شكّلت القراءة الاستشراقية للتوراة واحدًا من أهم محاور تزييف التاريخ، حين جرى التعامل مع السرد التوراتي بوصفه حقيقةً تاريخيةً مطلقةً، في تجاهلٍ متعمّد للمنهج النقدي، وللشواهد الأثرية، ولتاريخ الشعوب التي سكنت المنطقة قبل ظهور بني إسرائيل في النصوص الدينية.
غير أن تشريح القراءة الاستشراقية للتوراة لا يعني الطعن في الإيمان الديني، أو في حق الجماعات الدينية في نصوصها المقدسة، بل يعني الفصل الصارم بين الإيمان والتاريخ، فالنصوص الدينية تُقرأ في سياقها الرمزي والروحي، لا بوصفها خرائط جغرافيةً أو صكوكًا ملكيةً.
نشأ الاستشراق في سياق توسّع أوروبا الاستعمارية، وكان هدفه المعلن هو دراسة الشرق لغويًا وتاريخيًا ودينيًا، لكنه في العمق كان مرتبطًا بمشاريع الهيمنة السياسية والثقافية. وفي هذا السياق، جرى التعامل مع التوراة ليس كنص عقائدي ينتمي إلى تقاليد دينية خاصة، بل كمصدر تاريخي مباشر لتفسير نشأة الشرق الأدنى القديم.
هذا التحويل المنهجي الخطير تجاهل حقيقةً أساسيةً مفادها أن التوراة كُتبت بعد الأحداث التي تزعم روايتها بقرون طويلة، وأنها نتاج سرود دينية وأساطير شعبية وتقاليد شفوية أُعيد تدوينها في سبيل خدمة هوية جماعية لاحقة. ومع ذلك، تعامل الاستشراق الكلاسيكي معها كما لو كانت سجلًا تاريخيًا دقيقًا، متفوقًا في صدقيته على النقوش واللقى الأثرية والوثائق الحضارية الأخرى.
من أبرز ملامح القراءة الاستشراقية للتوراة أنها جعلت التاريخ يبدأ وينتهي عند “بني إسرائيل”، في حين جرى تهميش أو محو تاريخ الكنعانيين، واليبوسيين، والعموريين، والفلسطينيين، وغيرهم من شعوب المنطقة. وقد تحوّل هؤلاء في الخطاب الاستشراقي إلى “شعوب عابرة” أو “أمم بائدة”، على الرغم من أن الشواهد الأثرية تثبت عمق حضاراتهم واستمراريتها.
هكذا أُعيد رسم خريطة التاريخ القديم على أساس لاهوتي, لا على أساس علمي، حيث أصبح “العهد الإلهي المقدس”، الذي قطعه “الرب”، في سفر التكوين، بإعطاء أرض كنعان لنسل “أبراهام” (إبراهيم)، أساسًا لقراءة الجغرافيا، وأصبحت الأسطورة مقياسًا للحق التاريخي، في انقلابٍ واضح على أبسط قواعد البحث التاريخي.
وقد بلغ هذا التزييف ذروته مع ما عُرف بـ “علم الآثار التوراتي”، الذي انطلق منذ أواخر القرن التاسع عشر بهدف البحث عن إثباتات مادية للروايات التوراتية. لم يكن السؤال المطروح: هل هذه الرواية صحيحة؟ بل: أين الدليل الذي يثبتها؟
وفي هذا السياق، جرى تأويل الاكتشافات الأثرية قسريًا من أجل خدمة النص التوراتي، وتجاهل الاكتشافات التي تناقضه، أو التقليل من شأنها. وعندما فشلت الحفريات في العثور على دلائل على موضوع الخروج من مصر، أو على مملكة داود وسليمان بالمواصفات التوراتية، لم يؤدِّ ذلك إلى مراجعة الرواية، بل إلى مزيد من التلاعب بالتأويل، أو إلى الصمت الأكاديمي المريب.
لا يمكن فصل القراءة الاستشراقية للتوراة عن المشروع الصهيوني، فقد شكّلت هذه القراءة الأساس المعرفي الذي استندت إليه الصهيونية في ادعاء “الحق التاريخي” في فلسطين. وهنا تحوّلت الدراسات الأكاديمية إلى غطاء أيديولوجي للاستيطان والاقتلاع.
لقد جرى تسييس التوراة، وتحويلها إلى وثيقة ملكية للأرض، في سابقة خطيرة لم يعرفها التاريخ الإنساني. فالأرض لم تعد تُعرّف عبر تاريخ سكانها الفعليين، بل باتت تُعرّف عبر نص ديني أُعيدت قراءته قراءةً استعماريةً، تتجاهل آلاف السنين من الحضارة الفلسطينية المتواصلة.
تعامل بعض الباحثين مع السرد التوراتي بكونه مرجعًا تاريخيًا شبه مُطلق يُفترض صدقه مسبقًا، ثم تُسخَّر الأدلة الأثرية لخدمته. صحيح أن هذا الاتجاه لم يكن هو السائد دائمًا، لكنه كان مؤثرًا خصوصًا في النصف الأول من القرن العشرين. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا التوجّه يمكن أن نذكر كلًا من:
1- إدوارد روبنسون
كان الأميركي إدوارد روبنسون (1794- 27 كانون الثاني/ يناير 1863)، صاحب كتاب “البحوث الكتابية في فلسطين” (1841)، والذي يوصف بـ “أبي الجغرافيا الكتابية”، من أوائل الرحّالة- الباحثين في جغرافية “الأراضي المقدسة”. اعتمد على المطابقة الجغرافية بين المواقع الحديثة وأسماء توراتية، وكان يرى في النص مرشدًا تاريخيًا أساسيًا، ما جعله أقرب إلى القراءة التوثيقية منه إلى النقد النصي الصارم.
2- وليم فوكسويل أولبرايت
يُعدّ الأميركي وليم فوكسويل أولبرايت (1891- 1971) من أهم ممثلي “الآثارية التوراتية”، فقد سعى إلى مواءمة المكتشفات الأثرية في فلسطين القديمة مع الرواية التوراتية، وكان يميل إلى افتراض صحة الإطار العام للنص التوراتي ثم البحث عمّا يعضده. وعلى الرغم من إسهاماته العلمية الكبيرة في اللغات السامية والآثار، تعرّض لاحقًا لانتقادات بسبب الانحياز المسبق للنص.
3- وليم رامزي
تلقى العالم الآثاري والباحث الأسكتلندي وليم رامزي (1851- 1939) تعليمه في مدرسة “توبنغن” الألمانية للفكر، التي كانت تشكك بمصداقية العهد الجديد، واشتهر بدراساته في آسيا الصغرى. وعلى الرغم من تركيزه الأكبر على الإنجيل، فقد مثّل اتجاهًا يُعلي من موثوقية النصوص الكتابية، أو يقر بدقتها التاريخية، ويبحث عن الشواهد الأثرية التي تؤكّدها أكثر مما يفكّكها.
4- جورج آدم سميث
جمع اللاهوتي والمؤرّخ الكتابي الأسكتلندي جورج آدم سميث (1856- 1942) بين الدراسة الدينية والجغرافيا التاريخية، وتعامل مع السرد التوراتي بوصفه إطارًا تاريخيًا موثوقًا إلى حدٍّ كبير في كتابه “الجغرافيا التاريخية للأراضي المقدسة”، مع حضورٍ محدود للشك المنهجي الذي ستتبنّاه مدارس لاحقة.
لكن على الرغم من هيمنة هذا الاتجاه، فإن عددًا من الباحثين الغربيين أنفسهم بدأوا منذ النصف الثاني من القرن العشرين في تفكيك الأسس المنهجية للقراءة التوراتية الاستشراقية. فقد كشفت دراسات تاريخية وأثرية حديثة عن أن كثيرًا من القصص التوراتية ينتمي إلى عالم الأسطورة والرمز، لا إلى التاريخ الواقعي.
وأظهرت هذه الدراسات أن “إسرائيل التوراتية” ليست كيانًا تاريخيًا بالمعنى السياسي الحديث، وأن ما يُسمى بالممالك العبرية لم تكن سوى كيانات محلية محدودة في اليمن، لا الإمبراطوريات التي تصفها النصوص الدينية. غير أن هذه الأصوات النقدية ظلت هامشيةً في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي، الذي واصل توظيف التوراة لخدمة الهيمنة.
إن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل النص المقدس إلى أداة سياسية، وفي إخضاع التاريخ لمنطق اللاهوت، وهو ما يقود بالضرورة إلى تزييف الوعي، وإلى شرعنة العنف باسم “الحقيقة التاريخية”.
لم تكن القراءة الاستشراقية للتوراة مشروعًا علميًا بريئًا، بل كانت جزءًا من منظومة معرفية– سياسية هدفت بالأساس إلى إعادة تشكيل تاريخ الشرق القديم بما يخدم مصالح الهيمنة والاستعمار. وقد أدّت هذه القراءة إلى تزييف التاريخ، وإلى إقصاء شعوب كاملة من ذاكرتها، وإلى تحويل الأسطورة إلى حقيقة رسمية.
إن استعادة التاريخ من قبضة هذه القراءات لا تتم إلا عبر منهج نقدي صارم، يعيد الاعتبار إلى الأدلة الأثرية، وكذلك إلى تعدد السرود، وإلى حق الشعوب في سرد تاريخها بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي للنصوص الدينية، فالتاريخ ليس ملكًا للأساطير، بل هو سجل معقّد للإنسان في صراعه من أجل الحقيقة والوجود.