قد يغدو خطرا اختصار المشهد اللبناني راهنا بترقب معركة لا بد حاصلة، هي موقعة علي الطاهر التي يكاد يكون إجماع غير مسبوق، عسكري وديبلوماسي وإعلامي، على الجزم بأنها حاصلة قبل انتخابات تشرين الأول في إسرائيل، والتوقف عند هذه “النبوءة” اليتيمة. والحال أن أياما قليلة تزامنت مع انتهاء هدنة- حقيقية أو وهمية لم نعد ندري- الستين يوما في المسماة مذكرة تفاهم أميركية – إيرانية التي ولدت مدفونة في مهدها، بدت كفيلة بتظهير مشهد إقليمي مقبل على مزيد من الغليان وكأنه بركان يتحفز لقذف الحمم في كل اتجاهات الشرق الأوسط. وما لم يجر الاعتراف القاسي الملزم القسري بالحقائق التي خلفها تخلف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مرات ومرات، عن الحسم الكاسر للنظام الإيراني، فإن باب الخيبات الكبرى سيبقى مفتوحا على الغارب خصوصا في لبنان، ولن نوسع البيكار الآن في اتجاه الدول الخليجية وسواها
يحدث إذا أن تشكل الموجة الميدانية العنيفة التي شهدها الجنوب في نهاية الأسبوع الماضي، موشرات أولية لواقع احتدام إقليمي أوسع لا يتعلق بالوضع الخاص بمرتفع علي الطاهر وحده، ولو أن العدّ العكسي الجاري لمعركة السيطرة الميدانية الإسرائيلية عليه يشكل بؤرة التوهج المستمرة المهددة في أيّ لحظة باشتعالات واسعة، إلى أن تنفجر حرب مصغرة أو مكبرة “في حينه”. والأخطر في ما أسفرت وتسفر عنه الوقائع العلنية والمستورة في هذا الوضع، أن العد العكسي لمعركة علي الطاهر علّق تعليقا تاما مندرجات الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، بما يتوافق مع الإستراتيجية الإسرائيلية الراهنة، سواء كانت ظرفية انتخابية أو أبعد مدى، ولكن أيضا بما يفيد “حزب الله” وإيران في اتجاهاتهما المصممة على إسقاط الخيار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي كنقطة ارتكاز كبيرة إقليمية واستراتيجية توازي تماما العبث الإيراني المتصاعد باستقرار الملاحة الدولية وأمن دول الخليج العربي.
ما لم يجرِ التخلي الجدي عن أوهام التوقعات بانتهاء قدرات النظام الإيراني، ولو مني بضربات استراتيجية كارثية، وهو عاد مجددا يعكس استقواءه بالوقائع الأميركية التي تترجم بتردد وربما بتخلي الإدارة الأميركية عن خيار الحسم النهائي في إيران، سيبقى باب الخيبات مفتوحا لدى غالبية المراهنين بعد على تراجع إيران عن استثمار لبنان ساحة استباحة مستدامة تتبادل الخدمات فيها مع عدوتها المزعومة إسرائيل. وفي ظل موجة الاستقواء الإيرانية الأخيرة، وهي الأقوى إطلاقاً منذ بدء الحلقات الحربية بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل بفعل “استراتيجية التردد” التي طبعت قرارات الرئيس الأميركي عسكريا على الأقل، يتعين على لبنان الذي لا يزال يتمسك بخشبة الرهانات على ديبلوماسية التفاوض لئلا تدهمه حرب إسناد إضافية، أن يستعد تماما لهذه الحرب الزاحفة.
فالاستعدادات للحرب هذه، مهما كان حجمها ونتائجها، كشفت وقائع كارثية إضافية على لبنان تضعه في عين المشهد الانتخابي الإسرائيلي من جهة والتحول الإيراني تحت وطأة نشوة النجاة من الهزيمة النهائية من جهة أخرى. تهديدات “حزب الله” للسلطة اللبنانية ولسائر اللبنانيين بالغضب الآتي، ليست سوى مقبلات للتهديدات التي أطلقها “الحرس الثوري الإيراني” في الساعات الأخيرة “بمفاجآت استراتيجية” عابرة للشرق الأوسط. ولا ترانا نفتقر إلى التجارب لنتخوف من أن ما أعقب حرب تموز 2006 من اهتزازات وانقلابات داخلية قد يكون الأقرب إلى ما يعدّ للبنان “كقيمة إضافية” بعد علي الطاهر!
