حلت هذا العام الذكرى الخمسون لوفاة مارتن هايدغر، الذي رحل في 26 مايو/أيار 1976، بعدما ترك أثرا بالغ النفوذ والجدل بين مفكري القرن العشرين كلهم. لذلك سيعود معظم المهتمين به إلى كتابه الأشهر “الوجود والزمان”، الصادر سنة 1927، بوصفه الممثل الرسمي لفكره. وقد يذهب فريق أقل عددا إلى هايدغر المتأخر: هايدغر الشعر واللغة وهولدرلين ومايستر إيكهارت، الذي أعلن نهاية الفلسفة ودعا إلى الإصغاء إلى الوجود. عرفنا هايدغر ما بعد، لكن ماذا عن هايدغر ما قبل “الوجود والزمان”؟ لا يوجد كثيرون يتحدثون عن هذه الحقبة.
الواقع أنها لم تكن منفصلة تماما، بل كانت المعمل الذي تكون فيه مشروعه. فمن دون معرفة هايدغر الكاثوليكي، وطالب اللاهوت، والمرشح للكهنوت، والمدافع المبكر عن الكنيسة، ثم الخارج على نسق الكاثوليكية، يصعب فهم كيف جاء “الوجود والزمان” محملا بالوقوع والذنب والضمير والقلق والموت، وخاليا من الخلاص.
ولد هايدغر سنة 1889 في بلدة مسكيرش الكاثوليكية المحافظة، وكان والده قيِّما على كنيسة القديس مارتن. لم يكن الدين عنده مجرد اعتقاد، بل عالما كاملا يشمل الأسرة والتعليم واللغة، والمؤسسة التي رعته ومنحته فرصة الصعود الاجتماعي والأكاديمي. ولتفوقه تلقى منحا كنسية، ورسم له منذ مراهقته طريق نحو الكهنوت.
في سنة 1909 التحق بدار للابتداء الرهباني تابعة لليسوعيين في بلدة تيسيس النمساوية، لكنه غادرها بعد أسبوعين لأسباب صحية. ثم درس اللاهوت الكاثوليكي في جامعة فرايبورغ وأقام في المؤسسة الإكليريكية التابعة للأبرشية. واستمر حتى 1911، حين ترك اللاهوت واتجه إلى الفلسفة.
في هذه المرحلة، لم يكن كاثوليكيا بالانتماء فقط، بل وقف إلى جانب الكنيسة المحافظة في صراعها مع الحداثة اللاهوتية، ودافع عن سلطة التقليد ووحدة الحقيقة في مواجهة المناهج النقدية الحديثة. غير أن الأدوات الفكرية التي رفضها في شبابه لم تتركه.
لم يكن انتقاله إلى الفلسفة خروجا فوريا من الكاثوليكية، فقد أنجز سنة 1915 أطروحة التأهيل عن دونس سكوتس، أحد كبار مفكري العصور الوسطى، وكان يطمح إلى أن يصبح فيلسوفا كاثوليكيا يجدد التراث المدرسي بالمنطق الحديث والفلسفة الظاهراتية. كما أمل في الحصول على كرسي الفلسفة الكاثوليكية في فرايبورغ، لكنه لم ينله.
لا يجوز تفسير تحوله بهذه الخيبة المهنية وحدها. فقد اجتمعت تصدعات عدة: المرض الذي أبعده عن الكهنوت، والضيق بالرقابة الكنسية، والاعتراض على جمود الفلسفة المدرسية، وعدم حصوله على الموقع الأكاديمي الذي أراده. لذلك يبدو الأدق أن نتحدث عن خذلان فكري ومؤسسي متراكم، لا عن صدمة واحدة.
وتكشف علاقته بالقس إنغلبرت كريبس لحظة حاسمة في هذا التحول. كان كريبس أستاذا للاهوت وصديقا لهايدغر، وهو الذي عقد زواجه من إلفريده بيتري سنة 1917. وفي ديسمبر/كانون الأول 1918 ذهبت إلفريده إلى القس لتخبره أن الزوجين لن يستطيعا الوفاء بوعد تربية طفلهما كاثوليكيا. وبحسب ما دوّنه كريبس، قالت إن زوجها فقد إيمانه الكنسي، وإنهما، بعد القراءة والتفكير والصلاة معا، ما زالا يؤمنان بإله شخصي، لكنهما لم يعودا ملتزمين بعقائد الكنائس الرسمية.
بعد أسابيع، في 9 يناير/كانون الثاني 1919، كتب هايدغر إلى كريبس، وقال إن رؤى معرفية مرتبطة بالفهم التاريخي جعلت نسق الكاثوليكية إشكاليا وغير مقبول لديه. لكنه أضاف أن ذلك لا يعني التخلي عن المسيحية والميتافيزيقا، بل قال إنه سيحاول إعادة فهمهما بمعنى جديد.
هذه العبارة مفتاح المرحلة. لم يقل إن الله غير موجود، ولا إن المسيحية باطلة، بل رفض النظام الكاثوليكي، بوصفه منظومة مغلقة تقدم إجابات نهائية عن الإنسان والتاريخ. كانت التاريخية هي المشكلة. فإذا كان الإنسان يفهم نفسه من داخل زمن ولغة وتجربة متغيرة، فكيف تزعم منظومة فلسفية امتلاك حقائق ثابتة تقف خارج التاريخ؟ لذلك طالب بأن تكون الفلسفة ملحدة منهجيا، أي أن تفكر في الإنسان والوجود من دون اتخاذ الله والوحي والخلاص أجوبة سابقة. وهذا تعليق فلسفي للحكم، وليس نفيا لوجود الله.
والأكثر إثارة أنه، بعد خروجه من الكاثوليكية، لم يبتعد عن الدين، بل عاد إلى المسيحية الأولى والتصوف. درس رسائل بولس، وأوغسطين، ولوثر، ومايستر إيكهارت، لكنه لم يعد يقرأهم بصفته لاهوتيا يدافع عن العقيدة، بل باحثا عن بنية التجربة الدينية.
وإلى جانب هذا الرافد، أخذ من هوسرل الظاهراتية، لكنه نقلها من تحليل الوعي، أي دراسة كيفية إدراك الإنسان للأشياء، إلى وصف الحياة كما تعاش قبل تحويلها إلى موضوع نظري. وقرأ أرسطو بحثا عن الإنسان العملي، الإنسان الذي يفهم العالم من خلال الفعل والاختيار واستعمال الأشياء، لا من خلال التأمل المجرد. فالإنسان لا يقف أمام العالم متفرجا، بل يوجد فيه وينشغل بأشيائه وإمكاناته.
هنا كان المعمل الذي خرج منه “الوجود والزمان”. فما كان يسميه الحياة الفعلية صار إنسانا مهموما بوجوده، وما كان انشغالا بالأشياء صار وجودا في العالم. لكن الأهم أنه أخذ عددا من البنى الدينية وأبقى عليها بعد أن نزع عنها مرجعها اللاهوتي: فالوقوع لم يعد السقوط في الخطيئة، بل ذوبان في عالم الناس، والذنب لم يعد معصية في حق الله، بل صار بنية أصلية في وجود الإنسان، والنداء تحول إلى نداء الضمير، والتوبة صارت عزما وأصالة، وانتظار المجيء انتهى إلى مواجهة الموت. ولهذا لم تكن سنة 1927 بداية مفاجئة لمشروعه، بل اللحظة التي جمع فيها هذه الخيوط وأعاد صياغتها بلغة أنطولوجية صارمة.
يمكن القول إن هايدغر مارس نوعا من الإلحاد المنهجي، لا الاعتقادي. لم يكن هدفه بالضرورة إنكار الله، بل منع الفلسفة من استخدام الله والخلاص إجابات جاهزة. أراد وصف الإنسان قبل تعريفه بوصفه مخلوقا وخاطئا ومنتظرا للنعمة. لكن ثمن هذه العملية كان باهظا. فقد بقي القلق واختفى الرجاء، وبقي الذنب من دون مغفرة، والنداء من دون مناد، والموت من دون قيامة. ومن هنا يبدو “الوجود والزمان” عند بعض قرائه كتابا خاليا من الروح، برغم عمقه الفلسفي.
ومع ذلك، يمكن الدفاع عن هايدغر بالقول إنه لم يرد إفراغ التجربة من الروح، بل تحريرها من الأجوبة العقائدية المسبقة. وربما لهذا عاد في مرحلته المتأخرة إلى الشعر والتصوف ولغة الإصغاء والترك ليكون مستعيرا مفردات إيكهارت، لا للعودة إلى الكنيسة، بل للتفكير في الوجود. لقد خرج هايدغر من الكنيسة فلسفيا، لكن الكنيسة لم تخرج تماما من حياته. وهكذا نفهم طلبه قبيل موته، أن يدفن بحسب الطقوس الكاثوليكية.
