لا تبدو الكهرباء في الحسابات الإسرائيليّة خدمة يمكن تصديرها إلى الجوار وحسب، بل ورقة نفوذ يمكن توظيفها في إعادة تشكيل المصالح على الحدود. يفتح مقترح إسرائيليّ، يقوم على ربط محدود ومدروس بين الجولان وجنوب سوريا، الباب أمام مسار قد يمتدّ، بصورة غير مباشرة إلى لبنان، مستنداً إلى معادلة تجمع بين الطاقة والاستقرار الأمنيّ وإعادة الإعمار. وبينما تبدو الفكرة أكثر قابليّة للتطبيق في سوريا، يظلّ لبنان الحلقة الأكثر تعقيداً في هذا المسار.
يقترح إيلاي ريتيغ، الباحث المتخصّص في الجغرافيا السياسيّة للطاقة والأمن القوميّ في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجيّة التابع لجامعة بار إيلان الإسرائيليّة، نموذجاً للربط الكهربائيّ يقوم على تعاون محدود وقابل للفصل والتراجع، يخضع لمراقبة خارجيّة ويوجَّه إلى منشآت مدنيّة محدّدة، مع احتفاظ كلّ طرف بقدرته على الانفصال.
يعرض ريتيغ التصوّر في دراسة نشرها المركز في 16 آب من العام الحاليّ، ضمن مشروع مع مؤسّسة كونراد أديناور–إسرائيل بعنوان: “من خطوط الصراع إلى خطوط الطاقة: التعاون في مجال الطاقة بين إسرائيل وسوريا ولبنان”.
الجولان: الكهرباء والاستقرار الأمنيّ
يضع الباحث الوضع الأمنيّ في جنوب سوريا في صلب المشروع. فنظام الكهرباء السوريّ لا يزال يعاني أضراراً بالغة بعد سنوات الحرب، ولا تحصل مناطق عديدة إلّا على ساعات محدودة يوميّاً، فيما تعوق أضرار الشبكة تعافي قطاعات المياه والصحّة والزراعة والصناعة.
تكتسب المشكلة أهمّيّة في القنيطرة ودرعا والسويداء، حيث يرى ريتيغ مصالح إسرائيليّة استراتيجيّة وأمنيّة مباشرة. فنقص الكهرباء يضعف الحكم المحلّيّ ويزيد الاعتماد على “الديزل” والمورّدين غير الرسميّين، ويعرّض المجتمعات الحدوديّة للهجمات.
لذلك يقترح استخدام قدرات توليد الكهرباء الموجودة في الجانب الإسرائيليّ من الجولان لنقل كميّة محدودة عبر خطّ مخصّص إلى مستهلكين مدنيّين في جنوب سوريا، ولا سيما المجتمعات الدرزيّة القريبة من الحدود، مثل حضر. تبدأ التجربة بنحو 5 ميغاواط لتشغيل المستشفيات وضخّ المياه والمرافق البلديّة قرب القنيطرة، ثمّ ترتفع إلى 25 أو 30 ميغاواط إذا أثبتت موثوقيّتها.
يشير ريتيغ إلى قاعدة مهمّة لطاقة الرياح في الجولان. فمحطّة Emek Habacha تبلغ قدرتها 109 ميغاواط وتنتج نحو 320 غيغاواط/ساعة سنويّاً، فيما تبلغ قدرة Genesis Wind (Ruach Bereshit) في تلّ فارس نحو 207 ميغاواط. ويبلغ مجموعهما 316 ميغاواط، وهو ما يظهر قدرة الجولان على استضافة مئات الميغاواط من طاقة الرياح.
يشدّد المقترح على عدم مزامنة الشبكتين، تجنّباً للاعتماد المتبادل. وبدلاً من ذلك، يعمل الخطّ بصورة منفصلة وقابلة للفصل تلقائيّاً، ويمكن عزله عند الضرورة، وينقطع إذا خرج التردّد أو الجهد أو الظروف الأمنيّة عن الحدود المتّفق عليها.
إسرائيل: فوائد استراتيجيّة وإنسانيّة
بالنسبة إلى إسرائيل، يرى ريتيغ أنّ فوائد المشروع استراتيجيّة وإنسانيّة. فالربط الكهربائيّ المنضبط يمكن أن يعزّز الإدارة المدنيّة في جنوبيّ سوريا ويخفّض الاعتماد على شبكات تهريب “الديزل”، ويمنح السلطات المحلّية حافزاً لمنع الهجمات على البنية التحتيّة العابرة للحدود. ويتيح المشروع لإسرائيل التأثير في إعادة الإعمار ومراقبة المنشآت المدعومة، عبر قياس الكهرباء وتحديد سقفها وتوجيهها إلى خدمات محدّدة.
لكنّ المشروع ينطوي على مخاطر. فقد يصبح خطّ النقل هدفاً للهجمات، وقد تواجه إسرائيل اتّهامات بالعقاب الجماعي إذا خفضت الإمدادات. وقد تعتمد منطقة سوريّة حسّاسة على مصدر يمكن قطعه خلال أزمة، فيما تتحمّل إسرائيل مسؤوليّة توفير الكهرباء لمجتمعات تحكمها سلطة غير مستقرّة أو معادية.
يحذّر ريتيغ من تحوّل بادرة حسن النيّة إلى “حقّ طبيعيّ” يضعف مبرّرات وقفها. ويقترح الحدّ من هذه المخاطر عبر عقود محدودة، وقواعد شفّافة للانقطاع، وإدارة من طرف ثالث، مع موافقة المجتمعات المحليّة على المنشآت أو الأراضي المستخدمة ومشاركة ممثّليها في الإشراف وتقاسم المنافع.
لبنان: مسار أكثر تعقيداً
يضع الباحث لبنان على مسار مختلف، إذ يرى أنّ البلاد متقبّلة للطاقة المتجدّدة، وأنّ كهرباء الجنوب تعتمد أكثر على الطاقة الشمسيّة اللامركزيّة. وبدأت الحكومة إعادة تفعيل تراخيص لمشاريع شمسيّة، بينها مشروع 15 ميغاواط للجنوب والنبطيّة.
تشير خطط استيراد 150 إلى 250 ميغاواط من الكهرباء الأردنيّة عبر سوريا إلى قدرة الشبكة اللبنانيّة على استقبال واردات إقليميّة. لكنّ ريتيغ يعتبر الربط الإسرائيليّ-اللبنانيّ المباشر أقلّ واقعيّة حاليّاً من الربط مع سوريا. فما دام “الحزب” يحتفظ بنفوذ في جنوب لبنان، تجعل الظروف الأمنيّة والسياسيّة البنية التحتيّة المشتركة شديدة الهشاشة.
لذلك يقترح مشروعاً دوليّاً للطاقة الشمسيّة والبطّاريّات لخدمة البنية المدنيّة في الجنوب من دون اتّصال مباشر بإسرائيل. ويمكن إنشاء مشاريع بين 5 و15 ميغاواط في مرجعيون وحاصبيا لتشغيل ضخّ المياه والمستشفيات والخدمات البلديّة.
يقتصر دور إسرائيل على دعم وصول المعدّات بأمان، وعدم التدخّل في المنشآت المدنيّة، والمشاركة في منتدى تقنيّ إقليميّ. ويظلّ الخطّ المباشر خياراً لاحقاً مشروطاً بترتيب أمنيّ دائم وسلطة لبنانيّة قادرة على حمايته.
سوريا: الجسر إلى لبنان
على المدى الأبعد، يمكن لسوريا، بحسب ريتيغ، أن تصبح جسراً بين المسارين الإسرائيليّ واللبنانيّ. فقد ناقش كلٌّ من الأردن وسوريا ولبنان إعادة تأهيل خطوط الربط، ونصّت اتّفاقات سابقة على تزويد لبنان بـ150 ميغاواط ليلاً و250 ميغاواط نهاراً عبر سوريا.
إذا أُعيد تشغيلها، فإن الكهرباء الإسرائيليّة، أو الطاقة التي يحرّرها الإمداد الإسرائيليّ في جنوب سوريا، قد تحسن بصورة غير مباشرة توازن الطاقة المتاح للبنان، من دون عقد إسرائيليّ-لبنانيّ.
يقترح ريتيغ سلّماً من ثلاث مراحل: أنظمة منفصلة للطاقة الشمسيّة والتخزين للمنشآت المدنيّة، ثمّ خطّ صغير قابل للتراجع بين إسرائيل وسوريا ذي قياس مستقلّ وفصل تلقائيّ، ثمّ توسيع شبكة جنوب سوريا لتتفاعل مع خطوط الربط السوريّة – اللبنانيّة بعد تأهيلها.
أمّا الشبكة الإقليميّة المشتركة أو الخطّ الإسرائيليّ المباشر إلى لبنان، فيؤجَّل إلى ما بعد إثبات موثوقيّة الترتيبات المحدودة وقدرتها على الصمود سياسيّاً.
يشترط لكلّ مرحلة تحديد المستخدمين المدنيّين، ومراقبة طرف ثالث، وترتيبات للدفع، وحماية البنية التحتيّة، وقواعد لوقف الإمدادات، وألّا تعتمد إسرائيل عليها لتغذية منشآتها الحيويّة. ويقترح تمويلاً وضمانات من الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، وهيئة تنمية دوليّة لمراقبة الاستخدام والفصل في النزاعات التقنيّة.
