كل طريق، كل فكرة، كل صباح، كل كلمة.. في لبنان وفي “بلاد العرب أوطاني” هيهات ألا تفضي إلى جدار.
البيت والغرفة والسرير والشرفة ونباتات الشرفة، الوقت، الهاتف، الطريق إلى أي مكان، أنا والأصدقاء والكتب والمشي والبحر.. نصطدم بحدران من اليأس والكلمات اليائسة.
وهنا في جدار البنايات المصطفة فوضويًا أمامي، لماذا يواظب منذ شهورٍ عمالُ بناء على استكمال تشييد طبقات بناية لتناطح السحب القليلة، الخفيفة العابرة في سماء آب؟!
“عرق الحياة مقيت”، كتب الشاعر وديع سعادة في كتابه “بسبب غيمة على الأرجح”، ثم هاجر إلى أستراليا قبل أكثر من 3 عقود، ولم يعد سوى مرات قليلة إلى البلاد.
من نافذة في بناية مهجري حروب كان يقيم فيها على سفح جبل التهمت الجدران أشجاره، أبصرَ عمالَ بناء يشيدون بناية في المدينة البحرية الصغيرة، فكتب جملته تلك عن عرق الحياة المقيت.
هنا الآن في بيروت، على مدخل بناية قديمة انتقلتُ إليها قبل شهور، قالت لي مرأة رأيتها للمرة الأولى: هنا ولدتُ ونشأت، وفي حروب لبنان القديمة كبرت. لكنني لم أكن أتوقع أو أتخيل أن أترك البلاد وأهاجر بعد توقف تلك الحروب في العام 1990. وهي عادت قبل أيام في زيارة لأهلها المسنين. عادت لأسبوعين يمضون بعض أيامهما في بلدتهم الجبلية، حيث لمرة في الصيف تجتمع العائلة الموزعة بين أوروبا وأميركا.
البناية الجديدة التي ترتفع جدرانها أمامي كل يوم، الأرجح أنها تُشيّد لمهاجرين أو لمغتربين يعودون لأيام في عطل الصيف لمواساة أهلهم المسنين المستوحدين اليائسين من البلاد، ولوداعهم في سني حياتهم الأخيرة.
وربما يشيدونها لمهجّرين مشردين إلى مدينة تهالكت منذ عقود كثيرة، واكتظت بموجات هجرة وتهجير لمرات لا جدوى من إحصائها بعد.
مدينة متهالكة أخلاها مهجرو الموجة الأخيرة، الموعودون ببيوت جاهزة توضع في قفر وأرض حرب ويباب في الجنوب. فينزلون فيها محدقين في ذكرياتهم المبتورة علّهم يبصرون ما كان بيوتهم وحياتهم في بلدات قريبة لم يبق منها أثر يذكِّرهم بأن حياةً وبيونًا كانت لهم هنا في هذه البلاد.
لكنهم ربما مجبرون أو تعودوا على الصمت والمكابرة في كتمان ألمهم وندمهم ويأسهم. ولعلهم في هذا يمارسون غريزةً لبنانية متأرثة ويدفعونها إلى ذرىً غير مسبوقة: تبادل الخوف والقسوة والثارات والضغائن والأحقاد والكيد والشماتة والغلبة الطوائفية التي لم يعد سواها من مشاعر وانفعالات “وطنية” حيّة وصلبة صلابة الجدران، لتتبادلها الجماعات في لبنان.
***
الشمس كلما أشرقت وكلما غابت. الأمس واليوم وغدًا.. جدران على مدى البصر والبصيرة والكلمات في هذه البلاد.
بلاد العقم والعفو العام بعد كل حرب عن أمراء الحروب، عن السجناء في سنوات الرماد والقتل المستمر بأشكال وألوان كثيرة، لأسباب متوارثة كالثأر لجرائم شرف بين الجماعات وأحزابها.
بلاد أمير حروب قديمة يوقّع كتاب مذكراته الحربية في مكتبة “وطنية” تخلو طوال الوقت من قارئ واحد، فيتزاحم فيها حشد غفير مزهوًا بأن يحظى كل من المتزاحمين/ات بكتاب يوقعه له/ا أمير الحرب المتقاعد. ولن يشفي غليل سواه من أمراء حروبنا إلا عزمهم على إحياء كل منهم مهرجانًا مماثلًا في المكتبة إياها.
وبلاد الحروب الأهلية المنسيّة والإقليمية المتجددة والمتصلة بحروب دولية تلغظ وسائل الإعلام بكلمات رئيسها النرجسي المهذار على مدار الساعة.
بلاد السائرين في نومهم، المنومين في سيرهم العشوائي الموتور على الطرق. عشَّاق الفرجة على الطبيعة من حول موائد عامرة في المطاعم الصيفية. وعشاق الترجُّل بزهوٍ استعراضي من السيارات الفخمة، وترك أبوابها مشرعة للفاليه باركنغ، ليدخلوا متمهلين منتفخين بزهوهم إلى سهرات المطاعم والمرابع الليلية. وعشاق الفرار من البلاد. وعشاق الدم والنسب…
ومن يعبدون زياد الرحباني الذي يقول بعض من كانوا شبانًا في الثمانينيات إنهم كانوا خرسانًا قبل أن يعلمهم زياد النطق والكلام.
وتلك الليلة في طوارئ مستشفى الخراب. وهي يصعب وصفها هنا ولا جدوى من وصفها أصلًا.
والفيلم التسجيلي عن بلدات حدودية نجت من الخراب في الحروب الأخيرة، لتعيش في الخواء في بلد الخواء والخراب.
وإخلاء المدارس من مهجري هذه الحرب المستمرة في الجنوب، لكي يعيش فيها أولادهم مآسي أيامهم الحاضرة والمقبلة.
الشعر قديمه والحديث، قصيدة النثر ونثر الحياة اليومية… وهذه الكلمات العمياء .
17 تشرين، 4 آب، 14 و8 آذار، 17 و 7 أيار، 13 نيسان، وسواها الكثير.. وأيار خبّر أيلول/الليل عنا ما يطول/وما هتفت لغيرها… سَيْرٌ في صحراء حياة وكلمات وأرقام.
* * *
لبنان تلك الوردة الوحيدة المنسيّة على قبر.
المدفونون ودائع في انتظار مقابر جماعية. الأحياء الموعودون بمقابر جماعية جديدة.
عنين طائرات الاستطلاع. الاحتلال ومقاومو الاحتلال. اتفاق الإطار وإطار الاتفاق. المصفقون للاتفاق والصارخون المتفجعون ضد الاتفاق. مسلسل الهيبة التلفزيوني وهيبة الدولة ودولة الهيبة، كديكور ساحة لتنشيط سياحة الغثيان وغثيان السياحة.
والمقابر الجماعية في بلاد المشرق كلها.
سوريا مجازر الأسد. وسوريا مجازر ما بعد الأسد. وملايين السوريين المشردين في أنقاض مدن. والملايين المحظوظون ربما بفرارهم إلى بلاد خلف البحار.
أحلاف الممرات البحرية والبرية الخيالية أو السرابية وسراب النهوض والخروج من النكبات.
الحروب والمجازر المؤجلة. وأهل إمبراطورية المجد التليد وإمبراطورية الخراب “إن ضِقتِ بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام”.
اليمن السعيد بتدمير آخر مدينة وقرية عاصية في الجبال، واحتراب القبائل والمذاهب والاحتراب في داخل كل قبيلة، فلا يبقى في البلاد سوى نساء السواد الفاحم وأطفال التشرد والضياع.
عراق حصر السلاح ولبنان حصر السلاح… ليس قبل فناء كل شيء، حتى في طهران.
ليبيا الغامضة والمجهولة أيام القذافي. وليبيا المنقسمة تتسلط عليها حكومتا ميليشيات أو ميليشيات حكومتين تقتتلان على عائدات نفط وعلى موائد الولاء الإقليمي والدولي.
وسودان جنرالي الحرب والمجازر والغرق في الدم والجوع والمشردين ومناجم الذهب، وفي فرح المقاتلين الذاهبين إلى القتل أو الموت رافعين أصابعهم بشارة الولاء والنصر للجنرالين التوأمين.
والمغرب يوقظنا فجأة من نسياننا إياه -يا لهناء البلاد المنسية ورخائها- فيخرج من النسيان ليدخل جغرافيا النكبات: عشرات ألوف من فتيانه وشبانه من أبناء أهله الفقراء المعدمين، يرتمون فجأة وفي ساعة واحدة في البحر، ليعبروا إلى إسبانيا الأوروبية.
وبيروت على الجهة الأخرى من المتوسط مرآةٌ دائمة لنهضة المشرق الزائلة وخرابه المديد.
* * *
بلاد بملايين الجدران، بعدما كانت غرفة الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط (1934 – 2006) بملايين الجدران، حينما لم يكن يملكُ في بيروت زهو الستينيات ثمن منديل يلوّح به ليرثي البلاد.
فكتب الماغوط لشاعر عراق “أنشودة المطر” بدر شاكر السياب (1926 – 1964) متسائلًا مستهجنًا: “هل تضع ملاءةً سوداء على شارات المرور وتناديها يا أمي؟/هل ترسم على علب التبغ الفارغة أشجارًا وأنهارًا وأطفالًا سعداء وتناديها يا وطني؟/ولكن أيُّ وطنٍ هذا الذي يجرفه الكناسون مع القمامة في آخر الليل؟”.
ثم نصح صاحب “العصفور الأحدب” السيابَ قائلًا له: “تشبَّثْ بموتك أيها المغفَّل/دافعْ عنه بالحجارة والأسنان والمخالب”.
***
بلاد 50 سنة من الديكتاتوريات والسجون والمجازر.
بلاد ذكريات وغبار، ومن غبار ذكريات الهباء وهباء التواريخ.
بلاد منكوبة بتاريخها، بشعب التوراة الأسطوري، وبتكفير أوروبا وأميركا عن ذنوب مقاتلهما فيها.
بلاد تعيش نكباتها كجريمة شرف، وتعجز عن الثأر لها ومنها.
بلاد كتب الصديق يوسف بزي في تعليقه على كتاب “حاييم صراف عكا”، أن “الماضي لا يزال فاعلًا في حاضرها، فإذا بصراعات السياسة والسلطة، معنى الدولة والقانون، العلاقات بين الجماعات، حضور الدين ودوره، حقوق الأفراد وكراماتهم وحرية الضمير فيها… خاضعةٌ كلها للقسوة والعنف، لمنطق الغلبة والقوة، في عالم يسوده التملّق الوضيع، الكتمان الشديد، التآمر بلا هوادة، الخوف الدائم، القتل الفجائي، تبادل الأحقاد والثارات، وخطر الإبادة”.