ملخص
يواصل الكاتب السعودي عبدالله العرفج، الأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع، مسيرته الروائية التي باشرها لأعوام خلت، وجديده رواية “ورق الكافور” (دار نوفل، 2026). تدور وقائع الرواية في البيئة الريفية السعودية، قبيل ظهور النفط، وما تبعه من نهضة عمرانية، وقبل اتساع آفاق الحداثة، في مرحلة طغت فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
حدد الكاتب إطار الرواية الزمني، ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية، أي أربعينيات القرن الـ20، وستينياته، في زمن كان أهل الريف السعودي يعيشون أقسى مراحل حياتهم، إذ تعرضوا للمجاعة والأمراض التي أهلكت أعداداً منهم، ومن كتبت له الحياة، سعى إلى الهجرة، طلباً للرزق والبقاء له ولعياله.
أما الإطار المكاني لهذه الرواية، فحددها الكاتب بين بلدة “بريدة” الواقعة في وسط السعودية، وبين الكويت، وصولاً إلى الهند، ومدينة مومباي، وانتهاء ببلدة بريدة، موطن الشخصية البطل فيها، والمتنقل عبر هذه الأماكن، على ما يبينه السياق.
بل إن تلك الأماكن، على تنوعها، ترسم المسرح المكاني الذي تنقل عبره “سيل” الشخصية الرئيسة في الرواية، في سبيل تحقيق طموحه المتمثل في تأمين حياة كريمة له ولعائلته، وذويه، لدى عودته إليهم مكللاً بالنجاح، وحاصداً الوفرة المالية من عمله الدؤوب في التجارة والأعمال.
موجز الحكاية
تحكي الرواية سيرة شخصية أساس يدعى “سيل”، من بلدة بريدة في منطقة القصيم، وقد اضطرته أحوال عائلته الصغيرة، بعيد زواجه من فتاة تدعى العنود، التي أحبها منذ الصغر، ورزقا بولدين اثنين، إلى السفر للكويت طلباً للرزق والاستزادة منه. وقد رافقه في هذه الرحلة عدد من أصحابه ممن يملكون قدراً من المهارات ليس بكثير. وفيما كان يعمل في بناء بيوت الطين، مع جماعة من رفاقه، خطر له أن يسبح على الشاطئ القريب من موضع عمله، رآه أحد المارة فأعجب بسباحته وطلبه لأن يكون غطاساً، بل صياداً للؤلؤ.
ومن صيد اللؤلؤ الذي خبره وصار فيه نوخذاً، إلى عمله سائقاً لدى أحد التجار الكويتيين، فإلى امتهان التجارة وبيع البضائع بالمفرق، على حسابه، بعد دوام عمله، فإلى السفر للهند بمدينة مومباي، وانفتاح باب التجارة له على أوسع مدى، ونجاحه في تكوين رأسمال كبير بفضل عمل التجارة والأعمال الصناعية التي وفرتها له صداقاته بين العرب المقيمين في المدينة الهندية.
ولما شده الحنين للعودة إلى بلدته، بريدة، واشتاق إلى عائلته وولديه، بعدما حصَّل ثروة تقي ذويه الحاجة، وتعيد الاعتبار لهم وتخلصهم من الارتهان لمن يقرضهم أموالاً بشروط مذلة، وعاد إليها، فشق عليه أن يصادف مروره في القرية مع عرس كانت امرأته (العنود) تزف فيه إلى أبو بشيت، متمول القرية، والدائن الأكبر فيها، ومن ضحاياه عائلة العنود، بل والدها المتأخر عن الوفاء بديونه تجاهه، والسجين إلى حينه. وقد تبين من متن الرواية أن أبا بشيت هذا كان قد لفق موت سيل، مدعياً أنه مات غرقاً في إحدى السفن بخليج الكويت، حيث كان يعمل.
وجعل الأخير (أبو بشيت) يلقن جماعة من المتبطلين والمتسكعين في القرية، أمثال عليان، وسعد بن حمود، ونهاز بن فضل، لإشاعة خبر موت سيل، من أجل أن يقتنص منه امرأته، ويحل بديلاً عن مكانة الفقيد بين عياله وفي بلدته. ولكن سيلاً يعود، وينجح في إثبات وجوده لدى المراجع الرسمية في البلدة، وإن بصعوبة بالغة، ويقتنع بصدق العنود وثبات عهدها له. ويتفق أن واحداً من زمرة البطالين (عليان) يروح يروج في البلدة بأن سيل حي، وقد عاينه لدى زيارته الأولى. ولا تلبث الأمور أن يدفع بعضها بعضاً، وتسوى لمصلحة سيل، فتعود إلى هناءتها المرجوة، آخر المطاف.
الرؤية الاجتماعية والنماذج
لا شك في أن رواية عبدالله العرفج الأخيرة “ورق الكافور” تندرج في إطار الأعمال السردية ذات الاتجاه الاجتماعي، إذ ينظر الكاتب والأكاديمي إلى شخصياته من منظور الطبقة الاجتماعية الفقيرة، التي كانت غالبية الناس المعنيين بالسرد فيها، ولا سيما سكان بريدة. وقد كانت شديدة الارتهان لسيدها الشرير أبو بشيت، ذي الأوصاف التي تنطبق على جماعة الانتهازيين، والبخلاء، والحاضرين لارتكاب الشرور تحقيقاً لمكاسبهم. وفي مقابل هذه النماذج.
يصر الكاتب على رسم صور لشخصيات نموذجية خيرة، تحفظ الجميل وترده في أوانه، وتترفع عن المصالح والماديات، شأن الشيخ عبدالجليل، الذي احتفظ بأمانة لسيل النجدي على مدار أعوام طويلة، وأداها له بكل أريحية. ومثله رجل الأعمال الكويتي الفيلكاوي الذي لم يتوان عن صوغ رسالة، إلى سلطات بريدة، يثبت فيها أن سيل النجدي رجل حي ومعروف من قبله، بصفاته الحسنة.
ويمكن القول كذلك في ما خص النماذج النسائية التي لم تخرج عن نطاق المألوف، من تصوير المرأة المتزوجة (العنود) على وفائها الراسخ لزوجها وحبيبها الأول (سيل) ووالد ابنيها، ودأبها على إحقاق الحق وفضح الباطل، أعني تزويجها من أبو بشيت، رهينة إيفاء أبيها ديونه المستحقة لهذا الدائن ذي الصورة المستكرهة. هذا إلى قدرة على وصف الشخصيات الثانوية وتلك الهامشية، في مسار الأحداث السردي المتدرج والخطي أحياناً، والمتصاعد في زمن الذروة أو التأزم حين يكتشف سيل الخديعة، وفي زمن الحل عندما يحل في البلدة مقتدراً، وعازماً على استرداد زوجته العنود، وإثبات هويته، واستعادة مكانته بين الناس.
رمزية “ورق الكافور”
لا تكاد رمزية ورق الكافور، تنفصل عن الخزين الشعبي والمعتقدات المحلية المتوارثة، إلى جانب الإيمان المحتفى به باعتباره قيمة جديرة بالاتباع والمواصلة، مشفوعة بحس جماعي بالتواكل والتآزر عند الملمات، كما حدث لعائلة سيل، حين أعانت عائلة العنود إبان المجاعة التي أصابت البلاد قبيل الحرب العالمية الثانية، وبقاء الابنة (العنود) وبعض أخوتها على قيد الحياة بفضل الأعشاب الطبية التي واظبت الأم (والدة سيل) على إرسالها لها.
ومفاد هذه الرمزية أن ورق الكافور المعروف طبياً لدى العرب منذ الأزمنة الغابرة بقدرته على التخفيف من الآلام، وكبت النزعة الجنسية عند الرجال، كان قد لازم رجال البلدة (بريدة)، في ترحالهم، يتداولونه شراباً أو طعاماً، حفاظاً على وفائهم لنسائهم في قراهم التي هاجروا منها للعمل، وحتى لا ينقادوا لنزواتهم وغرائزهم فلا يتأثروا بمفاتن النساء الأجنبيات حيثما حلوا. ولئن مرر الكاتب هذه اللازمة، كناية عن قيمة الأصالة والوفاء للبلاد التي تحدر منها، ولنسائهم، فإنه لمح، في ختام الرواية إلى انتصار البطل (سيل) على نزواته الجنسية العابرة، من دون أن يتناول شيئاً من ورق الكافور، الباقي في خزائنه، لم ينقص شيء منه.
قيم محافظة
يعاود الكاتب عبدالله العرفج، في روايته “ورق الكافور”، طرح معادلة تكاد تكون مخالفة أو إشكالية لمجمل التيار الأدبي الحديث والمعاصر، والذي اعتبر فيه أن الأدب هو ناقل الحداثة إلى المجتمع العربي، بالتالي هو ناقل وجهات نظر مخالفة للتقليد، وصارخة في وجه مظالم المجتمع، والسلطة، واستبداد الرجل، وغير ذلك.
فالكاتب، لا يخفي كونه محافظاً على تقاليد مجتمعه، بل يستحسن الصلاة، ويحث عليها، على نحو غير مباشر، ومن طريق الراوي العليم. وليس في هذا إلا الخير. ثم يرى السلطة على أنها حافظة للعدالة والمساواة بين المواطنين، حالما اتضح لها الخيط الأبيض من الأسود، وأن العلاقات بين العرب، في الاغتراب (الهند مثالاً، في الرواية)، هي على خير وجه، من التعاون والتعاضد والمصاهرة، وأن على المرء، سواء كان مقيماً في بلاده، أو مهاجراً منها للارتزاق، ألا يخشى الركون إلى جماعته التي ينتمي إليها ليجد فيها ضالته. بالطبع، تلك هي رؤية الكاتب العرفج المتناسبة ربما مع زمن السرد الذي صيغت الرواية فيه، عنيت من أربعينيات القرن الـ20 إلى أوائل السبعينيات. ولا شك أن للكاتب رؤى أخرى تتناسب مع أزمنة مقبلة، في أعماله اللاحقة.
وللكاتب العرفج عدد من الأعمال السردية والأبحاث المنشورة، منها: غرناطة لا تعرفني، وريش أحمر، وغيرهما.
