انتقلت إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من استراتيجية الحرب الخاطفة التي أرادت أن تنتزع استسلام النظام الإيرانيّ في أسابيع، إلى استراتيجية العقوبات الساحقة لتحقيق هدف محدّد هو “إسقاط النظام”، وفق تعبير وزير الخزانة سكوت بيسنت.
تشيع واشنطن مناخاً يصوّر العقوبات المقبلة كضربة اقتصاديّة خاطفة، أو “d-day اقتصاديّ” ماليّاً، في استعارة من إنزال النورماندي الذي مهّد للحسم الكامل ضدّ ألمانيا النازيّة، وأنهى الحرب العالميّة الثانية بنتيجة لا تحتمل التباساً: نصر تامّ واستسلام مهين.
المفارقة أنّ الحروب الأميركيّة تسلك في الغالب المسار المعاكس: تبدأ بحصار اقتصاديّ طويل، ثمّ تحسم بالضربة القاضية العسكريّة. عاشت فنزويلّا نحو سبعٍ وعشرين سنة من الضغط المتدرّج، منذ وصل هوغو تشافيز إلى السلطة أواخر التسعينيّات، حتّى انتزعت عمليّة ليليّة في مطلع كانون الثاني الماضي نيكولاس مادورو من غرفة نومه، وتجوّلت به مقيّد اليدين في مركبة مفتوحة في نيويورك..
انقلب الترتيب في الحالة الإيرانيّة. بدأت الإدارة حرباً ساحقة، قُتل فيها رأس القيادة المرشد عليّ خامنئيّ، وأعلنها الرئيس الأميركيّ عمليّة حاسمة تراوح بين ستّة وثمانية أسابيع، فامتدّت إلى ستّة أشهر، ثمّ أعلنت خطّة بديلة تحسمها بالعقوبات. فهل ينجح الدولار في ما لم تنجزه حاملات الطائرات؟.
ورقة المضيق
ركنت طهران، في ديناميّة الحرب والتفاوض، إلى ما اعتبرته اكتشافاً استراتيجيّاً: ورقة مضيق هرمز. لمست أنّها تفوق الورقة النوويّة فاعليّة لأنّها تُصرَف فوراً وتُقاس بأسعار النفط كلّ صباح. ومن الواضح أنّ كلّ ما حصدته إيران في مذكّرة التفاهم الموقّعة في 17 حزيران لم يكن إلّا ثمناً للتعهّد بإعادة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستوى ما قبل الحرب خلال ثلاثين يوماً. حصلت طهران مقابل ذلك على إعفاءات فوريّة لصادرات النفط والبتروكيمياويّات، وإنهاء الحصار البحريّ، والإفراج التدريجيّ عن الأصول المجمّدة، ورفع العقوبات وفق جدول زمنيّ، ووعد بخطّة إعمار وتنمية لا تقلّ عن 300 مليار دولار.
لكن حدث بعد ذلك تطوّران متقابلان: تردّدت إيران في فتح المضيق، بسبب اختلافٍ داخليّ في تقويم عواقب الخطوة. وفي المقابل، عملت الولايات المتّحدة على مسار عسكريّ أمنيّ لفتح مسار للملاحة لا تستطيع إيران عرقلته. كانت البداية برسم خطّ ملاحيّ في المياه الإقليميّة العمانيّة، لكنّ إيران لم تتورّع عن الاعتداء على السفن فيه، منتهكة السيادة العمانيّة عليه بشكل مباشر. وإثر ذلك، نظّمت الولايات المتّحدة حملة دقيقة على مراكز الرصد والإطلاق الإيرانيّة في جوار المضيق على مدار ثلاثة عشر يوماً.
مسار لا تراه إيران
بعدها بدأت الأخبار ترد عن وضع جديد في المضيق. أتت المفاجأة حين كتب وزير الطاقة الأميركيّ كريس رايت في 11 آب أنّ متوسّط حركة تصدير النفط الخارج من مضيق هرمز بلغ نحو تسعة ملايين برميل يوميّاً على مدار سبعة أيّام ماضية، وأنّ الإجمالي يصل مع خطوط الأنابيب إلى خمسة عشر مليوناً، وأنّ أحد الأيّام شهد خروج أكثر من عشرين مليون برميل.
كانت تلك الأرقام صادمة، ليس فقط لأنّها تعني اقتراب أرقام التصدير من مستويات ما قبل الحرب، بل لأنّ تلك البيانات تخالف ما يرد من شركات تتبّع السفن، لا سيما شركة “كبلر” المتخصّصة في تتبّع حركة الشحن، التي لم تكن بياناتها تشير إلى عبور أيّة ناقلة نفط أو غاز مسال في الأيّام الماضية، فكان تعليقها الأوّليّ على كلام الوزير الأميركيّ بأنّه “يستحيل أن نوفّق بين ما نراه وما يقوله”.
أتى تفسير التناقض في ما نشره موقع “أكسيوس” يوم 19 آب، نقلاً عن مسؤولَين أميركيَّين، حين كشف أنّ الجيش الأميركيّ يدير منذ أسابيع ممرّاً بحريّاً غير معلن داخل المضيق، بمحاذاة الساحل العُمانيّ، بحيث تعبر كلّ ليلة قوافل الناقلات في توقيت محدّد بحماية المقاتلات الأميركيّة. ولم يكن ذلك ممكناً لولا قصف رادارات إيران وقدراتها على المراقبة البحريّة، حتّى بات الحرس الثوريّ يعتمد على زوارق سريعة لاستطلاع حركة السفن وضربها.
إن صحّت المعلومات وتأكّد هذا الاتّجاه، تكون إيران قد خسرت الكثير من قدرتها على استخدام ورقة المضيق في المفاوضات مع واشنطن، والأهمّ أنّها تخسر قدرتها على الردّ على الموجة الجديدة من العقوبات الأميركيّة.
تقوم معادلة العقوبات الجديدة على شقّين متلازمين:
1 ـ تمنع واشنطن إيران من تصدير نفطها وتقطع شرايينها الماليّة عبر نظام الدولار.
2 ـ تمنعها في الوقت نفسه من أن تردّ بإغلاق المضيق، بعدما فقدت وفق الرواية الأميركيّة القدرة على رؤية ما يعبر فيه. أي أنّها تحشر طهران في الزاوية وتوجّه إليها اللكمات، وتمنعها من الردّ. وتُبطل هذه المعادلة منطق “مذكّرة التفاهم” بين واشنطن وطهران من أساسه. لماذا تدفع واشنطن الأثمان السياسيّة والماليّة إذا كانت قادرة على فتح المضيق من دون تعاون طهران؟
هل تتراجع طهران؟
بدأت الإشارات تتوالى من طهران حتّى قبل إعلان العقوبات الجديدة. طار رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمّد باقر قاليباف إلى بغداد، واستمع إلى طلب من العراقيّين لعدم اعتراض صادراتهم النفطيّة، فأعلنت “إرنا”، وكالة الأنباء الإيرانيّة الرسميّة، بعد أيّام أنّ طهران منحت إذناً خاصّاً لعدد من الناقلات العراقيّة. ثمّ خرج الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان ليقول إنّ من الأفضل أن تنتهي الحرب “اليوم”، بينما تقف إيران “في موقع قوّة وكرامة”، ودافع عن مذكّرة التفاهم، مؤكّداً أنّها لا تتضمّن بنداً واحداً يشير إلى استسلام. ثمّ ما لبث قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير أن وصل إلى طهران بأوراق جديدة للتفاوض.
من المبكر الجزم بمدى فاعليّة الحملة الأميركيّة الجديدة مع نظام طوّر أساليب التعايش مع العقوبات على مدى أربعة عقود، لكنّ الأكيد أنّ شريان الدولارات هو شريان الحياة للنظام. والأكيد أيضاً أنّ التفاوض مع إيران ينجح فقط حين لا تجد طهران مفرّاً من تجرّع كأس سم “الدولار”.
