لن ترسم مفاوضات روما حركة الميدان في الجنوب. انقلبت المعادلة، وصار ما يجري في تلال عليّ الطاهر هو الذي يحدّد سقف السياسة، ويقرّر توقيت عودة الوفود إلى الطاولة وشروط أيّ جولة جديدة. العقدة التي بدأت خلافاً تفاوضيّاً على انسحاب إسرائيل وتسليم المنطقة إلى الجيش اللبنانيّ، تحوّلت إلى معركة فعليّة عند مداخل المنشأة، ثمّ إلى نقطة تقاطع بين أربعة أطراف: إسرائيل و”الحزب” وإيران والولايات المتّحدة.
تتحدّث التقارير الميدانيّة عن أنّ المعركة لا تدور في عمق الأنفاق بقدر ما تتركّز عند منافذها. تحاول القوّات الإسرائيليّة الوصول إلى المداخل وتثبيت موطئ قدم يسمح بتمشيطها وتفجيرها. وتشير طبيعة القوّة المستخدمة إلى فرق هندسة قتاليّة متخصّصة في حرب الأنفاق، من النوع الذي تتولّاه وحدة “يهلوم” وفرعها “سامور”. إلّا أنّ محاولات الاقتراب تتعطّل في كلّ مرّة بفعل المسيّرات التي يستخدمها “الحزب” ضدّ القوّات والآليّات المتقدّمة.
خطّ أحمر ترسّخ بالنّار
لم يُرسَم الخطّ الأحمر في عليّ الطاهر ببيان سياسيّ، بل عبر ثلاث جولات ميدانيّة. ففي 19 و20 حزيران، حاولت قوّة إسرائيليّة ضمّت آليّات مدرّعة ومشاة التقدّم نحو الجهة الشماليّة للمرتفعات، فتصدّى لها “الحزب”. وأسفرت المواجهات عن قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيليّ، بينهم قائد الكتيبة 52 في اللواء 401 برتبة مقدّم. وفي 29 تمّوز، أصابت مسيّرة مفخّخة آليّة هندسيّة مدرّعة أثناء عملها في المنطقة، من دون إصابات بشريّة معلنة، فردّت إسرائيل في اليوم التالي بعمليّة نسف قالت إنّها استخدمت فيها 700 طنّ من المتفجّرات لتدمير شبكة أنفاق أسفل قلعة الشقيف.
تكرّر المشهد في منتصف آب، عندما حاولت قوّة إسرائيليّة التقدّم مجدّداً في المحور، فردّ “الحزب” بمسيّرة أوقعت، وفق الإعلان الإسرائيليّ، ثلاثة جرحى إصاباتهم خطرة. هذه المرّة لم يبقَ الردّ داخل التلّة، بل اتّخذ شكل اغتيالات وغارات واسعة أوقعت أحد عشر شهيداً في أنصار ودير الزهراني، بينهم نساء وأطفال. وبذلك رسمت إسرائيل معادلة مقابلة: استمرار “الحزب” في منع التقدّم عند خطّه الأحمر سيُقابَل بتوسيع دائرة النار ورفع الكلفة خارج موقع المواجهة.
مع ذلك، ترجّح مصادر عسكريّة لـ”أساس” أن تحاول إسرائيل دخول المنشأة قبل انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأوّل، مستندةً إلى تفوّقها الناريّ والتقنيّ، ولو بكلفة عسكريّة مرتفعة. فنتنياهو يحتاج إلى صورة انتصار من عليّ الطاهر، فيما رفعت الرسائل الإيرانيّة بشأن الموقع قيمته السياسيّة. والمفارقة أنّ دخول إيران على خطّ المعركة، وإن زاد كلفة الاقتحام ومخاطره، زاد أيضاً الرصيد الذي يمكن لنتنياهو أن يجنيه انتخابيّاً إذا نجح في تقديم السيطرة على المنشأة بوصفها كسراً لخطّ أحمر إيرانيّ، لا انتصاراً موضعيّاً على “الحزب” وحسب.
أهمّيّة عليّ الطّاهر
تكمن أهميّة المنشأة في أنّها موجودة على 3 تلال متلاصقة تشكّل بداية سلسلة مرتفعات تمتدّ نحو جبل الريحان وسجد، وتدخل في قلب الحزام الأمنيّ والبنية التحتيّة العسكريّة التي راكمها “الحزب” في هذه الجغرافيا. تعرف إسرائيل، وفق المعلومات الدبلوماسيّة، أنّ مقاتلين لا يزالون داخل المنشأة، فيما يبدو وضعهم صعباً بفعل الحصار وضيق الحركة، وإن كانوا لا يزالون قادرين على الصمود ومنع تحويل الطوق إلى سيطرة.
عند هذه النقطة تحديداً دخلت إيران على خطّ عليّ الطاهر. فقد وصلت رسائل إيرانيّة تحذّر من أنّ اقتحام المنشأة أو الذهاب إلى عمليّة واسعة لن يبقيه من دون ردّ. وبذلك لم تعد التلّة هدفاً إسرائيليّاً في مواجهة “الحزب” فحسب، بل أصبحت نقطة يمكن أن تعيد وصل الجبهة اللبنانيّة بالمواجهة الإيرانيّة–الإسرائيليّة، وربّما بالاشتباك القائم أصلاً بين طهران وواشنطن.
هذا تحديداً ما يفسّر الموقف الأميركيّ. تتحدّث مصادر دبلوماسيّة عن رفض واشنطن طلباً إسرائيليّاً لتوسيع العمليّات في المنطقة، وتمسّكها بما تصفه بالتحديد الاستراتيجيّ الذي جرى التفاهم عليه بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. يسمح هذا السقف لإسرائيل بمواصلة الضربات المحدودة واستنزاف قدرات “الحزب”، لكنّه لا يمنحها ضوءاً أخضر لعمليّة برّيّة واسعة في عليّ الطاهر أو لتوسيع النار إلى قرى ومناطق أخرى.
حساب واشنطن مختلف: أيّ اقتحام كبير قد يدفع إيران إلى الردّ في مواقع ضعف الأميركيّين، ويطيح ما بقي من مسار التفاوض الأميركيّ–الإيرانيّ، ويعطّل في الوقت نفسه المفاوضات المتعثّرة جدّاً التي ترعاها بين لبنان وإسرائيل. ولذلك تحاول الإدارة الأميركيّة الفصل بين استنزاف عسكريّ مضبوط يسمح لإسرائيل بمواصلة الضغط، وبين معركة حسم قد تفتح الجبهة الإقليميّة مجدّداً.
تباين بين واشنطن وتل أبيب
هنا يظهر التباين الحقيقيّ بين واشنطن وتل أبيب. إسرائيل تريد خنق المنشأة والوصول إلى مقاتلي “الحزب” وتدميرها لأنّها ترى في بقائها انتقاصاً من قدرتها على فرض النظام الأمنيّ الجديد في الجنوب. أمّا واشنطن فتريد إبقاء الضغط من الجوّ ومنع انتقاله إلى البرّ. وفي المقابل، تستخدم إيران التهديد بالتصعيد لحماية الموقع، فيما يجد “الحزب” في هذا التوازن هامشاً يتيح له مواصلة الصمود عند المداخل.
تدخل في هذه المعادلة الغارات في الأيّام الأخيرة وما رافقها من اغتيالات. ترفع إسرائيل الكلفة وتوسّع بنك أهدافها، لكنّها لم تنتقل حتّى الآن إلى ضرب بيروت أو تنفيذ حملة جوّيّة شاملة. وعليه، لا مؤشّرات إلى حرب كبيرة على لبنان، بل معركة استراتيجيّة مضبوطة جغرافيّاً، وإن كان ضبطها صعباً لأنّ أيّ خطأ في عليّ الطاهر يمكن أن يحوّلها من مواجهة محلّيّة إلى أزمة إقليميّة.
في حسابات نتنياهو تحمل التلّة قيمة إضافيّة، فهو يحتاج قبل انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأوّل إلى صورة انتصار قابلة للتسويق
في حسابات نتنياهو تحمل التلّة قيمة إضافيّة، فهو يحتاج قبل انتخابات السابع والعشرين من تشرين الأوّل إلى صورة انتصار قابلة للتسويق: جنود عند مدخل المنشأة، أو تفجير ضخم للأنفاق، أو إعلان إنهاء أحد أهمّ مواقع “الحزب”. إلّا أنّ الحصول على هذه الصورة يتطلّب تجاوز السقف الأميركيّ ومخاطرة بمواجهة إيران، علاوة على احتمال تحوّل المداخل إلى كمائن واستنزاف للجيش الإسرائيليّ.
من اليوم حتّى الانتخابات، سيبقى هذا العنوان الميدانيّ طاغياً على مفاوضات روما، ومجموعة المراقبة، والمناطق التجريبيّة، وسائر العناوين السياسيّة. فإذا حسمت إسرائيل الموقع، ستعود إلى الطاولة بشروط أعلى. وإذا منعها الموقف الأميركيّ والردع الإيرانيّ وصمود “الحزب” من دخوله، ستبقى عليّ الطاهر عقدة تمنع إسرائيل من إعلان اكتمال إنجازها في الجنوب.
في الحالتين، لم تعد السياسة تقود الميدان. السياسة تنتظر عند مدخل النفق ما ستقرّره مواجهة باتت لبنانيّة وإسرائيليّة وإيرانيّة وأميركيّة في آن واحد.
