أخطر انتخابات في إسرائيل أواخر تشرين الأول/أكتوبر، تليها بعد أسبوع أخطر انتخابات نصفية في الولايات المتحدة أوائل تشرين الثاني/نوفمبر. والخطورة في النتائج المتوقعة لبنيامين نتنياهو أو لدونالد ترامب، لكنها خصوصاً في الفترة الفاصلة عن هذين الاستحقاقَين؛ فكلما تأكدت الخسارة للأول ازداد ميلاً إلى خيارات دموية ومتهوّرة تظهر ملامحها الآن في غزّة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، إذ تفتقد إسرائيل، حكومةً ومجتمعاً، جيشاً وميليشيات مستوطنين، أي تيار قادر على “عقلنة” عنفها وضبطه. أما الآخر، الأميركي، فيكاد يتمنّى لو عادت به الأيام ستة شهور إلى الوراء ليمحّص أكثر خطط حليفه الإسرائيلي ويراجع قرار الحرب على نظام إيراني يفضّل خراب البلاد على إنصاف العباد.
لم يتكشّف كلّ ما في كواليس الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور في إدلب، لكنها بلغت حدّ تهديد تركيا بالردّ عليها لولا أن واشنطن طلبت ضبط النفس، ثم إن أي مواجهة في الظرف الحالي سيجيّرها نتنياهو لمصلحته، لأن حسابه مع تركيا ورجب طيب أردوغان يكبر ويتراكم، لذا يريد استدراجهما لإضافة حرب جديدة إلى حروبه المفتوحة. فكل الخيارات، بما فيها صناعة “تهديد جديد” لإسرائيل، مسوّغة قبل الانتخابات، وكراهية تركيا ورئيسها أصبحت عنصر جذب وتحشيد للناخبين.
في المقابل، طلبت أنقرة إصدار “نشرة حمراء” لتوقيف نتنياهو في إطار تحقيق بشأن اعتراض إسرائيل “أسطول الصمود” الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة في أيار/مايو الماضي، واحتجاز الناشطين الذين كانوا على متنه.
يواصل نتنياهو السعي مع “اللوبي الصهيوني” في واشنطن إلى عرقلة حصول أنقرة على صفقة طائرات “أف 35″، والأكيد أنه لم يتقبّل إنصات “صديقه” ترامب إلى أردوغان وسواه من زعماء الدول الوسيطة، العربية والإسلامية، لوقف إطلاق النار مع إيران والسعي إلى حل تفاوضي معها، إذ كان يعتبر الحرب “حربه” وليس لترامب أن يوقفها. كما أنه يرى في الأدوار التي تلعبها تركيا عقبات أمام مشروعه الإقليمي لـ”إسرائيل الكبرى”، بدءاً بدعمها خلع بشار الأسد ونظامه، ثم بمساهمتها المحورية في إقناع “حماس” بالموافقة على “خطة ترامب” في غزّة، كذلك بسياستها الخارجية التي تسلّط الأضواء على “حرب الإبادة” الإسرائيلية في غزّة والضفّة، وأخيراً بانخراطها في “اتفاق مكة” مع السعودية وباكستان، وربما بضم سوريا إليه.
تتفق مراجع ديبلوماسية وأمنية على أن المواجهة بين تركيا وإسرائيل باتت على أجندة المنطقة، لكنها مؤجّلة، وقد لا تحصل، إذا نجحت الولايات المتحدة – وهي عادةً لا تنجح – في إدارة التنافس لتفادي أي تصادم بين طرفَين “حليفين” متناقضَين في الأهداف لكنهما يؤمّنان المصالح الأميركية. في معظم الأحيان بدت واشنطن أقرب إلى مفاهيم تركيا لسوريا الجديدة وللتعامل معها، وهذا ما يعبّر عنه المبعوث الأميركي توم برّاك، إلا أن تعقيدات الوضع داخل سوريا وطبيعة نظامها الحالي تحولان دون حسم خياراتها حيال دمشق، ما ينعكس أيضاً على مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
لا خيار أمام تركيا، للحفاظ على أمنها، سوى أن تدعم وحدة أراضي سوريا واستقرارها، على عكس إسرائيل التي وضعت خرائط لتقسيم سوريا بذريعة التحسب لأي تهديد. وإذا كانت أنقرة تحتفظ بوجود عسكري في الشمال، فإنها تساهم في إحياء الدولة ومؤسساتها وإعادة بناء جيشها. أما إسرائيل فبادرت غداة سقوط النظام السابق إلى تدمير كل المقوّمات الدفاعية السورية واحتلال مساحات في الجنوب ولا تزال توسّعها، وهي لا تريد دولة قوية وقادرة على إعادة توحيد فئات الشعب كافة… وهذه معالم الصراع على سوريا والنفوذ فيها، وبين نفوذ تركي تريده دمشق وتتعايش معه، ونفوذ إسرائيلي مرفوض من جانبها، تبدو واشنطن كأنها تنتظر انفجار الصراع كي تحسم موقفها… لمصلحة إسرائيل؟!
ليست واضحة دوافع السفير برّاك في تصريحه بأن “الجولان محتلٌّ من جانب إسرائيل خلافاً لقرارات الأمم المتحدة وللنظام الدولي الذي يعتبره أرضاً سورية”. إذ أشار إلى حقيقة قانونية قائمة، لكنه مدرك أن ترامب اعترف في 2019 بسيادة إسرائيل على الهضبة المحتلة، وليس متوقّعاً أن يناقض رئيسه. فهل نال ضوءاً أخضر لتوجيه إنذار إلى نتنياهو بعدم العبث مع تركيا فيما الرئيس الأميركي منشغلٌ بإيران؟ الردّ الأولي من يسرائيل كاتس اتهمه بارتكاب “مغالطات”، وكان باهتاً. لكن جوقات “اللوبي” في واشنطن ستستكمل الهجوم على برّاك.
بات التطرّف متجذّراً في عمق المجتمع الإسرائيلي، إلى حدّ أن أحداً لا يتوقع أو يأمل أن تأتي الانتخابات بتغيير سياسي ذي مغزى. فأبرز وجوه المعارضة يدعمون خيارات نتنياهو وحروبه، إذ يعتبر نفتالي بينيت تركيا “إيران الجديدة”، ويؤيّد يائير لابيد قصف مطار أبو الظهور. على المقلب الآخر، يستعدّ ترامب للعودة إلى خيار “الضغوط الاقتصادية” على إيران أملاً أن تكون أكثر جدوى من الخيار العسكري، أو أن تعزّز حظوظ محازبيه في الانتخابات النصفية. أما خصوم الداخل وأعداء الخارج، بمن فيهم إيران، فيعدّون أنفسهم لانتظار انتهاء ولايته.
