يحيط باسمه غموض كثير، ربما لخلفيته الأمنية قبل توليه منصب وزير الخارجية. وربما أيضا بسبب حرصه على العمل في الظلّ وصعود سلم السلطة درجة درجة. وهناك توقعات بوصول الرجل إلى رئاسة تركيا، خليفة لرجب طيب أردوغان.
ليس البحث عن سيرته الشخصية، بالعربية والانكليزية، عبر محركات البحث سهلا. ما يمكن إيجاده لا يتعدى بضعة سطور من سيرته الرسمية المقتضبة. لكن المعلومات الشحيحة المتوفرة تقود إلى كتاب ملفت صادر باللغة الروسية حول سيرة الرجل. عمل عليه باحثان أرمنيان، هما غيفورغ ميناسيان، العقيد المتقاعد في جهاز الأمن القومي الأرميني، وهو باحث متخصص في الشؤون الأمنية والإقليمية، وأنجيلا سيمونيان، باحثة متخصصة في الشؤون التركية.
عنوان الكتاب “هاكان فيدان: ملامح من بورتريه لرئيس مستقبلي محتمل لتركيا”.
يغوص الكتاب في تفاصيل طفولة فيدان وأصوله الكردية، وقصة صعوده، من طفل نشأ في حي فقير في أنقرة، إلى رئاسة الاستخبارات التركية، ثم وزيرا للخارجية، وتحوله إلى مرشح أساسي لخلافة أردوغان.
يروي الكتاب كيف نشأ فيدان في عائلة تعود أصولها إلى عشيرة “هاسينان” الكردية، وكيف كان يختلف عن أقرانه في السلوك والاهتمامات. كان طفلا شديد الجدية، ميالا إلى العزلة والصمت بدل الصخب الطفولي، شغوفا بالسينما، وكان مسلحا بذاكرة فوتوغرافية “مذهلة”، كما يصفها كاتبا سيرته، وكيف كان له حدس فطري وقدرة على قراءة ما بين السطور وفهم البشر المحيطين به.
كان فيدان يلعب كرة القدم في الحي، ويتذكره اترابه مدافعا في معظم الأحيان، لكنه كان في مرات كثيرة يتقدم ويسجل الأهداف. أسلوب يعكس شخصيته، التي تراقب من بعيد وتنتهز الفرص للتسجيل. في أوج شبابه، وبينما كان رفاقه يتناقلون الكرة في فناء مدرسته الثانوية، انتبهوا إلى غياب هاكان عن الملعب، وحينما سألوا عنه، عرفوا انه غادر بعد أن تم قبوله في مدرسة ضباط الصف العسكرية.
سجّل فيدان أول أهدافه السياسية. كانت تلك اللحظة نقطة التحول الكبرى في سيرته، إذ خلع الفتى المنعزل ثياب الطفولة وكرة القدم ليرتدي البزة العسكرية، منطلقا في مسار انضباطي صقل شخصيته الأمنية، وقاده شيئا فشيئا إلى التدرج في الرتب العسكرية، وصولا إلى تولي منصب نائب سكرتير جهاز الاستخبارات التركية، قبل ان يتولى في العام 2010 رئاسة الجهاز.
بقي فيدان في هذا المنصب الحساس، الذي تدور فيه جميع أسرار البلاد والحكم لأكثر من ثلاثة عشر عاما، لعب فيها دورا أساسيا في ملفات شديدة التعقيد، كلفه بها أردوغان، أهمها المعضلة الكردية وتوكيله منذ العام 2009 بإجراء حوار مباشر مع ممثلين عن حزب العمال الكردستاني، مستفيدا من أصوله الكردية.
بسبب هذا الدور، أصبح فيدان هدفا للمعارضة التركية، التي نشرت صحفها محاضر لقاءاته السرية مع الأكراد، وحصلت ضجة كبيرة رافضة مقابلة فيدان لممثلي منظمة تصنّفها تركيا إرهابية.
كما قام القضاء التركي باستدعاء فيدان للتحقيق معه في فبراير من العام 2012، وتمت محاصرة مقره، لكن أردوغان حال دون اعتقاله، وبحسب كتاب الباحث محمد نور الدين عن انقلابات تركيا، قام أردوغان “بإخراج فيدان من مقره بطريقة سريّة من جهة، ومن ثم استنّ قانونا في البرلمان يمنع التحقيق مع فيدان من دون موافقة مسبقة من رئيس الحكومة، والذي كان أردوغان نفسه”.
منذ تولي فيدان رئاسة الاستخبارات، أثار مخاوف في إسرائيل، دفعت وزير الدفاع آنذاك أيهود باراك إلى التحذير من أن الرئيس الجديد للاستخبارات التركية مؤيد لإيران، وأضاف إن تركيا “تمتلك أسرارا بالغة الأهمية تخصنا، والمسار الذي نخشاه هو أن تصبح هذه الأسرار الاستخباراتية التي شاركناها معهم مكشوفة ومتاحة للإيرانيين خلال الأشهر المقبلة”.
وعلى الرغم من أن الباحث في الشأن التركي يوسف كان، يرى في فيدان رجلا براغماتيا في ملفات عديدة، إلا أنه يلاحظ ان المجال الذي يبدو فيه متشددا بوضوح هو ملف إسرائيل، حيث وصف إسرائيل بأنها “دولة مارقة تعميها أحلام إسرائيل الكبرى”، في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي بنيويورك في سبتمبر 2025، وقال أمام جمهور في جامعة أكسفورد بأن إسرائيل باتت تشكل “تهديدا مباشرا للأمن العالمي”.
لكن بحسب قراءة كان، فإن خطاب فيدان الموجه ضد إسرائيل يستهدف الجمهور المحلي والعالم الإسلامي، بينما يسير المسار العملياتي بالتوازي، أي أن فيدان عمليا يتعامل ببراغماتية مع إسرائيل، إذ وافق على قناة لفض الاشتباك الفني مع إسرائيل في أذربيجان في أبريل 2025 خلال نفس الفترة التي كان يستخدم فيها تلك النبرة الحادة.
بالنسبة إلى كان، ورغم القلق الإسرائيلي الواضح من فيدان، يميل وزير الخارجية التركي استراتيجيا إلى التطبيع مع إسرائيل لخدمة مصالح أنقرة الحيوية (مثل علاقات الناتو وملف طائرات F-35)، إلا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إليه بريبة متجذرة منذ العام 2010 بعد تصريحات أيهود باراك، والتي تفاقمت مع تقارير صحافية عن كشف الاستخبارات التركية بقيادة فيدان هوية شبكة تضم نحو عشرة إيرانيين كانوا يلتقون بضباط من الموساد الإسرائيلي سرا داخل الأراضي التركية، ثم مواقفه الحادة كوزير للخارجية عقب 7 أكتوبر، ولقاؤه بقيادات حماس وتجميد التجارة مع إسرائيل.
ولكن، على الرغم من التوجس الإسرائيلي، يرى كان في تخفيف فيدان نبرته مؤخرا، مؤشرا إلى أن “التوتر الحالي عارض مرحلي مرتبط بالحكومة الإسرائيلية الراهنة وتداعيات حرب غزة، وليس أزمة بنيوية دائمة تمنع إعادة بناء العلاقات مستقبلا”.
من هنا، يرى يوسف كان أن فيدان أكثر براغماتية من أردوغان في ملفات عديدة أخرى غير الملف الإسرائيلي. فرغم اشتراكهما في الإطار الأيديولوجي السيادي والسعي لـ “استقلالية تركيا الاستراتيجية” داخل حلف الناتو، تنطلق ممارسات فيدان العملية، “من خلفيته الاستخباراتية الهادئة لا من الخطابات الشعبوية”. ويتجلى ذلك في سجله الحافل بإدارة قنوات التهدئة وخفض التصعيد، بدءا من مسار محادثات حزب العمال الكردستاني حتى حله، وإبقاء القنوات مفتوحة مع دمشق في فترة الأسد، وقيادة التطبيع مع العواصم العربية وإسرائيل، وصولا إلى التوسط بين موسكو وكييف، مما يثبت أن أفعاله الدبلوماسية الواقعية تتجاوز نبرته العالية في التصريحات العلنية.
ومع ان كثيرين يرون في فيدان خليفة محتملا لتولي الرئاسة بعد أردوغان، ومن ضمنهم كاتبا سيرته، يرى يوسف كان، أنه رغم المكانة البارزة لفيدان، تصطدم فرصه لخلافة أردوغان بعقبات سياسية وهيكلية معقدة لا علاقة لها بأصوله الكردية.
أولى العقبات تبدأ بتجميد ملف الخلافة طالما يسعى أردوغان لتمديد بقائه عبر تعديل دستوري أو انتخابات مبكرة، وتمر بضرورة مراعاة نفوذ عائلة الرئيس واحتمال ترشيح ابنه بلال أو صهره سلجوق بيرقدار للرئاسة.
ويضاف إلى ذلك افتقار فيدان لقاعدة حزبية وتنظيمية أو خبرة في الحملات الانتخابية والخطابة الجماهيرية مقارنة بخلفيته الأمنية والتكنوقراطية، كما أن الواقع المتأزم لحزب العدالة والتنمية وتصاعد قوة المعارضة في استطلاعات الرأي، قد يضعان فيدان، في حال ترشّحه، أمام تركة انتخابية منهكة وتنافس داخلي وخارجي شرس يجعل وصوله للرئاسة، بحسب كان، مسارا بالغ الصعوبة.
لكن فيدان، كحاله طفلا في ملعب كرة القدم، يراقب من بعيد. ومن يدري، قد تحين له الفرصة لتسجيل الهدف الذهبي.