دخل مجلس الشعب السوري مرحلة أكثر دلالة بعد إقرار نظامه الداخلي في 30 تموز، فالمعضلة التي رافقت تأسيسه في 12 من الشهر نفسه حول تركيبته وطريقة اختيار أعضائه بدأ ينتقل إلى مستوى آخر يتعلق بما يستطيع المجلس فعله، خصوصا أن الإعلان الدستوري منحه سلطة اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل التشريعات السابقة والمصادقة على المعاهدات وإقرار الموازنة وعقد جلسات استماع للوزراء، في حين ستكشف الممارسة خلال الأشهر المقبلة مقدار المسافة التي يستطيع المجلس بناءها عن الجهاز التنفيذي وقدرته على استخدام هذه الصلاحيات بصورة مستقلة.
من التأسيس إلى اختبار الوظيفة
تألف المجلس عند انعقاده الأول من 207 أعضاء من أصل 210، بينهم 137 وصلوا عبر عملية انتخاب غير مباشرة و70 جرى تعيينهم ضمن الثلث الذي يتيحه الإعلان الدستوري لرئيس الجمهورية، وتعطي هذه التركيبة أهمية إضافية للطريقة التي ستتكون بها التكتلات داخل المجلس لأن غياب الانتخاب العام المباشر يجعل استقلال العضو مرتبطًا بدرجة كبيرة بسلوكه السياسي بعد دخوله المجلس وبقدرته على بناء تحالفات حول القوانين والرقابة أكثر من ارتباطه بتفويض انتخابي تقليدي صادر مباشرة عن الناخبين.
وتفيد دراسات المؤسسات السياسية بأن استقلال البرلمان لا تحدده النصوص وحدها وإنما يتكون من ثلاثة عناصر مترابطة هي استقلال العضو في التصويت وامتلاك المجلس أدوات للوصول إلى المعلومات والقدرة على إلزام السلطة التنفيذية بالحضور والتفسير، لذلك يمكن لمؤسسة تشريعية أن تمتلك صلاحيات واسعة مكتوبة وتبقى ضعيفة إذا اقتصرت علاقتها بالحكومة على استقبال مشاريع القوانين والمصادقة عليها، كما يمكن لمجلس ذي صلاحيات محدودة نسبيًا أن يوسع حضوره من خلال اللجان والأسئلة البرلمانية والميزانية والتعديل المتكرر للمشروعات الحكومية.
في حين أقر المجلس نظامه الداخلي المؤلف من 231 مادة بعد خمسة أيام من المناقشات والتصويت على المواد بصورة منفصلة قبل اعتماد النص كاملًا، وتناولت المداولات تنظيم الجلسات وآليات التصويت وعمل اللجان الدائمة والمؤقتة ومناقشة مشروعات القوانين، كما تحدث أعضاء خلال مرحلة إعداد النظام عن تشكيل ما بين 20 و23 لجنة متخصصة، وهو ما يمنح العمل البرلماني أدوات يمكن أن تصبح أكثر أهمية من الجلسات العامة نفسها إذا تحولت اللجان إلى مراكز حقيقية لفحص التشريعات واستدعاء المسؤولين ومراجعة الإنفاق.
مركزية القرار تضيق هامش الرقابة البرلمانية
ويرى الكاتب والباحث السياسي درويش خليفة، خلال حديثه لموقع “تلفزيون سوريا” أن المؤشرات الصادرة عن رئاسة مجلس الشعب ولجنة صياغة نظامه الداخلي تعطي وزنًا أكبر للوظيفة التشريعية مقارنة بالدور الرقابي على الحكومة والوزراء، ويعتبر أن هذا الاختلال يرتبط بطبيعة البيئة السياسية التي يعمل فيها المجلس وبمركزية القرار في دمشق، حيث ما تزال المؤسسات الجديدة تتشكل ضمن مجال محدود للاستقلال السياسي وتحت تأثير واضح لمركز الرئاسة والوزارات السيادية.
ويضيف خليفة أن تركيبة المجلس الحالية تجعل تشكل كتلة معارضة أو تكتل قادر على تعطيل بعض المقترحات أو تعديلها بصورة جوهرية أمرًا صعبًا، وهو ما يضعف وظيفة البرلمان كأداة لتصحيح السياسات ومراجعة القرارات التنفيذية. ويرى أن المشكلة تتجاوز المجلس نفسه إلى طبيعة المرحلة السياسية في سوريا، مع استمرار الالتباس في تطبيق الإعلان الدستوري وتراجع المساحات المتاحة للتوازن بين المؤسسات، الأمر الذي يعزز نمطًا مركزيًا في إدارة القرار ويترك الدور البرلماني أقرب إلى المساندة والتشريع منه إلى الرقابة والمساءلة.
ويعتبر خليفة أن هذا المسار يكتسب حساسية إضافية مع اتساع حالة عدم اليقين السياسي وتراجع الثقة الشعبية، لأن المؤسسات الانتقالية تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقلال والقدرة على مراجعة الأداء حتى تكتسب وزنًا سياسيًا يتجاوز وظيفتها الشكلية، في حين يؤدي استمرار مركزية القرار وضعف التعدد داخل مجلس الشعب إلى تقليص قدرته على لعب هذا الدور خلال المرحلة المقبلة.
رقابة محدودة بالنص ومفتوحة بالممارسة
يمنح الإعلان الدستوري المجلس صلاحية عقد جلسات استماع للوزراء لكنه لا يتضمن الأدوات الرقابية الأوسع التي عرفتها دساتير أخرى مثل حجب الثقة عن الوزير أو الحكومة، وهو فارق يؤثر في طبيعة العلاقة المؤسسية لأن جلسة الاستماع تستطيع كشف المعلومات وإحراج المقصر وإدخال قضية إلى المجال العام لكنها لا تمنح المجلس في حد ذاتها وسيلة مباشرة لإنهاء مسؤولية وزير.
وفي 19 تموز بحث رئيس المجلس مع الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش التعاون في مكافحة الفساد وتطوير العمل الرقابي، وهي خطوة تعطي مؤشرًا أوليًا على اهتمام المجلس بهذا الملف لكنها لا تقدم حتى الآن نموذجًا مكتملًا للرقابة البرلمانية، لأن الوظيفة الرقابية تحتاج في النهاية إلى أدوات مستقلة داخل المجلس نفسه تسمح للنواب بطلب البيانات ومراجعة العقود والإنفاق ومساءلة الوزارات وفق إجراءات واضحة ومعلنة.
في سياق آخر، تضع تركيبة المجلس مسألة الاستقلال أمام اختبار سياسي إضافي يتعلق بأثر الثلث المعيّن على تشكيل الأكثريات، فوجود سبعين عضوًا جرى اختيارهم مباشرة من الرئاسة لا يعني تلقائيًا وحدة مواقفهم في كل ملف كما أن بقية الأعضاء لا يشكلون كتلة سياسية متجانسة، ولذلك ستكون إحدى العلامات المهمة خلال الفترة المقبلة معرفة ما إذا كانت ستنشأ تكتلات تقوم على المصالح الاقتصادية أو المناطق أو الاتجاهات القانونية والسياسية وما إذا كان التصويت سيكشف اختلافات حقيقية حول الموازنة والعقود والقوانين الحساسة.
وتقدم نظرية الفصل بين السلطات تفسيرًا مناسبًا لهذه المرحلة لأنها لا تنظر إلى الاستقلال على أنه قطيعة بين المؤسسات وإنما قدرة كل مؤسسة على إنتاج قرارها ومراجعة قرارات المؤسسات الأخرى ضمن قواعد واضحة، ومن هذا المنطلق لا يحتاج المجلس إلى الدخول في مواجهة مع الحكومة كي يثبت حضوره وإنما إلى إظهار أن مشروعات القوانين والموازنات والاتفاقات تستطيع الدخول إليه بصيغة والخروج بصيغة مختلفة بعد النقاش والتعديل.
وحول ذلك يرى عاصم خليل، الخبير الحقوقي والمختص في القانون الدستوري، خلال حديثه لموقع “تلفزيون سوريا” أن المرحلة الحالية تضع مجلس الشعب أمام اختبار يتعلق بقدرته على بناء ممارسة تشريعية مستقلة بعد استكمال قواعد العمل الداخلية وتشكيل لجانه. ويوضح أن أهمية المجلس ستتحدد من خلال الملفات التي يختار فتحها، وطريقة إعداد مشروعات القوانين، وحجم التعديلات التي تقترحها اللجان، ومدى قدرة الأعضاء على فرض أولويات تشريعية تنبع من احتياجات المجتمع والاقتصاد والإدارة العامة.
ويضيف خليل أن طبيعة التصويت خلال المرحلة المقبلة ستكون مؤشرًا مهمًا على مستوى التعدد داخل المجلس، خاصة عند مناقشة الموازنة والعقود والاتفاقات والقوانين التي تمس السياسة الاقتصادية والإدارة المحلية. ويرى أن تشكل تكتلات مرنة حول القضايا المختلفة يمكن أن يمنح المجلس وزنًا أكبر في صناعة القرار، في حين تتوقف قوة الرقابة على قدرة اللجان والأعضاء على الوصول إلى المعلومات ومتابعة تنفيذ القوانين ومراجعة أداء المؤسسات التنفيذية بصورة منتظمة.
