ملخص
يحذر فرانسيس توسا من أن بريطانيا باتت الحلقة الأضعف دفاعياً في أوروبا، مع تنامي التهديدات الروسية والإيرانية واستمرار ضعف الاستثمار في الدفاعات الجوية والصاروخية. ويرى أن أي هجوم بمسيرات منخفضة الكلفة قد يكشف عن هشاشة الحماية البريطانية ويحول سيناريوهات الأمس إلى واقع.
كلما تعمق الدعم البريطاني لأوكرانيا، “ارتفع الثمن الذي ستدفعه المملكة المتحدة”، بهذه الكلمات علقت السفارة الروسية على تقارير أفادت بأن القوات الأوكرانية استخدمت في الحرب المستمرة طائرات مسيرة قامت بريطانيا بتصنيعها.
يُحسب لرئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام تأكيده أن لندن ستواصل تقديم دعم كامل لكييف في أعقاب هذه التهديدات الصادرة عن الزعيم الروسي فلاديمير بوتين. لكن إذا ما قرر الكرملين يوماً تنفيذ مثل هذا التهديد، فقد لا تكون الأمور بهذا المقدار من الإيجابية.
لنتخيل أنه قبيل بزوغ الفجر بقليل، تقوم سفينة شحن تابعة لـ”أسطول الظل” الروسي، أعيد تسجيلها تحت علم آخر، أثناء عبورها “بحر الشمال”، بإطلاق 12 طائرة مسيرة من طراز “شاهد” في اتجاه لندن. ونظراً إلى عدم وجود رادار دفاع جوي بريطاني موجه في هذا الاتجاه، فإن أول إخطار بالهجوم يأتي من رادار هولندي. لكن حتى مع السرعة المنخفضة نسبياً لمحلقات “شاهد” (البالغة 175 كيلومتراً في الساعة) تعجز مقاتلات “تايفون” – التابعة لـ”سلاح الجو الملكي” البريطاني والمخصصة لعمليات الاستجابة السريعة – في قاعدة كونيغسبي في مقاطعة لينكولنشير، عن اعتراض المسيرات قبل أن تصيب مجموعة من الأهداف، من بينها محطة “ليفربول ستريت” في ساعة الذروة الصباحية، وأحد المستشفيات، وبعض منشآت الكهرباء.
قد تصل حصيلة الضحايا في المحطة إلى العشرات، وبذلك قد تكون 12 طائرة مسيرة، لا تتجاوز كلفة الواحدة منها 50 ألف دولار (37 ألف جنيه استرليني)، قد نجحت في شل الحركة في لندن وإغراق العاصمة البريطانية في حال من الذعر.
هل هذا السيناريو بعيد من الواقعية؟ قبل بضعة أعوام، كان يحق تماماً لمن يسمع كلامي أن يسخر مني. حتى طوم كلانسي عملاق روايات الإثارة التقنية، ربما لم يكن ليتخيل وضعاً كهذا (مع ذلك، يجدر التذكير بأنه كان قد كتب في عام 1994 رواية عن اصطدام طائرة تجارية بمبنى الكونغرس الأميركي، مما يؤدي إلى مقتل رئيس الولايات المتحدة، في حبكة استشرفت هجمات الـ11 من سبتمبر/ أيلول 2001).
في الواقع، يتزايد الاستغراب من الموقف اللامبالي الذي تتخذه المملكة المتحدة إزاء مسألة الدفاع عن نفسها. ولم تكن استقالة جون هيلي وزير الدفاع في حكومة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، سوى أحدث متاعبه، إذ استقال احتجاجاً على ما اعتبره فشلاً في تمويل خطة الاستثمار الدفاعي. لكن رئيس الوزراء الراهن بيرنهام – حتى مع رده الحازم في الآونة الأخيرة على الزعيم الروسي بوتين – رفض الالتزام بزيادة الإنفاق الدفاعي البريطاني إلى ما نسبته ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. علماً أن التزامات سلفه ستارمر نفسه كانت أكبر من ذلك.
هذه ليست مشكلة مرتبطة ببوتين وحده، بل ينبغي النظر إليها أيضاً في سياق التهديدات الجديدة الصادرة عن إيران وسط الصراع المستمر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي ظل تلاشي فرص التوصل إلى اتفاق مرة أخرى. وإذا ما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصعيد الهجمات في المنطقة، فقد يوجه الإيرانيون ضربات على أهداف في أوروبا. وقد أبلغت مصادر مقربة من الحكومة الإيرانية صحيفة “فايننشال تايمز” أن الأهداف المحتملة تشمل قاعدة جوية بريطانية في قبرص، سبق أن استهدفتها طائرة مسيرة في مارس (آذار) الماضي.
ولعل أكثر المؤشرات إثارة للقلق في شأن عدم استعداد بريطانيا دفاعياً جاء على لسان آل كارنز وكيل وزارة الدفاع والضابط السابق في “مشاة البحرية الملكية”، الذي سئل في مطلع فبراير (شباط) الماضي عن موضوع الدفاع عن لندن ضد هجمات بصواريخ باليستية، فقال: “تتمتع المملكة المتحدة بمجموعة من القدرات للتعامل مع تهديد الصواريخ، وهو تهديد يتطور وينتشر ويتقارب. وقد أعلنت بريطانيا استثمار ما يصل إلى مليار جنيه استرليني (مليار و360 مليون دولار) لتعزيز دفاعاتنا الجوية والصاروخية المتكاملة، مع التركيز على الدفاع عن أراضي الوطن. كما أن الردع النووي البريطاني موجود لمنع أشد التهديدات خطورة التي تواجه المملكة المتحدة وحلفاءها. والغرض منه هو الحفاظ على السلام، ومنع الإكراه، وردع العدوان”.
الإيحاء المباشر هنا أنه إذا أطلق صاروخ باتجاه لندن، فإن المملكة المتحدة سترد باستخدام أسلحة نووية. حقاً؟ إن هذا الأمر ليس محسوماً تماماً، فمن غير المرجح أن يؤيد حلفاء بريطانيا في “حلف شمال الأطلسي” هذا النوع من التصعيد، وقد ينظرون بدلاً من ذلك إلى أي هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة على الأراضي البريطانية، ينفذها طرف معاد مجهول، باعتبارها نتيجة مباشرة لنقص الاستثمار في الدفاعات الحيوية داخل البلاد.
أما المبلغ الذي ورد ذكره أعلاه “ما يصل إلى مليار جنيه استرليني”، فهو في الواقع أقل من ذلك، إذ إن الإنفاق موزع على فترة تمتد من ستة إلى سبعة أعوام، ولا يغطي ما هو أكثر من “مجرد” أنظمة الدفاع الجوي. أما الإنفاق الحقيقي، إذا تحقق أصلاً، فمن المقرر أن يأتي في منتصف ثلاثينيات هذا القرن. وإذا كان حلفاؤنا في “الناتو” على حق، فإن أي تهديد لبريطانيا سيظهر خلال العقد الجاري.
وعلى رغم أن الرقم الإجمالي البالغ 62 مليار جنيه استرليني (84 ملياراً و320 مليون دولار) يبدو كبيراً للوهلة الأولى، فإن النتائج تبدو ضعيفة خارج نطاق الردع النووي. والحقيقة القاسية أن بريطانيا أصبحت داخل “حلف شمال الأطلسي” حالة شاذة بصورة متزايدة في ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، وهي عملياً عاجزة عن التصدي لهجمات جوية أو صاروخية أو بطائرات مسيرة. وبينما كان من الممكن أن تبدو هذه الهجمات غير مرجحة قبل خمسة أعوام، فإن السؤال اليوم لم يعد “هل ستحدث؟”، بل “متى تحدث؟”.
الدول الأوروبية الأعضاء في “حلف شمال الأطلسي” تنفق عشرات المليارات سنوياً لضمان تقليل خطر تعرض البنية التحتية الوطنية الحيوية للتدمير نتيجة هجمات بطائرات مسيرة أو عمليات تخريب، لكن هذا الأمر ببساطة لا ينطبق على المملكة المتحدة.
في أواخر العام الماضي، شهدت مطارات أوروبية – ولا سيما منها مطار كوبنهاغن، وقواعد جوية عسكرية في الدنمارك والسويد والنرويج وألمانيا وهولندا عدداً كبيراً من حوادث اختراق المجال الجوي بطائرات مسيرة. وعلى رغم عدم تمكن أحد من تأكيد أنها روسية بما لا يدع مجالاً معقولاً للشك، فقد وجه كثر أصابع الاتهام إلى موسكو.
لم تكن تلك المسيرات مزودة بأسلحة، لكن المحلقة التي ظهرت هذا الشهر كانت كذلك. فقد عثر في مطلع أغسطس (آب) الجاري على مسيرة محملة بمتفجرات قرب طائرة أوكرانية في مطار لايبتزيغ/هاله شرق ألمانيا، مما أدى إلى فتح تحقيق لمكافحة الإرهاب، وأثار مخاوف من هجوم هجين آخر على الأراضي الأوروبية. كما أن هذا النوع من النشاط لم يقتصر على دول القارة الأوروبية.
فقد شهد مطار غاتويك جنوب لندن عدداً من حوادث اختراق المجال الجوي بطائرات مسيرة في الفترة الممتدة ما بين عامي 2019 و2023، تسببت بخسائر وأعطال بلغت كلفتها ملايين الجنيهات. الشرطة حققت مع عدد من المشتبه فيهم، لكنها لم تتمكن في أي قضية من تحديد مشغل تلك المسيرات وإحالته إلى المحاكمة. وبينما شكلت تلك الحوادث خروقات أمنية ظلت مصادرها غير واضحة، رجح بعض المحللين أن تكون ربما عمليات اختبار من جانب جهات معادية، أو نشاطاً مرتبطاً بـ”أسطول الظل”.
في مواجهة هذا النوع من التهديد، ماذا يمكن للمملكة المتحدة أن تفعل؟ في الوقت الراهن، لا شيء تقريباً. فقد جرى تقليص الدفاعات الجوية الأرضية، سواء الصاروخية أو المدفعية، بصورة هائلة. ولم يكن الدفاع الجوي ببساطة، أولوية على مدى أكثر من عقدين. كما أن أعداد صواريخ أرض – جو محدودة بصورة تثير السخرية، ونحن لا نملك مدفعية مضادة للطائرات. لا شك في أن استخدام مدافع تطلق النار على أهداف جوية سيبدو وكأنه عودة إلى مفهوم “الحرب العالمية الثانية” – أي المدافع المضادة للطائرات وغارات “بليتز” (الحملة الألمانية المكثفة لقصف المدن البريطانية) – لكنه، من الناحية العملية، حل فعال جداً من حيث الكلفة في مواجهة هجوم محتمل على الأراضي البريطانية يمكن، نظرياً، أن يكون مدمراً.
في المقابل، تأتي التهديدات الإيرانية المتجددة ضد قبرص في أعقاب الهجوم الذي استهدف القاعدة البريطانية (أكروتيري) في مارس الماضي. وما يجدر التنبه إليه هو أن هجوماً صغيراً بطائرة مسيرة على تلك القاعدة اليوم، قد تكون له فرصة كبيرة لتدمير 10 في المئة أو أكثر من قوة المقاتلات التابعة لـ”سلاح الجو الملكي” البريطاني بضربة واحدة، مما يجعل القاعدة عاجزة عن الدفاع عن نفسها.
هذا الوضع ليس كما هي عليه الحال في معظم أنحاء أوروبا، إذ يجرى استثمار مليارات اليوروهات في تحديث الدفاعات الجوية الأرضية وتوسيعها في مختلف أنحاء القارة. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، وقعت السويد عقوداً تزيد قيمتها على مليار و500 مليون يورو (مليار و300 مليون جنيه استرليني) لشراء أسلحة دفاع جوي وأنظمة رادار لمواجهة تهديدات تتفاوت ما بين الطائرات المسيرة وصواريخ كروز. ولا يمثل هذا سوى جزء من حزمة استثمارات أوسع. وفي ظل تصاعد المخاوف من تجدد العدوان الروسي، يتركز جزء مباشر من هذا الإنفاق على حماية البنية التحتية الوطنية الحيوية والمراكز السكانية.
وفي أواخر العام الماضي، أبرمت ألمانيا عقود إطار لشراء ما يصل إلى 600 منظومة “سكاي رانجر” من المدافع المضادة للطائرات، بقيمة إجمالية قد تصل إلى 8 مليارات يورو (9 مليارات و347 مليون دولار). وستستخدم غالبية هذه الأسلحة للدفاع عن المطارات والقواعد الجوية، إضافة إلى حماية المواقع الصناعية ومنشآت البنية التحتية الرئيسة من مجموعة واسعة من التهديدات الجوية، بدءاً من الطائرات المسيرة وغيرها.
هذه العقود أصبحت الآن أمراً معتاداً في أوروبا، وليست الاستثناء. ويشير استعراض عقود أنظمة الدفاع الجوي عام 2025 إلى إنفاق أكثر من 15 مليار يورو (17 ملياراً و527 مليون دولار) على الدفاعات المضادة للطائرات، مع تركيز على حماية البنية التحتية الوطنية الحيوية، إضافة إلى إبرام مزيد من العقود في عام 2024. أما في المملكة المتحدة، فما إن يطرح سؤال حول ما إذا كان هناك استثمار في مزيد من الأنظمة لحماية البلاد، حتى تنهال مجموعة مقلقة من الإجابات التي لا يمكن وصفها إلا بأنها “أعذار”.
ومن الردود المألوفة على الأسئلة المتعلقة بنقص الاستثمار، انتظار “خطة الاستثمار الدفاعي” Defence Investment Plan (DIP) لمعرفة أين ينبغي إنفاق الأموال المخصصة للدفاع. لكن هذه الخطة تأخرت حتى الآن ثلاثة أشهر في الأقل، ويبدو أنها عالقة داخل وزارة الخزانة، التي تضطر إلى الموازنة بين ما تحتاج بريطانيا لأن تنفقه على الإعانات والمزايا الاجتماعية، والمبلغ المطلوب للدفاع.
يبدو أن ما لم يفهمه الذين يسمون قادتنا، هو أنه لا يوجد “متجر سوبرماركت لصواريخ أرض – جو” يمكن ببساطة دفع عربة التسوق فيه واختيار الصواريخ التي نريدها. حتى لو تم إنفاق الأموال على أفضل وجه، ستكون هناك فترة انتظار تزيد على عامين بين تاريخ طلب صواريخ أرض – جو جديدة وموعد تسلمها.
فارتفاع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي أدى إلى زيادة فترات الانتظار، حتى إن بعض العملاء الأوروبيين الذين تقدموا بطلبات شراء صواريخ “باتريوت” الأميركية أرض – جو، أبلغوا بأن موعد تسلم صواريخهم لا يزال غير معروف، وذلك بسبب الضغط الشديد على خطوط الإنتاج.
كذلك غالباً ما يؤكد المسؤولون المكلفون الحفاظ على أمننا على أن بريطانيا تعتمد على “حلف شمال الأطلسي” ضمن إطار الدفاع الجماعي، مشيرين بانتظام إلى أن حلفاءنا سيعترضون أي صواريخ تتجه نحو المملكة المتحدة.
لكن هل سيتحرك حلفاؤنا على الفور؟ تمتلك معظم أنظمة الدفاع الصاروخي أنظمة حاسوبية ترصد مسار الصاروخ وتحسب المكان الذي يفترض أن يسقط فيه. فإذا كان متوجهاً على سبيل المثال إلى مناطق غير مأهولة أو إلى البحر، فستخلص الحسابات الحاسوبية إلى أنه لا داعي لإهدار صاروخ لاعتراضه.
وهكذا، فإن منظومة “باتريوت” هولندية ترصد صاروخاً باليستياً يمر فوق الأراضي الهولندية في طريقه إلى المملكة المتحدة، قد تخلص عملياً إلى الاستنتاج بأن “لا شيء يدعو إلى القلق – إنه لا يشكل تهديداً لنا”.
وبحسب ما أعلمه يقيناً بعد محادثات عدة أجريت خلال العام الماضي، فإن أي محادثات صريحة لم تجر بين المملكة المتحدة وشركائها في “حلف شمال الأطلسي” في ما يتعلق بدفاع هؤلاء الشركاء عن المجال الجوي البريطاني باستخدام صواريخهم من نوع أرض – جو. بل إن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن بريطانيا لا تبذل مزيداً من الجهود للدفاع عن نفسها.
عندما سُئل رئيس الوزراء بيرنهام مباشرة عن التزامات الإنفاق الدفاعي، أشار إلى أن تغييرات أخرى في السياسات ستفتح الطريق أمام تحقيق الأهداف في مرحلة لاحقة، موجهاً اهتمامه إلى قطاع الرعاية الاجتماعية المتعثر التابع لـ”هيئة الخدمات الصحية الوطنية”، وخططه لمعالجة مشكلة الشباب العاطلين من العمل.
جميعها مهام نبيلة، لكن الحقيقة الصارخة أن نقص الاستثمار البريطاني في الدفاعات الجوية والصاروخية يجعل البلاد أكثر عرضة للخطر باضطراد. وفي وقت تتحرك أوروبا بحزم لحماية بنيتها التحتية الحيوية، تبدو المملكة المتحدة الرجل المكشوف في القارة، مع خيارات محدودة إذا وقع هجوم منسق بطائرات مسيرة أو صواريخ.
وفي غياب تحرك استراتيجي عاجل، قد ينتقل السيناريو الذي كان يبدو ذات يوم غير قابل للتصديق – عشرات الطائرات المسيرة الرخيصة التي تتسبب في شل المملكة المتحدة – من عالم الخيال إلى الواقع. ومع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط وتزايد التوترات في مناطق البلطيق، ولى زمن اللامبالاة.
فرانسيس توسا هو محرر نشرة “ديفانس أناليسيس” Defence Analysis