استعاد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ومدير الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان إلى قناة التفاوض بعد الجلسات التي عقدت في باريس في الأشهر الماضية، في اجتماع استضافه الأردن بوساطة أميركية، بعد أيام من الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري التي فجّرت خلافاً جديداً حول حدود الحضور العسكري التركي في سوريا. لكنّ ترتيب الأحداث يكشف تفصيلاً أساسياً: الاجتماع لم يكن وليد الغارة.
بحسب معلومات “أساس”، كان موعد الجولة قد حُدّد قبل أن تقصف إسرائيل المطار في 18 آب الماضي. وتولّى المبعوث الأميركي توم برّاك ترتيب اللقاء بعد اجتماعه بالشيباني في إسطنبول في 17 منه. أي إن الضربة جاءت فيما كانت قناة التفاوض مفتوحة وهناك جولة جديدة قيد التحضير.
الأهم أن الملف الذي فجّر أزمة أبو الظهور لم يكن جديداً على هذه القناة. فقبل أربعة أيام من الغارة، كان غوفمان نفسه يناقش مع الشيباني الحضور العسكري التركي في سوريا.
التحذير سبق الغارة
في 14 آب الماضي، أجرى غوفمان اتصالاً بالشيباني، تركز على ملف الدعم والحضور العسكري التركي، من انتشار عسكري محتمل إلى السلاح والمسيّرات المقدمة للجيش السوري.
لاحقاً، قالت إسرائيل إن لديها معلومات عن احتمال نشر قدرات عسكرية تركية في أبو الظهور، تشمل مسيّرات ورادارات، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن مخاوف من نشر منظومات دفاع جوي يمكن أن تحدّ من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
نفت دمشق أن تكون بصدد تسليم القاعدة إلى تركيا أو السماح بإقامة وجود عسكري تركي دائم فيها. وأجاب الشيباني إن ضباطاً أتراكاً زاروا الموقع في إطار التدريب وتبادل الخبرات، مؤكداً أن القاعدة ستبقى تحت السيادة والسيطرة السورية. من جهتها، نفت أنقرة وجود عناصر عسكرية تركية في القاعدة عند وقوع الهجوم.
في 18 آب الماضي ، اغار الطيران الحربي الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور واستهدف المدارج والمنشآت بثماني غارات. ووصف برّاك الضربة لاحقاً بأنها “تصعيد غير ضروري”، فيما بدأت واشنطن العمل على آلية لمنع الاحتكاك بين سوريا وتركيا وإسرائيل.
“كل شيء تقريباً”
لم يدخل الشيباني الجولة التالية ليبدأ التفاوض من الصفر، إذ كشف أن سوريا وإسرائيل كانتا قد توصلتا، قبل توقف المحادثات على خلفية الحرب مع إيران، إلى تفاهمات مكتوبة بشأن “كل شيء تقريباً” في مسار الاتفاق الأمني. وشملت الصيغة المطروحة إقامة مناطق أمنية في الجنوب، وإنشاء منطقة عازلة لا تنتشر فيها سوى قوات الأمم المتحدة، مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد.
لكنّ الاتصالات انقطعت بالكامل بعد الغارات على قاعدة أبو الظهور. وقال الشيباني إن دمشق “لا تثق بإسرائيل حالياً”، وذلك قبل أن يعيد الضغط الأميركي الطرفين إلى قناة الحوار.
ماذا حصل في الأردن؟
أكدت دمشق رسمياً أن وفداً سورياً رفيع المستوى ضم رئيسي الاستخبارات العامة والعسكرية وبرئاسة الشيباني، عقد اجتماعاً مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى بوساطة أميركية واستضافة أردنية. وبحسب المعلومات فإن البحث تركزعلى:
1 ـ وقف العمليات الإسرائيلية: وضع “آليات عملية” لوقف الهجمات والاستهدافات والاعتقالات الإسرائيلية داخل سوريا.
2 ـ إحياء الاتفاق الأمني: استئناف المفاوضات وصولاً إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لاتفاق أوسع وأشمل في المستقبل.
3 ـ تركيا وإسرائيل: تقريب وجهات النظر بين أنقرة وتل أبيب وضمان عدم انتقال التوتر بينهما إلى الأراضي السورية.
4ـ إقامة غرفة عمليات في الأردن: بحسب المصدر نوقشت مسألة إقامة غرفة عمليات خاصة في الأردن بإشراف أميركي لمنع المواجهات داخل سوريا، بما فيها أي احتكاك محتمل بين إسرائيل وتركيا.
5 ـ لجنة أمنية ثلاثية: تم الحديث عن تشكيل لجنة سورية – تركية – إسرائيلية بإشراف أميركي–أردني لتفادي الصدام. ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي مشترك يؤكد إنشاء اللجنة بهذه الصيغة.
ماذا حملت دمشق؟
في مقابل آليات خفض التصعيد، وضعت دمشق مجموعة من الثوابت أمام أي اتفاق:
1 ـ الجيش والتحالفات: أكدت دمشق حقها في إعادة بناء الجيش وتطويره وتحديد تحالفاتها وشراكاتها وفق مصالحها الوطنية، ورفضت أي ترتيبات تقيّد هذه الحقوق السيادية.
2 ـ الانسحاب: حددت سوريا الأولوية بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخطوط التي كانت قائمة قبل 8 كانون الأول من سنة 2024.
3 ـ اتفاق 1974: طالبت دمشق باستعادة التنفيذ الكامل لاتفاق فض الاشتباك.
4 ـ الجولان: أكدت دمشق أنه أرض سورية محتلة، لكنها اعتبرت أن البحث في وضعه النهائي ومسار حل القضية لا يزال سابقاً لأوانه في المرحلة الحالية.
إن فكرة منع الاحتكاك ليست جديدة بالكامل. فقد كانت واشنطن تعمل بالفعل على آلية اتصال وتبادل معلومات، كما سبق أن اتفق السوريون والإسرائيليون على قناة اتصال بإشراف أميركي. لكن ما أظهرته جولة الأردن هو أن الخلاف الإسرائيلي – التركي أصبح بنداً مباشراً في المفاوضات السورية – الإسرائيلية.
هنا تكمن العقدة الجديدة. إسرائيل تريد منع ترسيخ قدرات عسكرية تركية تعتبر أنها قد تحدّ من حرية عملها العسكري في سوريا، فيما تقول دمشق إن ضمان أمن إسرائيل لا يمنحها حق تحديد شكل الجيش السوري أو تحالفات البلاد.
بين اتصال غوفمان والشيباني في 14 آب، ولقاء برّاك والشيباني في إسطنبول في 17 منه، والغارات على قاعدة أبو الظهور في اليوم التالي، ثم اجتماع الأردن، انتقل الملف التركي إلى قلب المفاوضات.
بات السؤال المطروح أمام برّاك يتجاوز حدود الاتفاق الأمني الثنائي: كيف يُمنع الاحتكاك الإسرائيلي–التركي من التحول إلى مواجهة على الأرض السورية، من دون أن يتحول احتواء الصدام إلى قيد يحدّ من علاقة دمشق بأنقرة؟
قد تكون هذه العقدة هي الاختبار الأصعب أمام اتفاق كان، بحسب الشيباني، قد وصل قبل توقف المفاوضات إلى تفاهم على “كل شيء تقريباً”.
