|
نريد عدالة لا تستمدّ قيمتها من هويّة المنتصر، ولا تفقدها لأن المؤسّسة التي بدأت تطبيقها ناقصة، بل تكتسب مشروعيتها تدريجياً كلما اقتربت من أربعة شروط: حقيقة لا تتغيّر بتغيّر هويّة الجاني، وإجراءات لا تتغيّر بتغيّر هويّة المتّهم، ومؤسّسة تحاسب نفسها كما تحاسب خصومها، واعتراف لا يفرّق بين الضحايا بحسب الطرف الذي قتلهم.
في الحادي عشر من آب/ أغسطس 2026 صدر في دمشق حكم بالإعدام بحقّ بشّار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب، في واحدة من أكثر القضايا رمزية منذ سقوط النظام السوري السابق في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024.
حوكم بشّار وماهر غيابياً، فيما مثل عاطف نجيب أمام المحكمة، وأُدين الثلاثة، بدرجات وصيغ قانونية مختلفة، بجرائم تتّصل بالقتل والتعذيب والاعتقال والانتهاكات التي رافقت قمع الاحتجاجات منذ بداياتها.
منذ 2011 كانت محاكمة الأسد في صميم ما خرج السوريون من أجله، هتافاً ومطلباً تكرّر في كل ساحة؛ ما كان بعيداً هو الوصول إليه لا الرغبة في محاسبته، بعدما صرفت آلة القمع التي رأسها، ثم الحماية الدولية التي أحاطته، كل جهد لإبقاء مساءلته خارج المتناول. ولهذا لم يكن ظهور اسمه في منطوق حكم قضائي سوري خبراً يمكن المرور عليه بوصفه شأناً قضائياً عادياً؛ فالرجل الذي كان رأس المنظومة السياسية والأمنية التي حكمت البلاد، وغادرها إلى روسيا بعد انهيار نظامه، صار للمرّة الأولى موضوع إدانة صادرة من داخل سوريا نفسها، في بلد راكم على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً مئات آلاف الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمهجّرين.
لهذا حمل الحكم، بالنسبة إلى الضحايا، معنى يتجاوز إمكانية تنفيذه. فحتى لو بقي الأسد في موسكو، وحتى لو عجزت السلطات السورية عن الوصول إليه، فإن مجرّد انتقال الخطاب العامّ في الدولة، ولو رمزياً، من مرحلة لغة «الأحداث» و«الأزمة» و«مكافحة الإرهاب» التي استُخدمت طوال سنوات لتبرير العنف، إلى مرحلة الاعتراف بالجرائم والمسؤولية والضحيّة، تحوّل في السردية القانونية نفسها. العدالة لا تبدأ دائماً من السجن، أحياناً يكون أوّل أشكالها أن تعترف مؤسّسة عامّة بأن من قُتل لم يكن خسارة في حرب، وأن من عُذّب لم يكن خصماً سياسياً، وأن الجريمة التي أفنى الضحيّة سنواته محاولاً إثبات وقوعها صارت أخيراً حقيقة معترفاً بها في سجلّ رسمي.
من يمتلك شرعية المحاكمة؟
لكنّ هذه اللحظة التي كان يمكن أن تشكّل نقطة التقاء واسعة بين السوريين، انزلقت سريعاً إلى نزاع، لا لأن هناك خلافاً جدّياً حول حجم الانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد، بل لأن السؤال انتقل من مسؤولية المتّهم إلى شرعية من يحاكمه. فالسلطة التي تدير القضاء السوري اليوم لم تأتِ من انتقال سياسي توافقي مكتمل، إنما بعد إسقاط النظام بالقوّة، وهي نفسها تواجه اتّهامات خطيرة تتعلّق بانتهاكات ارتكبت خلال المرحلة الانتقالية. وقد وثّقت منظّمات دولية وحقوقية جرائم واسعة في مجازر الساحل بحقّ مدنيين علويين، كما وثّقت جرائم حرب ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوّات حكومية أو مرتبطة بها خلال مجزرة السويداء بحقّ مدنيين دروز، إلى جانب جرائم ارتكبتها أطراف محلّية أخرى. وهكذا وجد السوريون أنفسهم أمام مفارقة أخلاقية وقانونية شديدة التعقيد: سلطة تطالب اليوم بحقّ محاكمة مرتكبي جرائم الأمس، بينما لا تزال مساءلتها عن جرائم اليوم موضع اختبار.
من هنا خرج النقاش من حدوده القانونية المباشرة. لم يعد السؤال ما إذا كان بشّار الأسد يستحقّ المحاكمة، بل: هل تملك هذه المؤسّسة حقّ محاكمته؟ وهل يمكن لسلطة متنازَع في شرعيتها، ومتّهمة هي الأخرى بانتهاكات جسيمة، أن تنتج حكماً ذا قيمة أخلاقية؟ وهل الاعتراف بالحكم يعني بالضرورة الاعتراف بالسلطة التي أصدرته؟ تبدو هذه الأسئلة سوريةً في ظاهرها، لكنّها في العمق تعيدنا إلى معضلة قديمة في فلسفة القانون والأخلاق: أين توجد العدالة تحديداً؟ أهي صفة لمن يمارسها، أم للفعل الذي يقوم به، أم للإجراءات التي أوصلت إلى النتيجة، أم للأثر الذي يتركه الحكم في الضحايا والمجتمع؟
قبل الإجابة، لا بدّ من تفكيك مفهوم يختلط بالعدالة في النقاش السوري، وهو «الشرعية». فنحن نستخدم الكلمة نفسها للإشارة إلى مستويات مختلفة. هناك أولاً المشروعية القانونية، أي أن يستند الحكم إلى نصّ، وأن تكون المحكمة ذات اختصاص، وأن تجري الإجراءات ضمن إطار قانوني قائم. وهناك الشرعية السياسية، أي السؤال عن مصدر حقّ السلطة في الحكم: أجاء من انتخابات أو عقد دستوري أو توافق مجتمعي، أم من السيطرة الفعلية على الدولة بعد انتصار عسكري؟ وهناك أخيراً الشرعية الأخلاقية، وهي أوسع من الاثنتين معاً: هل تمارس السلطة قوّتها وفق قواعد يمكن الدفاع عنها أخلاقياً، وتطبّقها على الحليف كما على الخصم، وتقبل أن تخضع هي نفسها للمعيار الذي تفرضه على الآخرين؟
هذه المستويات ليست متطابقة، وقد تتباعد إلى حدّ بعيد. فقد تكون حكومة قانونيةً وفق دستور قائم لكنّها بلا شرعية سياسية واسعة، وقد تحظى سلطة بتأييد شعبي في لحظة تاريخية ثم ترتكب أفعالاً لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً. وبالمثل، قد تُصدر مؤسّسة ناقصة الشرعية حكماً صحيحاً في قضيّة بعينها، مثلما تستطيع مؤسّسة كاملة الشرعية أن تُصدر حكماً ظالماً. لهذا لا يقود الاعتراف بالقيمة الأخلاقية لفعل محدّد، منطقياً، إلى منح الفاعل كله شرعية أخلاقية أو سياسية. إن أفرج نظام استبدادي عن معتقل بريء، لا يصير إطلاقه ظلماً بسبب استبداد النظام؛ وإن أعادت حكومة غير ديمقراطية مالاً مسروقاً إلى صاحبه، لا يبطل ردّ الحقّ لأن من ردّه غير ديمقراطي. أخلاق الفاعل لا تنتقل بصورة آليّة إلى كل فعل يصدر عنه.
تجد هذه الفكرة جزءاً من جذورها في الوضعية القانونية الحديثة، وخصوصاً في أعمال هربرت هارت، التي ميّزت بين وجود القاعدة القانونية وقيمتها الأخلاقية. فالسؤال «هل هذا قانون؟» لا يساوي السؤال «هل هذا القانون عادل؟». وكان هذا الفصل مهمّاً لأنه سمح للفكر القانوني بأن يعترف بإمكان وجود أنظمة قانونية ظالمة من دون إنكار واقعها القانوني، وأتاح في الوقت نفسه نقدها أخلاقياً من خارج بنيتها الداخلية. وفي الحالة السورية، يساعد هذا المنهج على تفكيك النقاش إلى مستويات مستقلّة: يمكننا أن نسأل هل المحكمة مختصّة وفق النظام القانوني السوري، وهل استندت إلى نصوص نافذة، ثم ننتقل إلى سؤال مختلف تماماً عن عدالة الإجراءات وحياد المؤسّسة وشرعية السلطة التي تعمل في ظلّها.
غير أن القضاء يختلف عن إعادة المال المسروق أو إطلاق المعتقل، لأن الحكم ليس فعلاً أخلاقياً منفرداً، بل ممارسة لحقّ العقاب باسم المجتمع. هنا يكتسب الاعتراض المؤسّساتي اسماً أدقّ ممّا يُتداول عادةً.
أهلية المساءلة
في فلسفة العقاب ثمّة مفهوم هو «الأهلية الأخلاقية للمساءلة»، أي أن للمعاقِب أن يستدعي المتّهم ليجيب عن فعله لا يكفي فيه أن يكون المتّهم مذنباً؛ يُشترط في المستدعي نفسه أن يكون في موقع يخوّله توجيه الاتّهام. والفكرة، كما بلورها أنتوني دَف، بسيطة في حدسها عصيّة في تطبيقها: من تورّط في المظلمة نفسها التي يحاكم غيره عليها يفقد جزءاً من حقّه الأخلاقي في أن يقف موقف القاضي، حتى لو كان حكمه صائباً في موضوعه. وهذا بالضبط هو المأزق السوري في أدقّ صوره: لا أن الإدانة كاذبة، بل إن المؤسّسة المتّهمة بانتهاكات موازية تفتقر، أخلاقياً لا إجرائياً فقط، إلى الأهلية الكاملة لتوجيهها. حين تسجن الدولة إنساناً أو تحكم عليه بالموت، فإنها تمارس أقصى سلطتها عليه، ولهذا لا يمكن فصل عدالة النتيجة عن عدالة الطريق الذي أوصل إليها.
هذا جوهر المقاربة الأخلاقية المبدئية المرتبطة، في أحد جذورها، بفلسفة إيمانويل كانط: قيمة الفعل لا تُختزل في نتيجته، والإنسان لا يجوز أن يتحوّل إلى مجرّد وسيلة لتحقيق غاية أخرى، مهما بدت نبيلة. وبذلك لا يصبح المتّهم دون حقوق لأن المجتمع مقتنع بذنبه، ولا تُحوَّل محاكمته إلى وسيلة لإنتاج شرعية سياسية أو إرضاء رغبة جماعية في الانتقام. وهنا يلزم توضيح لئلا يُساء فهم مسار الحجّة لاحقاً: التكأة على كانط في هذا المقال ليست تكأة على موقف من عقوبة الإعدام. فكانط نفسه دافع عن الإعدام دفاعاً صريحاً على أساس قصاصي، بوصفه المكافئ العادل للقتل. ما نستعيره منه ليس حكمه في شدّة العقوبة، بل مبدأه في أن المتّهم غاية لا وسيلة، أي أن حقّه في محاكمة عادلة لا يسقط لأن إدانته تخدم رواية سياسية. الاعتراض الذي سيأتي لاحقاً على حكم الإعدام سيقوم على أرض أخرى تماماً — أرض جدوى المحاكمة وشروط التعاون الدولي — لا على أرض كانطية مفترضة ضد الإعدام لا وجود لها.
تتّضح أهمّية هذا المبدأ حين يكون المتّهم شخصاً مثل بشّار الأسد. فمن السهل أن ندافع عن حقّ محاكمة عادلة لمن نظنّه بريئاً أو نتعاطف مع قضيّته؛ هذا الدفاع لا يكلّفنا شيئاً ولا يختبر التزامنا الحقيقي. الاختبار يبدأ حين نطالب بالحقوق نفسها لمتّهمٍ نعتقد أن الأدلّة على مسؤوليته عن جرائم هائلة — أي حين يكون المتّهم هو الأسد نفسه لا خصمه. فإن كانت قرينة البراءة وحقّ الدفاع وحياد القضاء لا تشتغل إلا مع من نتعاطف معه، فهي ليست حقوقاً بل امتيازات نمنحها لمن نرضى عنه. من هنا يُفهم الاعتراض على الإعدام لا بوصفه تعاطفاً مع الأسد، بل دفاع عن قاعدة يجب أن تبقى قائمة أيّاً كان من سيطبَّق عليه القانون.
لكنّ الأخلاق المبدئية لا تستنفد معنى العدالة. ثمّة مدرسة أخرى تسأل عن أثر الفعل لا عن نقاء قاعدته فحسب. المقاربة النتائجية، المرتبطة تاريخياً بالنفعية عند جيرمي بنثام وجون ستيوارت ميل، تزن الأفعال بما تنتجه في العالم. وإذا نقلنا سؤالها إلى محاكمة الأسد، صار: ماذا يفعل الحكم فعلاً؟ هل يمنح ضحايا التعذيب والقتل اعترافاً حُرموا منه سنوات؟ هل يُضعف الإنكار؟ هل يسجّل في الذاكرة الرسمية أن ما ارتُكب لم يكن ممارسة مشروعة للسلطة بل جريمة؟ وهل يخفّف، ولو جزئياً، شعور جماعات كاملة بأن آلامها لم تكن مرئية؟
هذا المدخل أقرب إلى ما أنتجته تجارب العدالة الانتقالية في العقود الأخيرة. فالعدالة الانتقالية لم تنشأ من افتراض أن المجتمعات الخارجة من الديكتاتوريات والحروب تستطيع ببساطة أن تُعيد تشغيل قضاء كامل مستقلّ ثم تحاكم كل الجناة. على العكس، تنطلق عادةً من واقع تكون فيه مؤسّسات الدولة نفسها متورّطة أو منهارة، والمتّهمون هاربين أو محميين، والأدلّة موزّعة، والضحايا بأعداد تفوق طاقة المحاكم التقليدية. لذلك وسّعت مفهوم العدالة ليشمل المحاسبة الجنائية، ومعها كشف الحقيقة وجبر الضرر والاعتراف وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسّسات وضمان عدم التكرار.
العدالة الرمزية
في هذا السياق يصير مفهوم «العدالة الرمزية» أكثر جدّية ممّا توحي به الكلمة للوهلة الأولى. فالحكم الذي يتعذّر تنفيذه اليوم لا يُعيد الضحايا ولا يحرّر المختفين، لكنّه قد يؤدّي وظيفة أخرى: تحويل الحقيقة الاجتماعية التي يعرفها الضحايا إلى حقيقة قانونية معترف بها. حين تقول مؤسّسة عامّة لعائلة قضى ابنها تحت التعذيب إن ما جرى له جريمة، فهي لا تقدّم تعويضاً كاملاً، لكنّها تنزع عن الجريمة أمضى أسلحة الأنظمة الاستبدادية: الإنكار. فالجريمة السياسية لا تنتهي بموت الضحيّة دائماً؛ قد تمتدّ سنوات في حرمان عائلته من الاعتراف بأن ما وقع كان ظلماً أصلاً.
ولهذا تقدّم تجربة غامبيا مثالاً مفيداً، لكن على نحو أدقّ ممّا يُستدعى به عادةً. حين سقط نظام يحيى جامع بعد اثنين وعشرين عاماً وفرّ إلى غينيا الاستوائية، لم تستطع الدولة الجديدة أن تضعه فوراً أمام القضاء. ومع ذلك لم تعتبر غيابه سبباً لتعليق العدالة، ولم تلجأ في المقابل إلى حكم غيابي سريع يشفي الغليل. اختارت طريقاً ثالثاً: أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة والتعويضات، ووثّقت أنماط الانتهاكات، واستمعت إلى الضحايا، وحدّدت مسؤوليات، وأوصت بملاحقات. النموذج الغامبي، إذا دُقّق فيه، لا يبرّر الحكم الصادر في دمشق بقدر ما ينبّه إلى أن ثمّة أساليب أقلّ استعراضيةً من الحكم الغيابي: فالعدالة يمكن أن تبدأ قبل الوصول إلى الجاني، لا بحكم يُتلى في غيابه، بل ببناء سجلٍّ موثّق يصمد. إنها لا تقدّم فعلاً رمزياً من أجل الضحايا فحسب، بل تبني وثيقةً تمنع الجاني من أن يأخذ الحقيقة معه إلى المنفى.
ومع ذلك، وجد كثيرون في جلسة نطق الحكم لحظة اعتراف بكل ما جرى: تسمية صريحة للجريمة، وتثبيتاً لموقع الفاعل يُحفظ للتاريخ. وهذا هو ما يجعل البعد الرمزي لحكم الأسد مهمّاً وملتبساً في آن. فبشّار الأسد اليوم في روسيا، ولا مؤشّرات جدّية إلى استعداد موسكو لتسليمه. وليس من الدقيق الجزم بأنها لن تفعل أبداً، فالعلاقات الدولية محكومة بمصالح متغيّرة، لكن من الواقعي القول إن تسليمه في الظروف الراهنة بعيد الاحتمال. وعليه فالبديل العملي ليس، كما يُصوَّر، بين محاكمة مثالية مكتملة وبين الحكم الحالي، بل قد يكون في المدى المنظور بين قدر من العدالة الاعترافية وبين غياب أيّ حكم من داخل النظام القانوني السوري.
مفارقات عقوبة الإعدام
اختيار عقوبة الإعدام يعقّد الصورة بدل أن يحسمها. من منظور جزء من الضحايا قد يبدو الإعدام أقصى تعبير ممكن عن حجم الجريمة، لكن من منظور التعاون القضائي الدولي قد ينقلب إلى عقبة. دول كثيرة ألغت العقوبة ولا تسلّم مطلوبين إلى دولة يواجهون فيها احتمال تنفيذها إلا بضمانات كافية. والآليّة الدولية المحايدة المستقلّة الخاصّة بسوريا تشترط في تعاونها احترام المحاكمة العادلة وعدم استخدام دعمها في قضايا قد تفضي إلى الإعدام. وهنا لا نقف أمام «مفارقة» نمرّ عليها، بل أمام خلاصة نتائجية غير مريحة ينبغي أن تُقال بوضوح: بمنطق النفعية نفسه، قد يكون الحكم الأعلى إشباعاً رمزياً هو الأسوأ حصيلةً حتى بالنسبة إلى الضحايا، لأنه يقايض شعوراً بالقصاص اليوم بخفض فعلي في احتمال محاكمة حضورية غداً. النتائجي المتّسق لا يملك أن يهرب من هذا الاستنتاج بحجّة أنه قاسٍ على المشاعر؛ فإن كان معيار الحكم هو الأثر، فالأثر هنا يميل، على الأرجح، ضدّ الإعدام الغيابي لا معه.
من هنا يبرز الفرق بين العدالة القصاصية والعدالة القابلة للتحقّق. هل المطلوب أن يحمل الأسد في موسكو حكماً بالإعدام لا يُنفَّذ، أم أن تُبنى بنية قضائية تجعل تسليمه ممكناً ومحاكمته حضورية وعقوبته لا تعطّل التعاون الدولي؟ لا إجابة بسيطة، لأن السؤال لا يتعلّق بما يستحقّه الجاني في تصوّر الضحيّة، بل بما يزيد فعلاً فرص المحاسبة. وهكذا يمكن أن نتفهّم رغبة الضحيّة في أقصى العقوبة من دون أن نحوّلها إلى قاعدة قانونية عامّة. التفهّم الإنساني للقصاص شيء، وتصميم النظام الجنائي على أساسه شيء آخر.
على الطرف المقابل تقف حجّة «عدالة المنتصر»، وهي لا تُختزل في الدفاع عن النظام السابق. تاريخياً لم تكن هذه المعضلة غريبة حتى عن أهمّ المحاكمات الدولية. محاكمات نورمبرغ، التي أسّست لمفهوم المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تعرّضت منذ بدايتها لانتقاد جوهري: المنتصرون أنشأوا المحكمة وحاكموا قادة المهزومين، بينما لم تخضع أفعال الحلفاء للمعيار نفسه. كان هناك عنصر انتقائية لا يمكن تجاهله.
لكنّ قيمة نورمبرغ تكمن تحديداً في أنه يرفض أن يجبرنا على اختيار حقيقة واحدة. القول إن المحاكمات حملت جانباً من «عدالة المنتصر» لا يجعل المسؤولين النازيين أبرياء، مثلما أن حقيقة الجرائم النازية لا تُبطل كل اعتراض على تصميم المحكمة. الحقيقتان تصحّان معاً. وهذا بالضبط ما يحتاجه النقاش السوري: الاعتراف بأن نظام الأسد ارتكب جرائم واسعة تستحقّ المحاسبة، والسؤال في الوقت نفسه عن انتقائية المؤسّسة التي ستحدّد من يُحاسَب ومن يبقى خارج المحاسبة.
من هذه الزاوية تزداد المسألة السورية حساسية، لأن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تكون مشروعاً موجَّهاً إلى الماضي وحده. فإن كانت منظومة العدالة قادرة على ملاحقة مسؤولين عن جرائم 2011، وعاجزةً عن التحقيق المستقلّ في انتهاكات نُسبت إلى جهات مرتبطة بالسلطة الجديدة في 2025 و2026، فالمشكلة ليست ازدواجية سياسية عابرة، بل خلل في تعريف العدالة نفسه. المعيار الأخلاقي لا يصير عامّاً إلا حين يسري على من يمسك بالسلطة أيضاً.
وهذا ليس سؤالاً معلّقاً في الهواء، بل يطرحه تكوين المحكمة نفسها. فبحسب ما تداوله ناشطون وصحافيون سوريون، فإن القاضي الذي ترأس الهيئة التي حكمت على الأسد، فخر الدين العريان، كان قبل سنوات جزءاً من المنظومة القضائية التي نشأت في إدلب خارج الدولة السورية، حيث حكمت سلطات الأمر الواقع والفصائل المسلّحة عبر محاكم ومؤسّسات شبه قضائية موازية. وقد وثّقت منظّمات حقوقية دولية، بينها “هيومن رايتس ووتش”، أن تلك البيئة اقترنت بانتهاكات جسيمة: اعتقال نشطاء وإعلاميين بسبب انتقادهم الفصائل، وتعذيب، واختفاء، ومحاكمات لم تستوفِ شروط المحكمة المشكّلة قانوناً ولا معايير المحاكمة العادلة، وصولاً إلى إعدامات خارج نطاق القضاء. لا يعني هذا أن كل من عمل داخل تلك المنظومة مسؤول شخصياً عمّا جرى فيها؛ الإسناد الفردي شأن تحقيق لا شأن تعميم. لكنّه يعني أن المؤسّسة التي تحاكم اليوم رموز النظام السابق تحمل هي نفسها إرثاً قضائياً لم يُفتح ملفّه بعد، وأن سؤال «الأهلية للمساءلة» لا يبدأ من قفص الاتّهام وحده، بل من المنصّة التي تنظر إليه.
والقانون الدولي لا يمنح تلك البيئة حصانةً لمجرّد أنها ناهضت الأسد. فقد أقرّ القضاء الفرنسي بإمكانية ملاحقة جرائم التعذيب وجرائم الحرب المرتكبة في سوريا، حين يكون مرتكبها تابعاً لكيان غير حكومي يسيطر على أرض، ويمارس عليها سلطة شبه حكومية، وفتح تحقيقات في أفعال نُسبت إلى جماعة إسلامية في سوريا بين عامي 2012 و2018 لا تزال جارية. الجريمة لا تصير أقلّ خطورة لأنها وقعت تحت راية فصيل معارض، ولا لأن مرتكبها كان في خانة أعداء النظام. ولهذا فمن حقّ السوريين، وهم يرون رموز النظام السابق أمام القضاء، أن يسألوا عن المؤسّسة التي تحاكمهم لا عن المتّهمين وحدهم: أين ملفّات المدنيين الذين اختُطفوا، والنشطاء الذين اعتُقلوا لانتقادهم الفصائل، ومن اختفوا في سجون إدلب، ومن أُعدموا بعد محاكمات صورية؟ فالعدالة التي تعرف طريقها إلى دمشق ولا تعرفه إلى إدلب ليست عدالةً بعد، بل انتقائية تنتظر دورها.
هنا تقدّم فلسفة جون رولز أداة نافعة، شرط أن نعرف حدودها. في تجربته الشهيرة، «حجاب الجهل»، يطلب رولز من الأفراد أن يختاروا قواعد المجتمع قبل أن يعرفوا مواقعهم فيه: أغنياء أم فقراء، أقوياء أم ضعفاء، من الأكثرية أم الأقلية. الغاية منع الإنسان من تفصيل العدالة على مقاس موقعه. لكن يجب الانتباه إلى أن رولز صمّم أداته لمجتمع «حسن الترتيب»، مستقرٍّ تُتّفق فيه أصلاً على من يملك السلطة الشرعية، لا لسياق انتقالي قوامه انعدام الثقة والغموض حول شرعية السلطة القائمة نفسها. ولهذا تجادل باحثة مثل كولين ميرفي، في تأصيلها المفهومي للعدالة الانتقالية، بأن هذه العدالة ليست العدالة العادية مطبَّقة على لحظة انتقال، بل لها بنية معيارية خاصّة تنشأ من ظرف استثنائي: عدم يقين واسع، وانهيار سيادة القانون، وحاجة إلى تحويل علاقات سياسية بكاملها لا مجرّد معاقبة أفراد. وهذا التأطير مفيد لغرضنا تحديداً، لأنه يقلب النظر: اختلاف العدالة الانتقالية عن القضاء العادي ليس نقصاً نعتذر عنه، بل شرط في طبيعتها. وبهذا لا يعود معسكر الضحيّة ومعسكر المؤسّسة متقابلين بالضرورة؛ كلاهما يصف وجهاً من عدالة تعرف أنها تعمل في أرض غير مثالية.
بهذا القيد في الذهن، لنطبّق حجاب الجهل على سوريا. تخيّل أنك لا تعرف أين ستولد: في درعا أم الساحل أم السويداء أم إدلب أم دمشق، ولا تعرف هل ستكون من عائلة معتقل مات تحت التعذيب في سجون الأسد، أم من عائلة مدني علوي قُتل خارج القانون بعد سقوطه، أم من أسرة درزية فقدت أحد أفرادها في أحداث السويداء. ولا تعرف من سيحكم ولا إلى أيّ جماعة ستنتمي السلطة. ثم يُطلب منك اختيار قاعدة المحاسبة. من المستبعد أن تختار قاعدة تقول إن السلطة الناقصة الشرعية لا يجوز لها محاكمة أحد من النظام السابق، لأن النتيجة قد تكون إفلات الجناة كلما جاء الانتقال من بيئة غير مثالية. لكنّك لن تختار أيضاً قاعدة تمنح من ينتصر عسكرياً حقّ تحديد المجرم واحتكار القضاء.
القاعدة الأكثر أماناً لك، أيّاً كان موقعك المقبل، هي أن تكون الجريمة قابلة للمحاسبة بصرف النظر عن هويّة مرتكبها، وأن ينال المتّهم الحقوق نفسها بصرف النظر عن هويّته، وأن يستحقّ الضحيّة الاعتراف بصرف النظر عمّن ظلمه، وأن تخضع السلطة نفسها للمعيار الذي تحاسب به سابقتها. عندها لا يعود جوهر العدالة أن «بشّار الأسد يجب أن يحاكَم» فقط، بل إن القاعدة التي تحاكمه يجب أن تكون قادرةً، نظرياً وعملياً، على محاكمة أيّ مسؤول آخر سابق وحالي لو ثبتت بحقّه الوقائع ذاتها.
هنا بالضبط يلتقي سؤال شرعية الحكم بسؤال شرعية الحاكم. فالحكم القضائي قد تكون له مشروعية قانونية جزئية وقيمة أخلاقية للضحايا، من دون أن يمنح السلطة التي صدر في عهدها شرعية سياسية كاملة. وبالمقابل، لا تستمدّ السلطة شرعيتها الأخلاقية من مجرّد محاكمة خصومها. الشرعية الأخلاقية تبدأ حين تثبت السلطة أنها مستعدّة لتطبيق القانون على نفسها. وهذا هو الفرق بين أن تُستخدم المحكمة لبناء دولة القانون، وأن تُستخدم لبناء سردية المنتصر.
المحاكمة والخطاب السياسي
لم تناقش حنّة آرنت الحالة السورية بالطبع، لكنّ قراءتها لمحاكمة أدولف آيخمان تقدّم تحذيراً في محلّه. فالمحكمة قد تنزلق من مهمّتها المحدّدة — إثبات مسؤولية فرد عن جرائم بعينها — إلى أن تصير مسرحاً لإنتاج رواية سياسية كاملة عن التاريخ وعن الدولة التي تحاكِم. وكل سلطة انتقالية تحتاج، بدرجة ما، إلى قصة تأسيسية تفسّر لماذا هي مختلفة عمّا سبقها، ومَن الضحيّة ومَن الجاني. لكنّ المحكمة تصير خطرة حين تُستخدم النتيجة الجنائية لإثبات فضيلة السلطة نفسها. فمن حقيقة أن بشّار الأسد ارتكب جرائم لا ينتج منطقياً أن من أسقطه يمثّل العدالة، ومن قدرة السلطة الجديدة على محاكمة التعذيب لا يثبت أنها لا تمارسه.
لهذا فأهمّ سؤال قد لا يتعلّق بمن صدر الحكم بحقّه اليوم، بل بمن سيصدر الحكم بحقّه غداً. إن استطاعت المؤسّسة التي حاكمت الأسد أن تحقّق باستقلال في انتهاكات جهات محسوبة على السلطة الحالية، وأن تلاحق مسؤولاً نافذاً لو ثبتت مسؤوليته، فقد تصبح محاكمة الأسد الخطوة الأولى في انتقال حقيقي من عدالة المنتصر إلى عدالة الدولة. أما إن توقّف القانون عند حدود السلطة الجديدة، فستبقى القيمة الرمزية للحكم قائمة لضحايا النظام السابق، لكنّ الادّعاء بأننا أمام نظام شامل للعدالة الانتقالية سيصير أصعب بكثير على الدفاع.
وهذا يقودنا إلى جوهر الخلاف الفكري الذي أثاره الحكم. هناك من ينطلق من الضحيّة ومن أثر الفعل، موقف يقترب من البراغماتية الأخلاقية والنتائجية المحدودة والعدالة الانتقالية المتمحورة حول الضحايا؛ فبالنسبة إليه لا يلزم أن تكون المؤسّسة مثالية كي ينتج عنها فعل ذو قيمة. وفي المقابل موقف مؤسّساتي مبدئي يرى أن القضاء ليس اعترافاً أخلاقياً فحسب، بل استخدام لسلطة الدولة، فهويّة المؤسّسة واستقلالها وقدرتها على تطبيق المعيار نفسه على الجميع عناصر لا تنفصل عن معنى العدالة؛ ومن هذه الزاوية قد تنقلب محاكمة سليمة في موضوعها إلى أداة شرعنة إذا اقتصرت وظيفتها على محاكمة المهزوم وتحصين المنتصر.
لا أظنّ أن أحد الموقفين وحده يكفي لفهم الحالة السورية. العدالة ليست في النتيجة حصراً ولا في المؤسّسة، لا في الإجراءات وحدها ولا في شعور الضحيّة. الأرجح أنها تتوزّع بينها جميعاً. يمكن أن يكون الحكم صائباً في جوهر الإدانة، وذا قيمة حقيقية للضحايا، وأن يحمل في الوقت نفسه عيوباً إجرائية، وأن يصدر عن سلطة لم تثبت بعد شرعيتها الأخلاقية ولا قدرتها على إنتاج قضاء مستقلّ عن المنتصر. هذه الصفات لا تنفي بعضها؛ ومحاولة اختزال القضيّة في واحدة منها هي ما ينتج أغلب الاستقطاب.
فإن استخدمنا عيوب المحكمة لإنكار جرائم الأسد، تحوّل نقد السلطة الجديدة إلى تبرئة ضمنية للسلطة القديمة. وإن استخدمنا جرائم الأسد لتحصين المحكمة من النقد، حوّلنا العدالة إلى أداة سياسية للمنتصر. وإن جعلنا رغبة الضحيّة في القصاص المصدر الوحيد للقانون، صار الألم معيار العقوبة. وإن تجاهلنا القيمة النفسية والأخلاقية للاعتراف باسم مبدأ حقوقي مجرّد، فصلنا العدالة عن الأشخاص الذين وُجدت من أجلهم.
العدالة أكبر من حكم واحد
من هنا لعلّ السؤال الأدقّ بعد الحكم ليس: هل تحقّق العدل أم لا؟ بل: أيّ جزء منه تحقّق، وأيّ جزء لا يزال غائباً؟ تحقّق شكل من الاعتراف القانوني بمسؤولية رأس النظام السابق، وهذا ليس حدثاً دون معنى. لكنّ عدالة الإجراءات ما زالت قابلة للنقد، واستقلال المؤسّسة يحتاج إلى إثبات، وقدرة النظام الجديد على تطبيق المعيار ذاته على نفسه لم تُختبر بعد بما يكفي، فيما تبقى العدالة التنفيذية — إحضار الأسد فعلاً أمام القضاء — رهينة موازين دولية لا تتحكّم فيها محكمة دمشق.
والأهمّ أن ملفّ العدالة السورية أكبر بكثير من حكم واحد، مهما كان المحكوم عليه. فجرائم عقود لم تكن أفعال شخص واحد، بل نتاج منظومات أمنية وعسكرية وإدارية وقضائية، وسلاسل أوامر ومسؤوليات، ومعتقلات ومقابر جماعية ومختفين وأدلّة تحتاج إلى حفظ وتحقيق طويل. الخطر الحقيقي ليس فقط أن يكون الحكم ناقصاً، بل أن يتحوّل إلى بديل رمزي عن مشروع أوسع للمحاسبة، أو إلى خاتمة سياسية يُقال بعدها إن ملفّ الماضي أُغلق. العدالة الانتقالية تبدأ حين تصير الحقيقة قابلة للتوثيق، والمسؤولية قابلة للإثبات، والمؤسّسات قابلة للإصلاح، والضحيّة قابلة للاعتراف مهما كانت هويّتها — لا حين يصدر حكم واحد مهما بلغت رمزيته.
لهذا يمكن، بلا تناقض، أن نقول لضحايا الأسد إن للحكم قيمة وإن من حقّهم أن يروا فيه اعترافاً طال انتظاره، وأن نقول في الوقت نفسه للسلطة التي أصدرته إن هذا الاعتراف لا يمنحها حصانة أخلاقية. يمكن الدفاع عن حقّ بشّار الأسد في محاكمة عادلة من دون الدفاع عنه، ورفض الإعدام من دون إنكار رغبة الضحايا في القصاص، ونقد المؤسّسة القضائية من دون إنكار جرائم النظام السابق.
إن كان ثمّة معنى يختصر هذا كله، فهو أن العدالة لا ينبغي أن تعرف اسم المتّهم مسبقاً. القاعدة التي نريدها لسوريا ليست التي تصل إلى بشّار الأسد وحده، بل التي تستطيع الوصول إلى أيّ شخص يملك القوّة حين يرتكب الجريمة. وعندئذ فقط يصير السؤال «أيّ عدالة نريد لبشّار الأسد؟» مدخلاً إلى سؤال أوسع: أيّ عدالة نريد لسوريا بعد بشّار الأسد؟
ربما تكون الإجابة الأكثر اتّساقاً أن نريد عدالة لا تستمدّ قيمتها من هويّة المنتصر، ولا تفقدها لأن المؤسّسة التي بدأت تطبيقها ناقصة، بل تكتسب مشروعيتها تدريجياً كلما اقتربت من أربعة شروط: حقيقة لا تتغيّر بتغيّر هويّة الجاني، وإجراءات لا تتغيّر بتغيّر هويّة المتّهم، ومؤسّسة تحاسب نفسها كما تحاسب خصومها، واعتراف لا يفرّق بين الضحايا بحسب الطرف الذي قتلهم. حين تتحقّق هذه الشروط، لا نعود أمام عدالة المنتصر ولا عدالة الثأر ولا العدالة الرمزية وحدها، بل أمام بداية عدالة دولة.
وحتى ذلك الحين، يمكن النظر إلى الحكم على بشّار الأسد كما هو، لا كما يريد كل طرف أن يجعله: خطوة تحمل معنى حقيقياً لمئات آلاف الضحايا، ولا تكفي وحدها لإثبات قيام العدالة؛ إدانة قد تكون مستحقّة في موضوعها، ولا تُعفي إجراءاتها ومؤسّستها من النقد؛ وفعل قضائي قد يمتلك قيمة أخلاقية مستقلّة جزئياً عن السلطة التي أصدرته، من دون أن ينقلب ذلك إلى اعتراف شامل بشرعيتها.
فالعدالة، في النهاية، ليست حكماً واحداً ولا قاضياً واحداً ولا سلطة واحدة. إنها القاعدة التي نقبل أن تُطبَّق علينا حين لا نعرف مسبقاً إن كنّا غداً في موقع المنتصر، أم المتّهم، أم الضحيّة.