السبت. أكتوبر 16th, 2021

 المصدر: النهار العربي
فلسطين- مرال قطينة
رون آراد في الأسر
 طغت العملية الاستخبارية لجهاز “الموساد” لكشف مصير الطيار الإسرائيلي رون آراد، قبل أيام قليلة من حلول الذكرى الـ35 لأسره في لبنان، على عناوين الأخبار في إسرائيل، بعدما فجّر رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت أمس قنبلة خلال خطابه في الجلسة الافتتاحية لأعمال الكنيست الإسرائيلي في دورته الشتوية، بعد توقف استمر لأكثر من شهرين. فقد تطرّق بيينت لعملية “نوعية” قام بها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” الشهر الماضي ووصفها بالناجحة، كانت المفاجأة أن بينيت لم يتحدث عن عملية حدثت قبل سنوات، وأثار خطاب بينيت تساؤلات كثيرة في أوساط الصحافيين والمحللين السياسيين الذين تابعوه عن كثب، بل إنه أربك المراسلين الذين لم يتمكنوا من الإجابة عن الأسئلة في استوديو الأخبار الذي نقل خطابه مباشرة، وطرح الكثير من الأسئلة عما يدعو رئيس الوزراء الى التحدث عن عملية حدثت الشهر الماضي… هل حصل على موافقة الرقيب العسكري قبل أن يكشف عنها؟ لكن بينيت خلال خطابه أشار الى أنه لا يستطيع التحدث عن تفاصيل أكثر أو أن يكشف عن حيثيات ما جرى، وربما علينا أن ننتظر فترة لا بأس بها من الزمن حتى تنشر السلطات الإيرانية روايتها لنعرف أكثر عن حقيقية هذه العملية. هل كانت فعلاً عملية ناحجة؟ أو كما عقب مسؤولون عسكريون “أنها لم تكن ذات قيمة عالية”، لكن نشرها اليوم يتجاوز كشف إسرائيل معلومات عن طيارها الذي فُقد أثره نهائياً عام 1988.
تناول الإعلام الإسرائيلي العملية التي تحدث عنها بينيت بشيء من الاستخفاف، بل إن بعض الوسائل، لشح المعلومات الواردة، تحدثت عنها بطريقة “الفلاش باك”، وأعادت التذكير بسرد قصة أسر الطيار الإسرائيلي منذ اليوم الأول “على أساس أن بينيت لم يقدم جديداً”، بينما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر لم تكشف عنها أن “الموساد نفذ عملية اختطاف لجنرال إيراني على الأراضي السورية، ونُقل الى دولة أفريقية للتحقيق معه حول مصير الطيار الإسرائيلي المفقود، رغم أن الجنرال لم يقدم أي معلومات، وأُطلق سراحه بعد انتهاء التحقيق معه”، تبدو كأنها رسالة مزدوجة. ففي الوقت الذي لم تحصل فيه إسرائيل على ضوء أخضر أميركي، للقيام بأي هجوم أو التسبب بأضرار للمنشآت النووية الإيرانية، تكشف إسرائيل عن عملية خطف لجنرال إيراني من سوريا، ونقله الى أحد السجون السرية في أفريقيا وتطلق سراحه من دون التفكير بالقيام بأي صفقة جديدة للحصول على معلومات أكثر، والمغزى من ذلك لم يتضح حتى الآن.
 ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” على لسان المحلل العسكري رون بن يشاي أن “العملية تمت إثر معلومات وصلت الى إسرائيل، وركزت العملية على دول عدة لفحص البيانات والمصادر الأخرى التي من شأنها تأكيد المعلومات الأولية وترسيخ المعرفة حول مصير آراد والمكان الذي انتهت حياته فيه”، ولاحظ بن يشاي أن العملية لم تسفر عن الحصول على أي معلومات جديدة مهمة، على الرغم من ذلك شكر بينيت رئيس جهاز “الموساد” دافيد برنيع والشعبة الخارجية على التنفيذ الاحترافي والفعال والشامل الذي أدى الى رصد المعلومات الأولية الواردة، في هذه اللحظة ما من شيء معروف أكثر مما هو معروف عن مصير آراد، لكن مكتب رئيس الوزراء نشر بياناً الليلة الماضية قال فيه إن “عملية الحصول على معلومات استخبارية عن مصير آراد كانت عملية معقدة وجريئة وواسعة النطاق وناجحة، ونفذت مع تحقيق أهداف عملياتية استثنائية”، وأوضح البيان “أن قرار رئيس الوزراء بينيت نشر أخبار العملية لأعضاء الكنيست والجمهور الإسرائيلي كان ذا قيمة، مبيناً الجهود الكبيرة التي تبذل والالتزام بإعادة الأبناء الى حضن الوطن حتى بعد سنوات طويلة من أسرهم”.
 
لبنان وإيران والتّقرير السّري 
وعاودت الصحيفة الإسرائيلية التذكير بما حدث يوم 16 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1986، عندما انطلق الطيار الإسرائيلي رون آراد في مهمة لمهاجمة أهداف في منطقة صيدا جنوب لبنان، بعدما ألقى أسلحة خاطئة فانفجرت الذخيرة بالقرب من الطائرة، الأمر الذي أدى الى التخلي عن اثنين من أفراد الطاقم بمبادرة من آراد، أنقذت بعدها مروحية كوبرا الطيار يشاي أفيرام وأسرت “حركة أمل” الشيعية الطيار آراد. في العامين الأولين من الأسر تم الحفاظ على الاتصال مع الأسير آراد، ووصلت الى إسرائيل 3 رسائل كتبها بخط يده وصورة واحدة له، وأجريت مفاوضات من خلال وسطاء أوروبيين للإفراج عنه، بعد عامين ونصف عام نُقل آراد على ما يبدو الى إيران أو الى “حزب الله”، في 5 أيار (مايو) عام 1988 وصلت آخر علامة من آراد تفيد بأنه لا يزال على قيد الحياة، ورُقّي الى عقيد في سلاح الجو الإسرائيلي، في عام 2008 ورد تقرير من “حزب الله” اللبناني زعم أن آراد قُتل عام 1988 عندما حاول الهروب من أسره، واستبعد الحزب أن يكون قد نُقل الى إيران، إلا أن تقريراً استخبارياً سرياً صدر عام 2009، كشف عن اختطاف “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري آراد من منزل عائلة شكر في قرية النبي شيت اللبنانية في البقاع، حيث أُسر على يد مصطفى الديراني الذي أسرته إسرائيل وأطلق سراحه عام 2004 في صفقة تبادل للأسرى مقابل ألحنان تينينباوم وجثث لجنود إسرائيليين. لم يرغب الديراني في أن يمسك بيديه الكنز الثمين الذي سرقه من “حركة أمل”، خوفاً من عملية كوماندوس إسرائيلية، وطلب من الإيرانيين حراسته وحراسة تنظيمه الصغير مقابل المال، وافق قائد الحرس الثوري في لبنان مصطفى حسكار على ذلك مقابل تغيير بسيط، لم يكن يريد المال ولم يخبر الديراني بنيّاته، لذلك استغل عملية الجيش الإسرائيلي في ميدون (البقاع الغربي) في أيار عام 1988، واختطف آراد من منزل عائلة شكر من دون إخبار الديراني. وبحسب التقرير، نقل آراد عام 1990 الى إيران حيث احتجز لبعض الوقت في عزلة شديدة وسرية.
الديراني
ونشرت صحيفة “هآرتس” العبرية مقالة تساءلت في مجملها عن الفائدة من القيام بعملية كهذه. وكتبت: “لن تستفيد إسرائيل شيئاً من تحديد مكان دفن رون آراد أو حتى من معرفة الظروف التي أدت الى وفاته، لن يكون لها أي فائدة سياسية أو استراتيجية أو عسكرية أو حتى أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تاريخية، وعلى مستوى المبادئ والقيم لن نجني أي فائدة أيضاً”. وتساءلت الصحيفة مجدداً: “ما هي القيمة وراء العملية؟ لماذا تستثمر إسرائيل المال العام والموارد البشرية وتسخر الكثير من الطاقة للكشف عن معلومات جديدة حول مصير آراد؟ إنها مضيعة للوقت، هل القيمة هي أن إسرائيل لا تترك مقاتليها وراءها وتفعل دائماً كل شيء لإعادتهم؟ رون آراد لم يترك شيئاً وراءه، إنها الحقيقة .. هل عائلته بحاجة الى مراسم دفن لتستمر في حياتها؟ تجيب الصحيفة: لا .. فعائلته اختارت المضي قدماً واستمرت في حياتها منذ فترة طويلة، في الحرب كما في الحرب وفي الحياة كما في الحياة”.
وختمت الصحيفة بأن “آراد لم يكن جندياً مهماً أو حتى مميزاً في تاريخ إسرائيل، بكل بساطة هو واحد من العديد من الجنود الإسرائيليين الذين قتلو أثناء أدائهم خدمتهم العسكرية قبل 30 عاماً، صحيح أنه تألم أثناء فترة اختطافه، لكن هذا حدث أيضاً لجنود آخرين. وصحيح أن مكان دفنه غير معروف وملابسات وفاته غير واضحة، لكن هذا ما يحدث للجنود الذين يقعون في الأسر، في الحرب لا يعود الجنود الى منازلهم، كما أنهم يقعون في الأسر ويموتون، كما يحدث أحياناً أن لا يحصل الجنود على مراسم دفن رسمية، كان مجرد جندي آخر، فأسطورة الجيش الذي لا يترك أحداً من جنوده وراءه مهما كلف الأمر واجهت نكسة جديدة، وربما شارفت على النهاية، كما أن آراد لم يظهر أي شجاعة غير عادية، فالإسرائيليون ليسوا مصدومين أو لا ينامون الليل بانتظار عودته، هذا هراء.. على مدى السنوات الماضية تحول آراد حكاية ضخمة وارتقى ليصبح رمزاً وطنياً عشوائياً، أفضل طريقة لتكريم ذكراه هي السماح له بأن يرقد بسلام، بعيداً من الأضواء التي لم يكن يبحث عنها، وبعيداً من العلاقات العامة السياسية التي تستغله وتحتقره بسخرية، كفى. اتركوه وشأنه، بعد كل شيء قيل وسيقال، بينيت لا يذهب الى الفراش في الليل وهو يفكر في رون آراد”.