الجمعة. أكتوبر 15th, 2021

 المصدر: النهار العربي
حسن المصطفى
مناورات فاتحو خيبر العسكرية الإيرانية
أجرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مناورات “فاتحو خيبر”، والتي انطلقت صباح الجمعة المنصرم، بحسب وكالة “مهر” للأنباء. وهي جرت “في شمال غرب البلاد وفي محور بلدشت – جلفا بمشاركة لوائي الدروع 216 و 316 واللواء 25، ومجموعة المدفعية 11، ومجموعة الحرب الالكترونية، والمجموعة 433 للهندسة القتالية، بدعم من مروحيات طيران الجيش”.
هذه المناورات تأتي في ظل توترٍ بين إيران وجارتها أذربيجان، واحتجاجات طالت السفارة الإيرانية في باكو، حيث أعلنت إيران أن سفارتها في العاصمة الأذربيجانية تعرضت لاعتداء.
السفير الإيراني في باكو عباس موسوي، أوضح أن “الشرطة الدبلوماسية ووزارة الداخلية الأذربيجانية اعتقلت واستجوبت أربعة من المعتدين”، بحسب وكالة فارس للأنباء.
طوال سنوات خلت، وحينما كانت تحدث توترات بين أذربيجان وجارتها أرمينيا، كان النظام الإيراني يقف في صفِ أرمينيا، رغم كونِ الأخيرة دولة “مسيحية” تتبع غالبية سكانها الكنيسة الأرمنية الأرثودكسية، فيما تشترك كلٌ من إيران وأذربيجان في أنهما دولتان بغالبية مسلمة من المذهب الشيعي “الإثنا عشري”، فضلاً عن وجود ملايين الإيرانيين من عرقٍ آذريٍ يعيشون في محافظات مختلفة، من دون إغفالِ دور شخصيات سياسية ودينية مؤثرة ذات أصول آذرية، مثل مرشد الثورة آية الله علي خامنئي.
التشيّع، رغم أهميته كمذهبٍ ورابطة دينية لها حضورها في الوجدان الإيراني والحياة اليومية، إلا أنه لم يجعل طهران تنتصر لباكو، بل إن الخلاف الأخير بينهما دفع وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، إلى التنديد بما اسماهُ “تحركات الكيان الصهيوني في حدود جمهورية أذربيجان مع إيران”، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية، مشدداً على “أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتحمل تواجد وأنشطة الكيان الصهيوني ضد أمنها القومي، وستقوم باتخاذ أي إجراء لازم بهذا الصدد”.
وعلى رغم أن العامل الديني عنصرُ مؤثر في المجتمع الإيراني، إلا أن ما يحدد السياسات الخارجية هي شبكة المصالح والأمن والاقتصاد، وبالتالي فإن الخلافات التي تنشب بين إيران وجيرانها سواء في الخليج العربي أو غيره، هي خلافات ذات طابع سياسي واقتصادي وأمني وعسكري، وليست دينية أو طائفية، وإنما يدخلُ “المذهب” كأحد العناصر التي تستثمر في الخلاف، وهو الاستخدام الخطر الذي يجب الحذر منه، لأن تحويل الخلاف إلى صراع ديني بين شيعة وسنّة، أو عرقي بين فرسٍ وعربٍ، أمرٌ ليس في صالح استقرار المنطقة، ومن شأن ذلك أن يعمق الكراهيات، وتكون له انعكاسات سلبية ليس على مستوى العلاقة بين طهران وبقية العواصم، بل أيضاً داخل بلدان الخليج العربي ذاتها، والتي تضمُ مواطنين من المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة، وفيها مواطنون من أصولٍ مختلفةٍ عربيةٍ وإيرانيةٍ وهنديةٍ وسواها!
لقد تحالفت إيران مع مجموعات متنوعة، شيعية وسنّية: حزب الله، الإخوان المسلمون، حركة حماس، الجهاد الإسلامي، عصائب أهل الحق … وغيرهم. وهذا يعني أن مشروعها ذو أهداف سياسية، مبنية على طموحها في مد نفوذها الخارجي، وتوسيع دائرة تأثيرها.
من جهتها، المملكة العربية السعودية، ليس لديها كدولة موقفٌ سلبي من طرفٍ على أساسٍ مذهبي، وحتى خلافاتها الخارجية كانت لأسباب سياسية وأمنية، أو إثر تهديدات إرهابية تستهدف أراضي المملكة.
السعودية اختلفت في سنواتٍ خلت مع قطر، وكلاهما دولتان فيهما أغلبية من المسلمين السنّة المنتمين للمذهب الحنبلي.
الرياض وضعت على قوائم الحظر، وجرّمت منظمات مثل: حزب الله، الإخوان المسلمون، فضلاً عن “القاعدة” و”داعش”، وذلك بسبب قيام هذه التشكيلات بتمويل وتنظيم أعمال عنفٍ وإرهاب تستهدف أمن السعودية واستقرارها وتضر بشعبها، ما يعني أن “الطائفة” ليست هي العامل المؤثر، بل سلوكُ الدول والتنظيمات ومواقفها.
حتى الخلاف السعودي – الإيراني، هو خلافٌ سياسي وأمني وعسكري بالدرجة الأولى، بسبب ما تعتبره الرياض سلوكاً إيرانياً مزعزعاً لأمن واستقرار المنطقة.
عندما انتصرت الثورة الإيرانية في إيران، عام 1979، أرسل الراحل الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود، مبعوثاً هنّأ الإمام الخميني بعودته إلى إيران، وقدمت السعودية مساعدات لجارتها التي كانت في حاجة للوقود. وكانت الرياض تأمل بأن النظام الجديد في طهران، وهو يرفع شعارات إسلامية، سيكون أكثر حكمة وتعاوناً من نظام الشاه الراحل محمد رضا بهلوي؛ إلا أن الذي وقع أن القادة الجدد في سدة الحكم رفعوا شعار “تصدير الثورة”، واندلعت الحرب بين العراق وإيران، وصعد خطاب حركات “الإسلام السياسي”، وجميعها عوامل أدت إلى توتر الوضع الأمني والسياسي في الخليج العربي.
الملك سلمان بن عبد العزيز، وفي كلمته للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أيلول (سبتمبر) الماضي، قال إن “إيران دولة جارة”، معبراً عن أمله في أن تؤدي المباحثات الجارية بين البلدين إلى “نتائج ملموسة لبناء الثقة والتمهيد لتحقيق تطلعات شعوبنا في علاقات تعاون”، مشدداً على أن “العلاقات تُبنى على الالتزام بمبادئ وقرارات الشرعية الدولية، واحترام السيادة، ووقفها دعم الجماعات الإرهابية والميليشيات الطائفية التي لم تجلب إلا الحرب والدمار لجميع شعوب المنطقة”.
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفي حديث له، في نيسان (إبريل) الماضي، أكد أن “إيران دولة جارة”، معتبراً أن “مشكلتنا معها هي دعمها للميليشيات وبرنامجها النووي”، مضيفاً أننا “نعمل على حل هذه الاشكاليات”.
إذن، القيادة السياسية في السعودية ترى أن الخلاف مع إيران ليس دينياً، وإنما سياسي وأمني، لأنها تدرك أن جر المعركة إلى الساحة الطائفية سيؤدي إلى علوِ نبرةِ المتطرفين من السنّة والشيعة، وبالتالي عودة الخطابات التحريضية والتكفيرية إلى الواجهة، ما قد يؤدي إلى عمليات إرهاب وقتل ذات طابع مذهبي.
مشكلةُ بعض المعلقينَ أنهم ينجرون إلى استخدام توصيفاتٍ قدحية، ذات بعدٍ طائفي وعرقي، ما يجعل خطابهم عنصري النزعة، يستبطن التحريض على الآخر ونفيه، وهو ما يخالف الرؤية التي تنبني عليها السياسات الخارجية للمملكة العربية السعودية.
وجود معلقين داعمين للخطاب الإيراني، يمارسون مواقف “عنصرية” أو “طائفية”، يجب أن لا يجرّنا لأن نقع في الفخ، ونستخدم السلاح ذاته، لأنه خنجرٌ مسمومٌ، سيؤدي لتمزيع المجتمعات، ويضرُ بالسلم الأهلي!
إن إيران رغم أن غالبية مواطنيها من المسلمين الشيعة، إلا أنها لا تمثلُ “التشيع” ولا يمكنها أن تدّعي المطابقة بينها وبين “التشيّع” كمذهب. كما أن أي دولة أخرى غالبية سكانها من المسلمين السنّة، لا يمكنها أن تدعي أنها الممثلة الحصرية لـ”التسنن” وما عداها باطلٌ محض! ولذا، من غير العلمي المطابقة والمماثلة بين المذاهب والدول، لأن الفصل هو الأساس، وهو الأصح منهجياً وواقعياً.
المذاهب والأديان أكبر من الدول، وهي شأن عقدي وأخلاقي وشرعيٌ، يجب أن يُحالَ بينه وبين السياسة، ومن المفترض عدم استخدام الدين لأهداف سياسية وحزبية ونفعية.
الدين يجب أن يكون قوة رحمة، ورافعة أخلاقية وثقافية، وعلاقة روحية؛ وأن لا يُحوّل إلى عامل للنزاع والخصومة، أو أداة في حربٍ أو خلافٍ سياسي وأمني، حتى لو استخدمه الخصوم.