقيقة الجديدة تُعكس كل مسؤولية الأفعال – كالعدوانية حيال المواطنين – إلى الزملاء والرؤساء وحتى الضحايا المباشرين، مما يؤدي إلى الإعفاء الزائف للنفس من الذنب، فيتحول الذنب إلى الآخرين. وبعد كل ندوة ألقيها حول الجرح الأخلاقي، يأتي محارب قديم ليقول لي بصوت متوتر: «كما توقعتُ، أنا لا أعاني من اضطراب الكرب التالي للصدمة، لستُ مجنوناً، كل ما هنالك أني لا أرضى الظلم». والظلم هنا لا يتعلق بما فعل المحارب القديم بنفسه أو بما شَهِد من أفعال الآخرين، وإنما ظلم الآخرين له.
تكمن أحياناً في ردات فعل المحاربين القدامى رغبةٌ بأن أثبت لهم أنهم مجروحون أخلاقياً. وأحياناً يُطلب ذلك مني بشكل مباشر، مثلاً عن طريق سؤال من قبيل: «تينه، أشعر بخيانة رئيسي، والجميع يقول إنه شجار مهني، ولكن ألستُ مجروحاً أخلاقياً؟».
يساعد الجرح الأخلاقي إذن على فهم الذات والشعور بالاعتراف، ولكن يمكن أن يُستخدم أيضاً كطريقة لعكس الشك بالنفس والمشاكل الشخصية إلى الخارج ونسبها إلى خيانة الآخرين. وهكذا لا يُعنى «الجرح الأخلاقي» بإزالة القناع عن الأوهام فقط، ولكن يمكن أن يتحول إلى وهم جديد. وحين أُترجم هذا إلى السؤال المركزي في المقالة، يتضح أن صدمة الحرب قد تُوسِّع الرؤية، ولكنها قادرة أيضاً أن تفضي إلى أوهام جديدة وحقائق زائفة.
ما هي الحقيقة بالنسبة للذين يُحلِّلون حقائق الآخرين؟
السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت ثمة حقيقة موضوعية حول الخير والشر والذنب والخزي. ينبغي علينا، نحن الباحثين العلميين والمعالجين والمهتمين بالجرح الأخلاقي، أن نتساءل: هل بمقدورنا كمراقبين أن ندعي شيئاً حقيقياً ونهائياً بخصوص القصص التي نسمعها من أناس مجروحين أخلاقياً؟
هذه مسألة مُعقّدة. كعالمة اجتماعية تعلمتُ أن أُحلل شهادات الناس حول تجاربهم كسرديات، أي كبنية قصصية. كذلك لا أنظر إلى الأخلاق على أنها حقائق مُطلقة حول الصح والخطأ. ورغم الاعتقاد أحياناً بأن هناك حدساً أخلاقياً كونياً، كحدس العدل والصدق والتبادلية، إلا أنه يبدو بأن القناعات والتوقعات الأخلاقية تتحدّد إلى حد كبير من خلال تأهيلنا الاجتماعي كأعضاء في مجتمع أخلاقي [15]. باختصار: تنطلق فلسفة المعرفة التي أَتبناها من أن التجارب والحقائق الأخلاقية ليست وقائع مُطلقة، بل تشكّلت في سياق اجتماعي ومن خلال قصص تطورت فردياً وجمعياً.
طبعاً هذا ليس كل شيء. وما زلنا أمام سؤال ما إذا كان ثمة شيء اسمه حقيقة في (أو بعد) تلك البُنى الاجتماعية، أم أنه ينبغي علينا التخلي عن تلك الفكرة أيضاً؟ شخصياً تلقيت تعليماً كبنائية راديكالية، إلا أن بحوثي جعلتني أُعدّل توجهي نحو مقاربة واقعية نقدية. بمعنى آخر، لم أعد أعتمد كإبستمولوجية أن كل شيء ليس أكثر من بنية اجتماعية، ولكنني أَنطلق من واقعية فيها خير وشر يمكننا اعتمادها كحقيقة. وملاحظتي أن بعض الذين يُعرّفون أنفسهم كبنائيين راديكاليين يفعلون عملياً الشيء نفسه. اسمحوا لي أن أوضّح ذلك من خلال مقارنة. خذوا على سبيل المثال طفلاً تم استغلاله جنسياً ويشعر بالذنب حيال مساهمته في استغلاله، وخذوا محارباً قديماً يشعر بالذنب لأن شعوراً عارماً بالإحباط جعله يضرب مواطناً أعزل. من خلال مقاربة بنائية راديكالية، لا يمكننا القول سوى إن الشعور بالذنب يتعلق بالسرديات والهياكل التابعة لذلك الشخص. ربما يكمن المخرج في الحديث عن حقائق ما بين ذاتية، ومتضمَّنة في بنية اجتماعية مشتركة، غير أن هذا يعني أنك لا تستطيع أن تحكم على استغلال الطفل جنسياً في حال تربى ضمن مجتمع يقبل بذلك. أمّا من منظور واقعي نقدي، فيُمكن القول بأن الشعور بالذنب في إحدى الحاليتين واقعي وفي الحالة الأخرى هو ليس كذلك.
وتظهر المقاربة البنائية الجذرية للجرح الأخلاقي نوعاً ما في الممارسة العلاجية. كثير من المعالجين يطمحون ألا يتأثروا بأحكامهم حول قصص زبائنهم، ويعتبرون أن الأحكام الأخلاقية لا علاقة لها بالممارسة السريرية. غير أن هذا مجرد سوء فهم. فعلى سبيل المثال، ينبغي عليك كمعالج لطفل مستغل جنسياً أن تختار استراتيجية علاجية تتحدى قناعات الطفل، أمّا في حالة المحارب القديم الذي استخدم العنف، فربما ستحتاج إلى التركيز على القبول ومسامحة الذات. هذا يعني أن الأحكام الأخلاقية هامة بالفعل، بل إن إنكارها قد يكون مضراً. فالإنكار في حال المحارب القديم المجروح أخلاقياً، قد يُفضي عن غير قصد إلى تعزيز الأوهام والزيف والشعور بخيانة العالم له.
مقاربة مشتركة تُنصف حقيقة الصدمة
ماذا تعني هذه الإبستمولوجيا عملياً؟ وكيف نصل إلى شكل من أشكال الحقيقة المشتركة؟ كواقعية ناقدة أقول ما يلي: يُمكننا الحديث عن وجود حقيقة معينة يصل الناس إليها أثناء الحرب، بحيث نعتبر صدمتهم النفسية تعبيراً عن تلك الحقيقة. ومع ذلك لا يمكننا الوصول إلى تلك الحقيقة إلا بشكل غير مباشر، عن طريق اللغة مثلاً، أو القصص أو الممارسات.
يقال غالباً بأن الصدمة النفسية «غير قابلة أن تُنطق»، بأنه لا توجد كلمات معبرة [16]. وهذا صحيح جزئياً، فهي تبقى أحياناً «ما قبل سردية» [17]. ولكن السبب لا يكمن في أنه ليست ثمة كلمات تُعبِّر عن الرعب. لدينا كلمات من قبيل «دم» و«ألم» و«فظيع» و«لؤم». ولدينا أيضاً مقولات كـ«أشعر بالذنب» و«أشتاق الحرب في الوقت ذاته». تكمن مشكلة الصدمة النفسية غير القابلة للنطق في طبيعة التجربة الكارثية والغامرة. والطريق إلى الشفاء غالباً ما يكون من خلال سرد التجربة الصدمية، لكي تخف طبيعتها الغامرة ويتم دمجها ضمن قصة الحياة، وبهذه الطريقة في الحياة. ويكمن الجزء الآخر من المشكلة في أننا، كما اتضح آنفاً، لا نصنع القصص وحدنا. ويختلف المعنى الذي يمنحه المجروحون أخلاقياً أنفسهم لتجاربهم عن المعنى الذي يمنحه الآخرون لها. هكذا تُختزل قصص المحاربين القدامى المُعقّدة في الخطاب العام وتتحول إلى كاريكاتورات الصعلوك والبطل والضحية. إن مشكلة «عدم القابلية للنطق بها» لا تعني فقط بأن الكلمات غير متاحة، بل إن مقولات كـ «أشعر بالذنب» أو«أشتاق الحرب» تحمل معانٍ منحرفة، مما يُحتّم تشوه قصص المحاربين القدامى عن غير قصد. لذلك يُفضّلون الصمت على أن تُحرّف قصصهم. وهكذا تبقى صدمة الحرب غير منطوق بها.
يبدو أنه يصعب علينا، في مجتمعاتنا أن نُعبّر عن تعقيدات الحقيقة وتجارب الموت والحياة. غالباً ما نتحدث اليوم عن المسائل الأخلاقية من خلال اللغة الثنائية لقانون العقوبات، أو اللغة السريرية لعالم الطب. نستخدم مصطلحات من قبيل «جيد/سيئ» أو«مذنب/بريء» أو«صعلوك/بطل/ضحية» للتعبير عن مواقف أخلاقية في غاية التعقيد. ولكن في حال استخدمنا مصطلحات كـ«صراع أخلاقي» أو «تراجيديا» أو «ندم مأساوي»، فعلى الأرجح أن المجال سوف يتسع لبعض التعقيد الأخلاقي. ويُمكِن استعارة هكذا مفاهيم وقصص أخلاقية من الفلسفة، ولكنها موجودة أيضاً في الثيولوجيا، وعلى الأخص في القصص الدينية والفن [18] [19] [20].
أو خذوا طقوس التطهير على سبيل المثال. من زمان كانت هناك طقوس نموذجية من أجل العساكر العائدين في المجتمع، وما زالت تلك الطقوس موجودة في بعض البلدان. ففي موزامبيق، مثلاً، خضع العساكر إلى طقوس تطهير نموذجية بعد الحرب الأهلية الأخيرة. الهدف: تحريرهم من أرواح الذين قتِلوا على أيديهم أو رأوهم يُقتلون. وقد توجب على هؤلاء العساكر أن يُعيدوا تمثيل تجاربهم في الحرب، ويشربوا شراب الأعشاب المطهر، وينظفوا أنفسهم في حمامات معينة. وشارك أهل هؤلاء العساكر في تلك الطقوس، علاوة عن اعتقادهم بأن أرواح أجدادهم كانت حاضرة معهم. وبعد الانتهاء يُستقبل العساكر بحفاوة من قبل جميع أهالي القرية. الفكرة هي أن هذا يُعيد التوازن الروحي والاجتماعي [21]. وبما أن العساكر قد طوّروا أفكارهم حول الخير والشر في المجتمع، وتم تجنيدهم باسم ذلك المجتمع، لذلك تحدث المعالجة ضمن علاقتهم بالمجتمع أيضاً.
ونظراً لمحدودية المقاربة القانونية البحتة، تتم إدانة المحارب القديم أو يُعلن عن براءته. أمّا في المقاربة الطبية، سرعان ما يُترك وحده في غرفة العيادة. وبالمقابل، المقاربةُ الأوسعُ سوف تُنصِف الأبعادَ الأخلاقيةَ المعقدةَ للصدمة وسياقها الاجتماعي الواسع. ويُمكِن العثور على هذه المقاربة في قصص المحاربين القدامى، وفي طقوس التطهير والأدب المتخيل وغير المتخيل حول الحرب. أكاديمياً تُترجم هذه المقاربة إلى مفاهيم أخلاقية، ورؤى فلسفية وجودية، وآفاق علم-اجتماعية. هذا يعني أن المقاربة الواسعة لا تتطلب خبرة طبية وقانونية فحسب، وإنما كذلك مهارة متعددة التخصصات وتجربة عملية. ويُساهم الخطاب الكلي المتعدد الأصوات، في كلٍّ من القصص المجتمعية والسياقات الأكاديمية والسريرية، بفهم أعمق للصلة بين التروما والحقيقة.
مقاربة من هذا النوع مهمة بالنسبة للمجتمع وللمجروح أخلاقياً على حد سواء. وكما وضّحت، فإن الحقائق الوجودية المرافقة للصدمة تكون أحياناً غامرة إلى درجة يتم الهروب منها فوراً. والوساطة التي تتم عبر اللغة والممارسات وتُنصف الحقائق من دون طمسها، تفسح المجال لإدماج هذه الحقائق في حياة المجروح أخلاقياً. إنها تجعل الاعتراف بالأبعاد الأخلاقية للصدمة النفسية ممكنة بطريقة تتجاوز التفكير الثنائي بالأسود والأبيض. بالنسبة للمجروح أخلاقياً، سوف يوفر هذا سبيلاً لتخفيف الألم وربما أيضاً للتصالح (مع الذات) بطريقة تُناسب تجاربهم وتُنصف ما اكتشفوه كحقيقة.
-