
سورية كردية في ميناء بيرايوس، حيث يقيم نحو 1500 لاجئ في مخيمات موقتة، 18 مايو 2016 (أ ف ب)
ملخص
على مدار 14 عاماً اقترن الوجود المليوني السوري في الخارج بالحرب الدائرة داخل بلادهم، واستمرارها كان يشكل لهم على الدوام أسباب لاستمرار برامج الحماية الأمنية الخارجية والاستضافة في بلدان اللجوء المتعددة، لكن سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 غير تلك المعادلة جذرياً، خصوصاً مع وجود نحو 7 ملايين سوري في المنافي كما تشير تقارير أممية وحقوقية، السواد الأعظم منهم هم معارضو الأسد والهاربون منه.
“أعلم أن غالبية السوريات والسوريين الذين وجدوا ملاذاً آمناً في ألمانيا يريدون العودة إلى وطنهم، يريدون إعادة بناء الوطن، ويريدون أن يعيشوا فيه بحرية وكرامة وأمان”، لم يكن هذا التصريح الصادر عن المستشار الألماني فريدريش ميرتس حين التقى الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع في برلين أواخر مارس (آذار) الفائت تصريحاً سياسياً أو دبلوماسياً عادياً، فقد فجر تبعات قانونية تجاوزت الحدود الألمانية ومرت في دول اللجوء الكثيرة التي يقطنها السوريون وصبت أخيراً في دمشق التي بدت مرحبة بشدة، وفي الوقت ذاته قلقة من إمكانية ترحيل أعداد مهولة من اللاجئين بما سيترتب عليه من إرباك إضافي للمشهد السوري.
على مدار 14 عاماً اقترن الوجود المليوني السوري في الخارج بالحرب الدائرة داخل بلادهم، واستمرارها كان يشكل لهم على الدوام أسباب لاستمرار برامج الحماية الأمنية الخارجية والاستضافة في بلدان اللجوء المتعددة، لكن سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024 غير تلك المعادلة جذرياً، خصوصاً مع وجود نحو 7 ملايين سوري في المنافي كما تشير تقارير أممية وحقوقية، السواد الأعظم منهم هم معارضو الأسد والهاربون منه.
المراجعة بدأت
يقول الباحث السياسي رجا حسين لـ”اندبندنت عربية”، إن “الحكومات الغربية بدأت فعلياً منذ سقوط النظام السابق بمراجعة أنظمة الهجرة وأوضاع المهاجرين تبعاً للتغير الجذري في الظرف السياسي السوري، وحتى الآن تحاول تلك الحكومات العمل على مفهوم العودة الطوعية، وأحياناً تقدم مغريات مالية من أجل ذلك، وفي ظروف أخرى تسحب الحماية نفسها أو تنهيها أو تعيد النظر في اللجوء شكلاً وموضوعاً، أميركا كانت سباقة في اتخاذ إجراء إنهاء وضع الحماية للسوريين، وألمانيا تنفذ عملية إجرائية أكثر اتساعاً بكثير ولكنها معقدة، أما تركيا فتبقي موقتاً على وضع الحماية الموقتة”.
وأضاف “ذلك لا يعني أن دول العالم اعترفت بانتهاء الحرب السورية تماماً، ولا أنها سترحل ملايين السوريين فوراً، فهناك ضوابط قانونية معقدة في هذا الإطار تتبع سياسة وتشريعات كل دولة مستضيفة، لكن الواضح الآن أمامنا أن الدول الغربية لم تعد تنظر إلى ملف اللجوء السوري كحال مفتوحة، ليحل مكانه نقاش مركزي حول كيفية إعادة السوريين إلى وطنهم”.
بينت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أخيراً أن نحو 1.6 مليون سوري عادوا إلى بلادهم منذ سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وحتى أبريل (نيسان) 2026، فيما عاد حوالى 1.9 مليون نازح داخل سوريا إلى منازلهم، ومن بين العائدين طغت نسبة الإناث لتصل إلى 52 في المئة مقابل 48 في المئة للرجال، وتركزت النسبة الكبرى من العائدين بين أعمار 18 و59 سنة مع نسب أقل لباقي الفئات العمرية.
وتصدرت تركيا، الجارة الشمالية لسوريا، أعداد العائدين الذين ناهزوا حدود 650 ألفاً، تليها لبنان بأكثر من 600 ألف شخص بقليل، ومن ثم الأردن بقرابة 300 ألف، و40 ألفاً من العراق، و28 ألفاً من مصر، و6 آلاف من دول أخرى.
وفي سياق العودة تلك تحدثت منظمات إنسانية عن أن نسبة لن تقل عن 50 إلى 60 في المئة من مجمل من عاد يحتاج إلى مساعدات إنسانية وصحية، مما ينقل السؤال من دائرة “هل سيعود السوريون؟” إلى سؤال أكثر تركيباً وتداخلاً يبحث في قدرة سوريا الوليدة على استيعاب الكم العائد وتقديم الخدمات لهم وإعادة دمجهم في المجتمع.
وأدرجت أميركا مواطني سوريا ضمن برنامج TPS عام 2012 وهو برنامج حماية موقت، وظل هذا البرنامج الذي يشمل مواطني سوريا يمدد عاماً تلو الآخر، ولكن أخيراً أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية إنهاء العمل بنظام الحماية الموقت للسوريين ومواطني بعض البلدان الأخرى، داعية إياهم للمغادرة قبل أن يتم ترحيلهم، وقد تم الإقرار الرسمي أواسط الشهر الجاري وأصبح القرار نافذاً لانتفاء الخطر داخل سوريا من وجهة نظر الولايات المتحدة، على رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى استفادة آلاف السوريين من النظام الملغى.
الموقف القانوني
في هذا السياق يقول المتخصص في العلاقات الدولية خالد صبحي، إن “انتهاء نظام الحماية الموقت لا يعني ترحيل كل السوريين في أميركا، فهو مرتبط بمن كان يعتمد عليه في الإقامة فقط، أما من يملك أسساً أخرى للجوء، أو يملك الإقامة الدائمة، أو الجنسية، فهؤلاء لا يمكن ترحيلهم قانوناً ولن يحصل ذلك”.
أما في ألمانيا فيبدو الوضع مختلفاً تماماً وأكثر اضطراباً وقلقاً للسوريين هناك، على اعتبار أن نحو مليون سوري يعيشون في ألمانيا حالياً، والدولة هناك بدأت فعلياً مراجعات جادة بشأن حالات الحماية، ليصير الحث على العودة الطوعية مع ضغط خفي من الحكومة نفسها أو اليمين المتشدد وتحديداً “حزب البديل من أجل ألمانيا”، هو عنوان المرحلة استناداً إلى الرؤية القائمة على تغير الوضع في سوريا وانتهاء حال الحرب، إضافة إلى ترحيل المجرمين والخطرين وأصحاب السوابق والمشكلات الاجتماعية والقانونية.
فعلياً راجعت ألمانيا خلال الأشهر القليلة الفائتة نحو 8 آلاف ملف لسوريين، وانتهت تلك المراجعة بسحب الحماية من 23 في المئة منهم، مقارنة بسحب الحماية من 3.7 في المئة فقط خلال عام 2025 ضمن مشروع المراجعة ذاته.
وفي ما يتعلق بالملف الألماني يشرح صبحي أن “سحب الحماية لا يعني الترحيل تلقائياً، بل هو إجراء من جملة إجراءات، فالسوريون في ألمانيا يعتمدون على أسس أخرى للإقامة تفيدهم في تقوية موقفهم القانوني، طالما أنهم لا يمتلكون سجل انتهاكات يجعل ترحيلهم واجباً فورياً، ألمانيا لم تعد تستطيع تحمل هذا الطوفان البشري السوري لديها، ونحن نتحدث عن مليون لاجئ، وذلك أولاً يتبع لاعتبارات سياسية داخلية محضة، وثانياً لرؤى أوروبية جديدة حول الوضع السوري، لكن فعلياً ألمانيا تبحث عن طريقة لإعادة ما أمكن من السوريين، وتحديداً أولئك الذين لا يمتلكون سندات إقامة قوية وغير مندمجين مجتمعياً أو لا يدرسون أو يتعلمون أو لم يجيدوا اللغة حتى، وتصريحات المستشار الألماني كانت واضحة للغاية، وعلى رغم ذلك أمام ألمانيا صراع قانوني – قضائي مرير لتتمكن من إنجاز ما تريده من عمليات ترحيل في حال لم تكن طوعية بالمطلق”.
بين العودة والرفض
يسرى القاسم طبيبة فلسطينية سورية هاجرت عام 2013 إلى ألمانيا، تحدثت إلى “اندبندنت عربية” شارحةً أنها ترفض بالمطلق العودة إلى سوريا بنية الاستقرار على رغم أنها زارتها مرتين بعد سقوط النظام، وتقول “أشك أنني سأزورها مرة ثالثة، أنا فلسطينية نعم، لكنني سورية أيضاً، ولدت وتربيت في دمشق، وأعطيت بلدي الذي أحب فرصتين بعد التحرير ولكن لا شيء مبشر هنا، في الزيارتين كانت صدماتي قاسية، سوريا تحتاج إلى عقود حتى تعود كما كانت، سأتمسك بوضعي القانوني في ألمانيا، وقد اقتربت من الحصول على الجنسية”.
“زرت سوريا مرة بعد سقوط النظام، لا أريد العودة في القريب”، يقول الشاب محمد عبدالحي لـ”اندبندنت عربية” حول زيارته لسوريا قادماً من ألمانيا بعد سقوط النظام، ويعلل موقفه شارحاً “هربنا من بطش الأسد إلى المنافي البعيدة، لا أقول إن السلطة الحالية غير جيدة، ولكني لا أريد العودة، لا يوجد شيء أصعب من الانتقال من ألمانيا إلى سوريا بوضعها الحالي، حيث ينعدم الأمان والخدمات وسبل العيش، في ألمانيا بنينا مستقبلاً لنا ولأولادنا، وفي سوريا ذلك مستحيل، بدءاً من التعليم وانتهاء بالطبابة ومروراً بكل شيء بينهما”.
“اندبندنت عربية” استطلعت آراء مشابهة من سوريين لاجئين في دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، بينما كانت تجارب اللاجئين في دول عربية أو إقليمية أكثر حماساً ومنهم من عاد بالفعل، فالمهندس سامح رؤوف الذي عاد من تركيا بعد سقوط النظام كان يتوق لتلك اللحظة على حد تعبيره، “لن تقدم لنا تركيا أكثر مما ستقدمه سوريا لأولادها، وجودنا هناك كان موقتاً ومقروناً برحيل النظام وقد رحل، فلماذا نظل؟ لقد عدت إلى بلدي وبيتي وحياتي ومجتمعي وأشجع الجميع على العودة”.
كذلك عادت سمية أحمد من لبنان إلى سوريا خلال العام الماضي، وحول ذلك قالت “صحيح أن لبنان استقبلنا لسنوات طويلة، لكن الأفق كان معدوماً ولم يكن وجودنا في أفضل حال، أنا لم أسكن الخيام ولكن معيشة المدن كانت مرهقة في الجهد واستنزاف المال وغياب الأفق، الآن عدت إلى بلدي حيث أنتمي، وأقول إنه يجب على جميع السوريين منح هذه الحكومة فرصة تستحقها لتنهض بالبلد، لأنها ورثته دماراً في كل قطاعاته ومؤسساته”.
التحدي الأكبر
ولا يمكن الحديث عن ملف اللاجئين في الخارج من دون الحديث عن تركيا بوصفها المستضيف الأكبر لهم، ولامتلاكها نظام استضافة مختلفاً عن بقية الدول، فلاجئو تركيا يخضعون للنظام 91 التركي الذي ينظم شكلاً فردياً من الحماية الدولية، وحتى الآن لا إعلان عن انتهاء العمل به، لذلك لم تنه أنقرة رسمياً أنقرة حماية اللاجئين السوريين الموقتة على أراضيها، وفي الوقت ذاته لا يمكن القول إن السياسة التركية في هذا الصدد ثابتة، فالسوريون المسجلون هناك ضمن برامج اللجوء انخفض تعدادهم بشكل لافت أخيراً، فيما بقي أكثر من مليوني سوري ضمن برنامج الحماية بحسب تقارير دولية حديثة، بعد أن كانت التوثيقات الأممية تتحدث عن أكثر من 3.5 مليون سوري لاجئ في تركيا في ذروة اللجوء بين عامي 2020 و2021، وعلى رغم أن بعضاً من تلك العودة بدأ فعلياً قبل سقوط النظام، لكنه تزايد بشكل ملحوظ ومتسع بعده.
المتخصص في الشؤون التركية أصلان كريم، يقول إن “الحكومة التركية اليوم تمتلك علاقات وثيقة وارتباطاً حيوياً وفعلياً بحكومة دمشق، لذلك تعمل على سياسة العودة الآمنة والمنظمة والكريمة مضمونة الحقوق للسوريين على أراضيها، وكذلك تتعاون مع الجانب السوري في ملفات سياسية وإنسانية وعسكرية وعقارية وملفات أخرى في محصلتها تجعل العودة الطوعية أكثر ليونة واستقراراً، بالتالي تركيا لم تلغ أو تهدد بإلغاء نظام الحماية عن اللاجئين حتى الآن، وإنما تحاول بحث الطرق التي يمكن أن يعودوا بها طواعية من دون ضغوط”.
عملياً ونظرياً لا يمكن الحديث عن ترحيل ملايين اللاجئين السوريين في الخارج، لأن الأمر يخضع لاعتبارات قانونية متعددة تتراوح بين لاجئين معترف بهم، وطالبي لجوء، وطلبات لم شمل (أوقفتها بعض الدول)، وحمايات موقتة أو متفرعة أو ثانوية، ولجوء لأسباب سياسية وإنسانية، وإقامات عمل ودراسة ولم شملٍ سارٍ مسبقاً، وأشخاص حصلوا على الجنسية فعلاً.
يقول الحقوقي رواد صليبي، إن “فقدان الحماية لا يعني تفعيل بند الترحيل الفوري، فهناك مسارات قانونية كثيرة أمام اللاجئ، إذ يمكنه الطعن بالقرار أمام دوائر الهجرة المختصة أو القضاء، فهناك وسيلة قانونية تمنحه مهلة أو إعادة نظر في وضعه عامة، وهنا يستفيد أكثر من غيرهم المندمجين في المجتمع والعاملون والفاعلون خلاف الذين يعيشون ضمن استضافة المساعدة المستمرة، إذاً الترحيل القسري المليوني مستبعد، لكن أيضاً لا يمكن إغفال حجم التحول الحاصل في الملف، فالعودة الطوعية حملت معها مئات الآلاف إلى بلدهم، والعودة الطوعية في حد ذاتها مشكلة لسوريا وليس لبلد الاستضافة، لأنها ستفوق قدرة الدولة على تقديم الخدمات ومواكبة شؤون العائدين”.
داخل الحدود
تبدو المشكلة أكثر تعقيداً حين يصل اللاجئ إلى وطنه سوريا من جديد بعد أعوام لجوء طويلة في الخارج، فعلى إثر دخوله الحدود سيحتاج إلى منزل، ومصدر دخل، ووثائق رسمية، ومدارس لأطفاله، وآلية رعاية طبية، ومرافق مياه وكهرباء وغاز وبقية الخدمات، والأعقد هو إعادة الاندماج بعد هذا الانسلاخ العظيم بين بيئتين متباينتين تماماً في كل شيء.
يقول الأكاديمي في الاقتصاد جابر كيشي “نحن نتحدث عن أقل من مليوني عائد حتى الآن، وملايين أخرى مفترضة مستقبلاً، وهؤلاء لا يمكن التعامل معهم وفق مبدأ المنح المالية المحددة أو ترميم منازلهم المتهالكة التي تعرضت لقصف عنيف، والوثائق الأصلية والمدنية والملكية عقبات أمامهم أيضاً، وقد يحرمهم غيابها من كل الخدمات الممكنة على قلتها، بالتالي علينا أن نقول إن العودة ليست فقط مجرد عبور للحدود، إنما ماذا سيحصل للعائد بعد عبور الحدود، وماذا سيفعل وكيف سيتصرف وقد خرج صفر الوثائق من بلده قبل سنوات؟ وهنا قد تنشأ نزاعات حول الملكية العقارية وشكل الحياة وأسلوب الإمداد المالي وغير ذلك، مما يضع العائد أمام جملة تحديات قاسية”.
تحاول السلطة السورية التعامل مع الملف بجدية مطلقة، لكن حتى الآن لا تظهر بوادر خطط فعلية قابلة للتطبيق تشمل الأعمال البنيوية والمالية التي تمكن دمشق من استقبال الملايين من دون مساعدات خارجية مفتوحة، وبخاصة أن البلد منذ سقوط النظام السابق قبل أكثر من عام ونصف العام لم يشهد حركة استثمارية أو إعمارية أو تحسينية تذكر، وذلك لظروف دولية ومحلية خاصة.
وعلى اعتبار أن العائدين حتى الآن هم حوالى 1.6 مليون شخص، فكان الخيار الوحيد أمام السلطة السورية هو التركيز الجاد والحثيث على متابعة الأمر مع المنظمات الإنسانية وشركاء التنمية ومفوضية اللاجئين والأمم المتحدة للعمل على مشاريع تعاف مبكر، وهي تختلف جذرياً عن إعادة الإعمار، وقد تتمكن من تحسين ظروف ملفات السكن وتأهيل المساكن، مع مساعدات نقدية محدودة، لكن كل ذلك لا يمكن أن يحل مكان سياسة وطنية لإعادة الإعمار، وفي ظل كل ذلك يبدو أن الدور الأكبر لا يزال ملقى على عاتق المنظمات الإنسانية والدولية.
اختبار القدرة
قبل سقوط النظام السابق أثبتت الأمم المتحدة أن 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، واستعادة اللاجئين سيزيد هذا الرقم ويعمقه بحسب خبراء اقتصاديين وسياسيين، فتصبح العودة وإن كانت طوعية عبئاً كبيراً على الخدمات والنسيج الاجتماعي والبنى التحتية شبه المفقودة.
لكن حتى تلك العودة يمكن أن تحمل في بعض منها جانباً إيجابياً، وهو ما أشار إليه المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال لقائه أحمد الشرع في مارس 2026 في ما يتعلق بأن السوريين العائدين من ألمانيا وغيرها يملكون خبرات وأفكاراً جديدة يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في إعادة بناء بلدهم.
ويشرح الأستاذ الجامعي في القانون الدولي الإنساني مظفر حداد، أن “شكل اللجوء تغير، ومعه تغيرت آلية التعامل مع اللاجئين الهاربين من الأسد على اعتبار أن نظامه سقط فعلياً فزالت مخاطره، لذلك يكمن الخطر في أن سوريا لن تنتظر ترحيل الملايين الفعلي، إذ إن العودة الطوعية وحدها كفيلة بإحداث مشاكل لوجستية عميقة في مرحلة حساسة جداً من عمر المرحلة الانتقالية، وهذا هو الاختبار الهائل، لأن ذلك ينتج ضغطاً سكانياً واقتصادياً عظيماً ينذر بانفجار متجدد، مع لحظ وجود مفارقة غريبة وهي أن هذه العودة نفسها قد تشكل رافعة لبناء سوريا إذا تضافرت الجهود وتوافرت الإمكانات، لأن امتلاك رأس مال بشري بهذا الحجم يمكن تطويعه في أفضل صورة، وبخاصة أنه طازج وقد يملك حماساً كبيراً، لكن الأكيد أن دمشق حتى الآن لا تملك صورة وطنية تمكنها من التعامل مع العودة الكبيرة، والسؤال هنا: هل ستتمكن من تحويل العبء البشري إلى مورد تعاف وطني؟ هذا يرجع إلى السياسة التي سترسمها الحكومة”.
في صلب القانون
يفترض أن المستشار الألماني تحدث مع الرئيس السوري، كما انبثق عن المؤتمر المشترك بينهما، عن وجود خطة ترحيل مدتها ثلاثة أعوام، وقد رحب الشرع بها، لكن سياسيين وحقوقيين ومتخصصين وأكاديميين سوريين وغربيين يرون هذه التصريحات عاطفية للغاية ولا يمكن تطبيقها فعلياً، لأن التصريحات السياسية والدبلوماسية والانتخابية شيء، والبيروقراطية الألمانية والمحاكم الإدارية ودوائر الهجرة الاتحادية شيء آخر.
في هذا السياق يقول أستاذ العلاقات الدولية جورج كميل، إن “المسار معقد جداً لأن الترحيل لا يكون عبثياً، إنما ينظر في الملفات بشكل فردي، ثم يتاح للشخص الطعن في القرار أمام الدوائر المختصة ضمن مهلة محددة، وهناك قضايا عالقة في المحاكم لجنسيات أخرى منذ أكثر من 10 سنوات، فالبيروقراطية الألمانية قاتلة، والمندمجون هناك يمكن أن يحصلوا على إقامة ثانية، أو تضمينهم ضمن برنامج حماية ثانوية جديد، المحاكم الإدارية لن تتحمل النظر في ذلك الكم الكبير إذا ما تم اعتماد إلغاء الإقامات بشكل جماعي، وهو أمر مستبعد الحصول، وتعلم اللغة والعمل والدراسة تشكلن حماية مثالية للبقاء، مع الاستناد إلى المادة 10 من قانون الإقامة الألماني، والمادة 16 ج للتدريب المهني، والمواد الخاصة المتعلقة بالعمل والتدريب، لذا يتضح أن أقرب مسار للترحيل القسري هو ما يرتبط بالأشخاص الخطرين والمجرمين أو الذين لم يحصلوا على أي نظام حماية فعلي، وعموماً هناك طرق قانونية متعددة للنظر باستمرار الإقامة ولكنها تحتاج متابعة شخصية مع متخصصي هجرة وحقوقيين وقانونيين ألمانيين، وبالمحصلة لا يمكن إغراق سوريا بالعودة القسرية لأنها ستكون كفيلة بإحداث أزمات لا متناهية على صعيد الدولة المستضيفة والدولة الأم”.