
باحث في الأديان والفلسفة والتيارات الفكرية.
.. الثورة السورية .دمشق
الحديث عن الأخوّة بين الكرد والعرب في سورية ليس من باب المَنّة، بل من باب الوفاء للحقيقة والتاريخ المشترك. وكما هو معلوم ففي العرب عقول راجحة وعقول طائشة، وفي الكرد مثلهم، وفي العرب حكماء وسفهاء، وفي الكرد مثلهم. فهذه التمايزات في النهاية مظاهر بشرية لا قومية لها.
وقد شهدت البيئتان العربية والكردية في سنوات الثورة صعود تيارات متطرفة، لم تعمل لمصلحة الثورة ولا لمصلحة المجتمعات المحلية بقدر ما عملت لمشاريع عابرة تتجاوز طموحات هذه المجتمعات، وإن أغرتها بشعاراتها البراقة ومنّتها بالفردوس الأرضي.
انطلقت هذه التيارات من فهم ديني مشوّه هنا، أو من منطلق قومي متطرف هناك. ولم تكن في الحالتين تعبّر عن العرب أو الكرد، وإن امتلك بعضها في فترات معينة، صوتا عاليا وسلطة أمر واقع حاول من خلالها أن يقدم نفسه متحدثا حصريا باسم من تغلّب عليهم.
في الحقيقة كان واضحا أن مشاريع من قبيل داعش وPKK تحمل في داخلها عوامل فنائها، لأن مشكلتها بنيوية تتعلق بخطابها وتصوراتها عن المجتمع والدولة والأرض، فالمناطق التي سيطرت عليها ليست صفحات خالية تنتظر قادما من وراء الحدود ليعيد تشكيلها وفق هواه وطموحاته. إنها مجتمعات حية، لها تاريخها وذاكرتها وتنوعها ومصالحها وعلاقاتها.
وبالعموم فتلك صفحة طُويت أو تكاد، غير أنها تركت بعض الآثار فيما يبدو، ويمكن أن نلحظ ذلك في بعض سلوكات الشباب من كلا الطرفين. في الجانب الكردي نجد بعض الشباب الذين اعتادوا اللجاج والمراء، وبرعوا في لعبتي الخرائط والعَلَم! أما لعبة الخرائط فتنطلق من سؤال بسيط: أي أرض يمكن أن تصبح كردية؟ فإذا وجد لاعبها قرية أقام فيها كردي، أو منطقة مرّ بها تاريخ كردي، دخلت فورا في حساباته القومية، بصرف النظر عن حجم الوجود الكردي فيها، أو عن وجود غيره.
وهنا يبدأ تلوين الخريطة، فهذه لنا، وتلك لنا، وتلك أيضا لنا. وقد تتفوق قرية صغيرة في الخريطة على حاضرة عمرها آلاف السنين؛ فتراه يكبّر قرية، ويصغّر مدينة، ويمسح حدودا، حتى يشعرك أنه أعاد رسم الشرق الأوسط كله من شاشة هاتفه!
وأما لعبة العَلَم، فهي تشبه الحماس لكرة القدم وأهدافها وبطولاتها، لكن شروطها أسهل، ولا تتطلب سوى بعض المشجعين، وبعض متسلقي السواري، ثم إنزال علم ورفع آخر، مع صخب وهتافات وتصفيق. ولا تُعنى هذه اللعبة كثيرا بسؤال: ماذا يعني هذا الفعل لجارك؟ وهل يسيء إلى شريكك في الوطن؟ وهل يزيد التوتر الاجتماعي؟ المهم أن الراية أُزيلت، وأن الجمهور صفّق.
وفي الجانب الآخر، يمكن ملاحظة أن خطاب الغلو الذي يتبناه بعض الشباب يتسلل من مدخل مذهبي يريد احتكار الإسلام، وتحويل مسائل الخلاف إلى معارك هوية. وهو في نهاية الطريق يقسم المجتمع، ويشغل الناس في مسائل لا تمثل لهم إشكالات حقيقية، ثم يُطلب من المجتمع أن ينشغل بها وكأن مستقبله متوقف عليها.
وهكذا تصبح بعض الخلافات المذهبية أو الفقهية التاريخية مادة للاستقطاب في الحاضر، ويُقاس صلاح الإنسان بموقفه من تفاصيل لا يعرفها عامة الناس، ولا تشكل في حياتهم اليومية -بما فيها الحياة الدينية- قضية ذات شأن.
وهنا أيضا تتكرر لعبة الخرائط، لكن بدلا من أن تُرسم الحدود على الشاشات، تُرسم الحدود داخل المجتمع. وبدلا من أن يُقال: هذه قرية لنا وتلك لكم؛ يُقال: هذا مسلم حقا وذاك ليس كذلك، وهذا يمثل الإسلام وذاك لا يمثل الإسلام. وبدلا من الصراع على الأعلام؛ يصبح الصراع على الرموز والمصطلحات والولاءات.
في الحقيقة؛ يعجب الإنسان ممن لا يتعظ بالتجارب. فالغلو، في شقيه القومي والمذهبي، لم يؤدِّ إلى النتيجة المتخيلة حين كان أهله أشد قوة. ثم إن سورية ليست أرضا فضاء قابلة للتشكل وفق هوى صاحب كل هوى؛ لها أهلها وناسها وعلماؤها وقادتها، ولها تاريخها الاجتماعي الذي لا يمكن محوه بشعار أو راية أو خطاب تعبوي.
وكما عبرت تجارب متطرفة وانتهت؛ فلن يكون مصير أشباهها مختلفا. لذلك تبدو الحاجة ملحّة إلى تفعيل المحاضن التربوية والفكرية، وتعزيز الخطاب الذي يعلّم الشباب أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الانتماء القومي أو المذهبي لا يمنح صاحبه حق احتكار المجتمع أو إعادة رسمه وفق تصوره الخاص.