
الروائي الأردني مؤنس الرزاز (رابطة الكتّاب)
ملخص
الاستذكار الذي جرى في العاصمة الأردنية عمّان، للكاتب والروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز، يكتسي مسحة من الوفاء الممزوج بالحنين إلى واحد من أهم علامات الأدب في الأردن، وينظر إليه كقامة كبيرة تغذت من ينابيع كثيرة ومثيرة، ورحلت في أوج عطائها، بعد عارض مرضي سريع، عن عمر 51 عاماً.
الذين أيقظوا مؤنس الرزاز من سباته الطويل كانوا يشهرون كتاب “هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز”، وصدر بجهد جماعي من أصدقائه لجمع مقالات كان كتبها مؤنس في صحيفتي “الدستور” و”الرأي” الأردنيتين، ويعتزم بعضهم استكمال المهمة بإصدار كل ما كتبه الرزاز من مقالات في منصات عدة، وإشهاره في ذكرى رحيله في 8 فبراير (شباط) المقبل.
قيل كثير من التقريض لـ”مشروع” مؤنس الرزاز في كتابة المقالة اليومية التي كانت تأتي غالباً في إهاب ساخر يغلبه التشاؤم والنبرة التهكمية التي كان يستمدها من رواياته ويرفدها بها. بيْد أنّ الرزاز لم يطرح نفسه في يوم من الأيام كاتب مقالة يزاحم بها أقرانه، ولم يصرّح في أي مناسبة بشيء ذي بال عن مشروعه “المقالي”. فقد كان جل همه منصباً على الرواية، حتى إنه استقال من رئاسة رابطة الكتاب الأردنيين، ومن عمل حزبي كان منخرطاً فيه (الحزب الديمقراطي العربي الأردني)، من أجل أن يعتزل الناس، ويؤوي إلى سردياته. وهنا يكمن المشروع الحقيقي لمؤنس الرزاز، شقيق رئيس الوزراء السابق عمر الرزاز، ونجل لمعة بسيسو، ابنة عم الشاعر الفلسطيني معين بسيسو.
تفكير مؤنس الرزاز
المتحدثون في الندوة، التي أدارها عطا الله الطراونة (عمر الرزاز، فخري صالح، محمد خروب، يحيى القيسي، محمود منير) الذين حاولوا فك شيفرة تفكير مؤنس الرزاز، في احتفالية إشهار الكتاب الذي رعته مؤسسة عبد الحميد شومان، أخلصوا، بلا ريب، لأثر مؤنس، لكنه أثر مؤقت عابر، فكل مقالة تنسخ ما قبلها، في متوالية قد تحيل الكتابة إلى مهنة تؤمّن راتباً شهرياً أكثر من كونها حرفة إبداعية. وهذا ما لم يزعمه مؤنس الذي كان يعتبر المقالة اليومية تمريناً للكتابة الروائية، وحافزاً على التقصي ومتابعة الأخبار وملاحقة الأحداث، طمعاً في صيد يؤسس للبنية السردية التي استفادت من الكتابة الصحافية، فيما لم تستفد الأخيرة من الرواية إلا في مناخات أسلوب التعبير واللغة والأجواء الفجائعية.
مقالات الرزاز كانت متبرمة وساخطة وحالمة لا تتورط في التحليل المباشر في خلفيات الوقائع، بل تعلق عليها من زاوية ميزت هذا الكاتب ذا العبارة الرشيقة، لكنها لم تصنفه في إطار الكتّاب الساخرين، كما هو حال محمد طُمّليه، الكاتب الأشهر الذي أسس نمطاً خاصاً في الكتابة التهكمية، اللاذعة، المكثفة، المكتنزة بالهذيان، وبالأنفاس الأدبية والشعرية.
“الشظايا والفسيفساء”
إذا رمى شخص أو جماعة إلى تبّين كيف كان يفكر مؤنس الرزاز، فإنّ مضمار البحث ليس المقالة السائرة المنفعلة بلحظة شاردة، وإنما الرواية التي اتسعت لبوح بلا ضفاف نزف في متونه مؤنس إلى حد “الشظايا والفسيفساء”. وهذا عنوان إحدى رواياته، ضمن مشروعه الطموح والغزير، الذي بدأ بـ”أحياء في البحر الميت” (1982)، وانتهى بـ”ليلة عسل”، (2000). لكنّ تتويجها الأبرز تمثّل في عمله الملحمي “متاهة الأعراب في ناطحات السراب” (1986)، ليبدأ بعدها سلسلة “حفريات روائية” تجسدت في ثيمات مشتركة قاربت انهيار المباني النفسية وتمزق الذات، كمعادل موضوعي لإنهيار الكيانات والأطر السياسية في المدى العربي الذي تجلى لمؤنس الرزاز بوصفه ملهاة لا تتوقف. وذات مرة سألته في حوار صحافي عن مصادر الفانتازيا في أدبه، فأجابني ضاحكاً فيما كانت لحيته الكثيفة تهتز: “انظرْ إلى ما حولك، وصوّره كما هو، وانقله حرفياً، وستحظى بفانتازيا لا مثيل لها”!
ولو شاء باحث أن يدرس ميراث مؤنس، تنقيباً عن الكيفية التي كان يفكر فيها، فميدانه الرواية، وليس المقالة، ولا القصة القصيرة التي توقف عن كتابتها منذ “النمرود” التي صدرت عام 1980. في الرواية جسد الرزاز عنوان كتابه الأول “مد اللسان الصغير في مواجهة العالم الكبير” وكان بمثابة “خواطر” صدرت في بيروت عام 1973، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، التي تولت، فيما بعد، نشر كتبه جُلّها.
حياة لم تعرف الاستقرار
الميدان الفسيح الذي وفره السرد لمؤنس جعله يصهر في أتونه حياة شخصية وأسرية مليئة بالتوترات والقفزات والانتقالات في التاريخ والجغرافيا. حياة لم تعرف الاستقرار في الدراسة التي بدأها في جامعة أكسفورد، ثم في جامعة جورج تاون، من دون أن يكمل حلمه بدراسة الفلسفة، ليعود إلى بيروت في أثناء الحرب الأهلية. وفي غضون ذلك كان يكتب في “السفير” و”النهار” وكان ينشر الأدب والسياسة، لكنه لم يركن إلى حال.
ولو عطفنا ما تقدم على ما جرى لوالده منيف الرزاز، الذي أنتخب أميناً عاماً لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1965، ثم اعتقل، أيام حكم صدام حسين، وتوفي وهو قيد الإقامة الجبرية في بغداد عام 1984.. لألفينا خيبة الابن (مؤنس) الذي تشرّب مرارة مؤامرات السياسة، وخبِر أروقة مجتمعات الأحزاب التي وعدت الناس بالوحدة والحرية والاشتراكية، وانكسر حلمه بـ “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”.
الرواية، وليست المقالة، هي التي اختمرت في تربتها هذه الكابوسية التي لم يحتمل مؤنس الرزاز قساوتها، فخذلته قواه النفسية، فدخل في دوامة اكتئاب جعلته يعتزل الناس ويخلو إلى قلمه. وفي تلك الفترة، التي تفجرت منتصف تسعينيات القرن الماضي، أنجز مؤنس ما يمكن وصفه مرحلة السرد الهذياني الذي كان من ثمراته “مذكرات ديناصور” (1994) و”الشظايا والفسيفساء” 1994 و”سلطان النوم وزرقاء اليمامة” (1996) و”عصابة الوردة الدامية” (1997) و”حين تستيقظ الأحلام” (1997)، ثم “ليلة عسل” (2000).
“عصابة الوردة الدامية”
يقول مقطع من رواية “عصابة الوردة الدامية”: “سأظل هنا، بلا حركة ولا خطوات، إلى أن يأتي الموت لي، فلا أسعى طائعاً مذعناً إليه. أشبك ساقاً على ساق وأنتظره، دون احترام ولا لياقة ولا مجاملة ولا لباقة. حين يصل سأظل هنا في زنزانتي الممتدة من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي. سيجدني راقداً، ويدي تحت رأسي. لن أقف احتراماً وإجلالاً، الذين يقفون احتراماً وإجلالاً منافقون يرغبون في مساومته على بضعة أيام أو ساعات زيادة عن الموعد المحتوم. أما أنا فأنتظره قبل الموعد المحتوم”.
هذه الفترة لم تدرس على النحو الذي تستحقه، وخلت الأبحاث ومشاريع الدراسات العليا في الجامعات الأردنية، أو كادت، من أطروحات (في الماجستير والدكتوراة) تتناول هذه التجربة التي تعد الألمع ليس أردنياً، بل على المستوى العربي، وتنتسب بقرابة في المفاهيم والرؤى إلى عوالم كافكا، وفيرجينيا وولف. ويمكن أن نضيف إليهما تجربة الفيلسوف الألماني نيتشه الذي أنجز خلال فترة اضطرابه ورفضه الخضوع للحركية الاجتماعية المقيتة والزائفة، أهم أعماله “هكذا تكلّم زرادشت” عام 1883، وقد أنجزه خلال السنوات الـ9 التي وصفت بـ”سنوات التشرد”.