للوهلة الأولى، قد يبدو ألّا رابط بين محاكمة عاطف نجيب وعدد من أبرز رموز النظام السوري السابق (في مقدّمتهم بشّار وماهر الأسد)، ومقتل الشاب محمّد غميرة بعد احتجازه في مركزٍ أمني بمحافظة اللاذقية. تتعلّق الأولى بمحاسبة مسؤولين عن جرائم كبرى ارتُكبت في ظلّ نظام سقط، والثانية تتعلّق بانتهاكٍ وقع في ظلّ نظام يحاول أن يُولد، لكنّ الحدثَيْن يطرحان، في الحقيقة، السؤال نفسه: أيّ دولة يريد السوريون أن يبنوها بعد 15 عاماً من الثورة والحرب والمعاناة؟
لا تكمن أهمّية محاكمات رموز النظام السابق في العقوبات التي تصدر بحقّهم فحسب، وهي مستحقّة بما اقترفت أيديهم، بل في تأسيس مبدأ طال غيابه عن سورية، أنّ مَن يمارس السلطة يمكن أن يُحاسب على الطريقة التي يستخدمها بها. ومن هنا تكتسب محاكمة عاطف نجيب ومسؤولين آخرين وشركائهم، رمزية خاصّة، نظراً إلى ارتباط اسمه بالأحداث التي فجّرت الثورة في درعا عام 2011، لكنّ العدالة لا تصبح أساساً للدولة الجديدة بمجرّد محاكمة رجالات الدولة القديمة. اختبارها الأصعب يبدأ عندما يكون المتّهم بالانتهاك مسؤولاً في الدولة الجديدة، ولهذا كانت قضية محمّد غميرة بالغة الخطورة. فموته بعد أيّام من احتجازه، والاتهامات بتعرّضه للضرب، أعادت إلى السوريين ذاكرة كانوا يعتقدون، أو يرغبون في الاعتقاد، أنّهم تخلصوا منها بسقوط الأسد ونظامه: أن يدخل مواطن إلى مركز أمني ثمّ يصبح مصيره مرتبطاً بإرادة مَن يحتجزه، لا بحكم القانون. توقيف السلطات سبعة من عناصر وزارة الداخلية للتحقيق بشأن جريمة قتل محمّد غميرة، خطوة ضرورية، لكنّها لن تكون كافية إذا لم تتحوّل القضية إلى مناسبة لإعادة تعريف علاقة المواطن بأجهزة الدولة، فالفرق الحقيقي بين الدولتين، القديمة والجديدة، لا يظهر عندما تحاكم الأخيرة رجال الأولى، بل عندما تحاكم رجالها هي. وهذه هي المسألة الأكثر إلحاحاً في سورية اليوم.
سقط نظام الأسد، لكنّ سقوطه لا يعني بالضرورة أنّه أخذ معه الثقافة السياسية والأمنية التي أنتجها، فالأنظمة لا تعيش في القصور وحدها، بل في المؤسّسات والممارسات والعلاقات بين الدولة والمواطن. فالنظام قد يرحل وتبقى الدولة الأمنية، إذا ظلّ رجل الأمن يعتقد أنّه فوق القانون، وظلّ المسؤول يعتقد أنّ منصبه يحميه من المساءلة، وظلّ المواطن يخشى المؤسّسة التي يُفترَض أنّها موجودة لحمايته، لذلك لا يبدأ بناء سورية الجديدة من كتابة دستور جديد بقدر ما يبدأ بالإيمان بأنّ “لا أحد فوق القانون”. تنطبق هذه القاعدة أوّلاً في التعامل مع إرث النظام السابق. فبعد 15 عاماً من القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، من الطبيعي أن يطالب ملايين السوريين بالعدالة، إذ لا يمكن بناء سلم أهلي مستدام عبر تجاهل الجرائم أو مطالبة الضحايا بالنسيان، لكنّ هناك فرقاً جوهرياً بين العدالة والانتقام. العدالة فردية، أمّا الانتقام فجماعي. يجب أن يُحاسب من أمر بالقتل، ومن مارس التعذيب، ومن شارك في الجرائم، وفق محاكمات عادلة وشفّافة تتوافر فيها حقوق الدفاع والإجراءات القانونية السليمة. وهذا مهمٌّ، لا دفاعاً عن المتهمين، بل دفاعاً عن روح الدولة الجديدة نفسها.
وقد أثارت المحاكمات، أخيراً، انتقادات حقوقية تتعلّق بسرعة إجراءاتها وبحقوق الدفاع، وهذا الأمر متّصل بجعل صحّة المحاكمة جزءاً من العدالة، لا تفصيلاً ثانوياً فيها. وفي المقابل، لا يجوز تحويل الانتماء الطائفي إلى قرينة اتهام. وهذا ينطبق بصورة خاصّة على العلويين. فقد ارتبط النظام السابق، بفعل سياساته وبنيته الأمنية، بقطاعات من الطائفة العلوية، لكن لا يجوز أن يورّث الطائفة مسؤولية جرائمه. والخلط بين النظام والطائفة ليس ظلماً لملايين السوريين فقط، بل وصفة مؤكّدة لإنتاج صراع أهلي جديد. بعد محاسبة رؤوس النظام والمتورّطين في الجرائم، ينبغي أن تبدأ عملية واسعة لإدماج العلويين في الدولة الجديدة، لا بوصفهم جماعة تحتاج إلى حماية خاصّة، بل مواطنين لهم الحقوق نفسها وعليهم الواجبات نفسها. الهدف هنا لا يجب أن يكون طمأنة العلويين، فهم بوصفهم مواطنين سوريين لا ينبغي أن يحتاجوا إلى طمأنة من أحد، بل الهدف هو تحرير الدولة السورية نفسها من الطائفية التي استخدمها النظام السابق أداة للحكم.
ينطبق الأمر نفسه، بصيغة مختلفة، على السويداء. لقد أصبحت أزمة المحافظة، في المرحلة الماضية، من أكثر الملفّات تعقيداً وقابلية للتدويل والاستثمار الخارجي. وكلّما طال أمدها ازدادت صعوبة حلّها، وترسّخت المصالح المحلّية والخارجية المرتبطة باستمرارها، لكنّ الدولة السورية لا ينبغي أن تفكّر في استعادة السويداء عبر إخضاعها، وإنّما عبر إعادة دمجها في النسيج الوطني السوري، وهذا يستدعي الانتقال من التفكير بمنطق السيطرة إلى التفكير بمنطق التسوية التي تشمل اختيار شخصيات تحظى بثقة المجتمع المحلّي لإدارة شؤون المحافظة، وإعادة بناء المؤسّسات الأمنية والإدارية بمشاركة أبنائها، وضمان وحدة الدولة وسيادتها، مع منح السلطات المحلّية مساحة أوسع لإدارة شؤونها اليومية، هنا تماماً قد تكون اللامركزية الإدارية إحدى أهمّ وسائل منع التقسيم، لأنّها تقلّل الحاجة إلى تحويل كلّ خلاف محلّي إلى صراع مع دمشق. ومن هنا ينبغي أن تصبح الإدارة المحلّية أحد أعمدة إعادة بناء الدولة السورية.
كانت المركزية الشديدة إحدى أدوات النظام السابق في ضبط المجتمعات المحلّية، فالمحافظ والبلدية والمدرسة والمشفى والمؤسّسات العامّة وغيرها كانت، بدرجات مختلفة، مرتبطة بسلسلة طويلة تنتهي في دمشق. هذا لم يؤدِّ إلى دولة أقوى، بل إلى دولة مثقلة بالبيروقراطية والفساد، وعاجزة عن الاستجابة لحاجات مجتمعاتها المحلّية، التي ظلّت مشكلاتها تتفاقم حتّى انفجرت في وجه المركز. سورية تحتاج اليوم إلى قلب هذه المعادلة. يجب أن تبقى السياسة الخارجية والدفاع والسياسة النقدية والقضايا السيادية كلّها بيد الحكومة المركزية، لكن لماذا ينبغي على دمشق أن تقرّر تفاصيل الخدمات والتنمية والنقل والتخطيط العمراني في السويداء أو اللاذقية أو دير الزور؟ كلّما اقترب القرار من المواطن، ازدادت قدرته على المشاركة في صنع مستقبله، وازدادت إمكانية مراقبة المسؤول ومحاسبته. وهنا لا تصبح اللامركزية مجرّد صيغة إدارية، بل أداة لبناء الديمقراطية من الأسفل، وإعادة الثقة بين السوريين والدولة.
تحتاج إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى أكثر من إصلاح الإدارة المحلّية. هناك فراغ سياسي خطير في سورية اليوم، فبعد انهيار دولة البعث، لم تنشأ حياة حزبية منظّمة تستطيع تحويل المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى برامج وطنية واضحة. وهذا التأخير له ثمن. فالمرء يحتاج إلى إطار يعرّف من خلاله مصالحه السياسية وتوجّهاته الفكرية، وإذا لم يجد حزباً أو نقابة أو منظّمة مدنية، سيعود إلى الأطر المتاحة أمامه: الطائفة والعشيرة والمنطقة والإثنية، وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات المرحلة الانتقالية. فالجميع يطالب السوريين بالتوقّف عن التفكير طائفياً، لكنّ الدولة لم توفّر لهم حتّى الآن مؤسّسات سياسية تساعدهم في تعريف أنفسهم بطريقة أخرى. وعليه، يجب أن تكون أبرز الأولويات أمام المجلس التشريعي هي إصدار قانون جديد للأحزاب، بما يسمح بتأسيس أحزاب وطنية على أساس البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمنع في الوقت نفسه التنظيمات والأحزاب التي تقوم على الانتماء أو الإقصاء الطائفي أو العرقي. عندها يمكن للسوري أن يعرّف نفسه محافظاً أو ليبرالياً أو اشتراكياً، وأن يختلف مع مواطن آخر حول الضرائب أو دور الدولة في الاقتصاد أو السياسة الخارجية، بدل أن يُختزل في أنّه سُنّي أو علوي، درزي أو كردي. فالطائفية لا تُهزم بالمواعظ بل بالسياسة. وهنا نصل إلى القضية المركزية: المواطنة.
بعد 15 عاماً من الثورة والحرب، لا تحتاج سورية إلى استبدال جماعة حاكمة بأخرى، ولا إلى إعادة توزيع النفوذ بين الطوائف، بل إلى تغيير القاعدة التي تقوم عليها الدولة. المواطنة يجب أن تصبح هذه القاعدة. ومعنى المواطنة ليس إنكار الهُويّات الدينية والإثنية والمناطقية للسوريين. هذه الهويات موجودة وستبقى، لكنّ المطلوب هو ألّا تحدّد هذه الهُويّات علاقة الفرد بالدولة، وألا تمنحه امتيازاً أو تحرمه من حقّ. وهذا يعني أنّ العلوي لا يحتاج إلى زعيم علوي كي يحميه، والدرزي لا يحتاج إلى دولة أجنبية كي تضمن أمنه، والكردي لا يحتاج إلى قوّة مسلّحة خاصّة كي يحصل على حقوقه، والسُّنّي لا يكتسب حقّاً إضافياً لأنّه ينتمي إلى الأكثرية. يحتاج الجميع إلى الشيء نفسه: دولة يخاف فيها المسؤول من القانون أكثر ممّا يخاف المواطن من المسؤول.
هناك ميل مفهوم لدى الحكومات التي تخرج من الحروب إلى تأجيل السياسة بحجّة أنّ الأولوية للأمن وإعادة الإعمار، لكنّ التجربة السورية نفسها ينبغي أن تكون كافية للتحذير من هذا المنطق، فالاستقرار لا ينتج من غياب السياسة، بل من تنظيمها. وإذا لم تُفتح القنوات القانونية للتعبير عن المصالح والاختلافات، فستبحث هذه المصالح عن قنوات أخرى، قد تكون الطائفة أو السلاح أو التدخّل الخارجي من بينها، لهذا ينبغي النظر إلى محاكمات الأسبوع الماضي، وقضية محمّد غميرة، وأزمة السويداء، ومخاوف العلويين، وقانون الأحزاب، والإدارة المحلّية، لا بوصفها ملفّات منفصلة، بل أجزاء من سؤال واحد: ما الدولة التي يريد السوريون بناءها؟ لقد حصل السوريون، بعد كلفة تكاد تستعصي على الوصف، على فرصة نادرة لإعادة تأسيس دولتهم، لكنّ هذه الفرصة يمكن أن تضيع في الانتقام، وإعادة إنتاج المركزية، وتقسيم المواطنين إلى جماعات طائفية تبحث كلّ واحدة منها عن حماية خارجية. ويمكن أن تتحوّل إلى بداية مختلفة تقوم على الحقّ والعدالة والقانون، يُحاسب من خلالها المجرم على جرائمه من دون المسّ بالطائفة أو الجماعة التي ينتمي إليها عملاً بنصّ القرآن الكريم “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”؛ وإدارة محلّية تمنح الناس القدرة على تدبير شؤونهم بأنفسهم من دون تفكيك الدولة؛ وأحزاب تنقل الصراع من الطوائف إلى البرامج؛ وأجهزة أمن تعرف أنّ المواطن صاحب حقّ لا موضوعاً للسيطرة. عندها فقط يمكن القول إنّ تضحيات 15 عاماً بدأت تُؤتي ثمارها. فانتصار الثورة الحقيقي لا يكون فقط عندما يوضع رجال النظام القديم في قفص الاتهام، بل عندما يصبح مستحيلاً على رجال النظام الجديد أن يفعلوا ما كان يفعله أولئك من دون أن يجدوا أنفسهم في القفص نفسه. الدولة الجديدة لا يصنعها انتصار المنتصرين، بل القانون الذي يسري عليهم كما يسري على المهزومين.