السبت. أكتوبر 16th, 2021

تغلق المكتبات العربية العريقة التي شكّلت أجيالاً من القراء أبوابها الواحدة بعد الأخرى (أ ف ب)

فجأة، وبقدرة قادر، أُصيب العالم الأدبي العربي بمرض اسمه “جنون الرواية”، جنون يشبه إلى حد كبير، في أعراضه، مرض جنون البقر! الجميع أصبح يكتب ما يسميه “رواية”، حتى أضحى عدد الروائيين أكثر من عدد القراء العرب جميعاً من الخليج إلى المحيط، من العرب إلى البربر المعربين، في كل أصناف الكتابة من قراء كتب المطبخ إلى قراء كتب السحر إلى قراء كتب تفسير الأحلام.

هل الكثرة حالة طبيعية أم حالة شاذة؟

سوسيولوجياً، حين تكون الكثرة متماهية مع الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية والمؤسساتية المحيطة بها والتي تثمّرها وتثمنها، فهي ليست ظاهرة سلبية، بل حالة إيجابية تعكس حركية المجتمع الثقافي والفني في هذا البلد أو ذاك، في هذا المجتمع الثقافي أو ذاك، لكن يبدو لي أن كل ما يحيط بالإنتاج الأدبي إبداعاً وصناعةً في العالم العربي وبلدان شمال أفريقيا لا يسمح بمثل هذه الكثرة الإيجابية، لذا فهذه “الوفرة” الإبداعية الروائية تبدو نتاج حالة مرضية ثقافياً وسياسياً ومؤسساتياً.
ظاهرة الكثرة في عناوين الروايات المنشورة وفي عدد الروائيين في العالم العربي وشمال أفريقيا المتزايد بشكل يشبه حالة من التفريخ الاصطناعي للكتاكيت الكهربائية، هذه الظاهرة، ليست حالة ثقافية طبيعية أبداً، فالعالم العربي بشكل عام لم يتحرر بعد سياسياً ومؤسساتياً من تلك الرؤية التي تصنف الثقافة والأدب في باب الكرنفالات الموسمية، وترى فيها وسيلة للاحتفاء بالنظام السياسي هذا أو ذاك، أو أداة لمعارضة هذا النظام أو ذاك أو لدعم هذا النظام أو ذاك ضد هذا النظام أو ذاك. ولعبة تدوير الثقافة بهذه الطريقة الاستهلاكية والتدجينية مستمرة منذ خمسينيات القرن الماضي.

هل للكثرة علاقة بطبيعة نظام التعليم؟

الكثرة في الرواية العربية وفي عدد “رؤوس” الروائيين العرب والمغاربيين ليست طبيعية لأنها لا تتوافق مع واقع المستوى التعليمي المتدهور، الجامعي والثانوي. فالتعليم بشكل عام، تعليم تقني أو كهنوتي أو أيديولوجي، معادٍ لروح الإبداع وغير مهتم بفكرة احتضان المبدعين وحمايتهم ومرافقتهم، فالمدرسة مخترَقة في العالم العربي بشكل عام من قبل تيارات إسلامية وعلى رأسها تنظيم “الإخوان المسلمين”، وهو تيار مناهض للثقافة والفن، ومدرسة وجامعة تستخفان بالأدب والأدباء والفن والفنانين، فالطلبة الذين يسجلون في أقسام اللغة العربية هم في الغالب من يحصلون على أضعف المعدلات في شهادة الباكالوريا، فكل من لا يُسمح له بالتسجيل في تخصصات جامعية أخرى يجد نفسه مضطراً إلى التسجيل في أقسام الأدب واللغة العربية، إذ أصبحت هذه الأقسام مرآباً للطلبة الأكثر ضعفاً، يدرسون بسيكولوجية مهزومة ومن دون قناعة، يدرسون الأدب والإبداع بروح معادية أو غير متصالحة مع الإبداع والآداب.

في الدول المتقدمة، يوجد للكثرة ما يفسرها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فكثرة عناوين الروايات التي تقذف بها دور النشر ومعها كثرة عدد أسماء الروائيين الجدد والقدامى، فأول ما تعنيه هذه الوفرة هو ارتفاع في منسوب الحرية، الفردية والجماعية، المطلوب لكتابة الرواية بوصفها فضاءً نصياً يحتاج إلى منسوب كبير من حرية التعبير، لكن في العالم العربي وبلدان شمال أفريقيا، لا شيء من ذلك تقريباً، فالرقابة على الكتب على الحدود ودرجة الخوف منها تفوق درجة الخوف من المخدرات ومراقبتها.

الوفرة في النصوص وفي عدد الرؤوس، في فضاء المجتمعات المتقدمة، هي علامة على ارتفاع نسبة القراءة الثقافية والمتخصصة وارتفاع عدد المكتبات العمومية للمطالعة Bibliothèques، ومكتبات البيع Librairies، من هذا المنطلق، فالكثرة ظاهرة صحية ثقافياً وسوسيولوجياً وسياسياً. أما في العالم العربي وبلدان شمال أفريقيا، فلا شيء من ذلك أيضاً، فالقراءة فقيرة، وما بقي من قراء أصبحوا كما غرباء الدار وغرباء الزمن، المكتبات العريقة التي شكّلت أجيالاً من القراء تغلق أبوابها الواحدة بعد الأخرى، في دمشق والجزائر العاصمة والرباط وتونس وطرابلس وبغداد والخرطوم… ويتم تعويضها بمحال بيع الأحذية أو المطاعم.

الكثرة في النصوص الروائية وفي عدد رؤوس الروائيين في المجتمعات القارئة هي مؤشر صادق إلى تطور سوق الكتاب واقتصاد الثقافة وتطور النشر، أما في العالم العربي والبلدان المغاربية فلا شيء من ذلك، فاقتصاد الثقافة وسوقها مغيّبة ومضبّبة ومفلسة، فالناشر يشكو، والموزع يبكي، وأفضل كاتب لا يبيع ثلاثة آلاف نسخة في عالم فيه أكثر من 300 مليون نسمة.
بهذا التوصيف الذي يبيّن الواقع السوسيوثقافي والمؤسساتي والتربوي والسياسي القائم في العالم العربي وفي بلدان شمال أفريقيا، فإن للكثرة العربية تفسيرها ومبرراتها. فما هي يا ترى؟

لقد أُصيب الكتّاب بمرض جنون كتابة الرواية، بحثاً إما عن شهرة واهمة وموهومة تقدّمها وسائل الإعلام المعطوبة، أو أملاً في الوصول إلى جائزة من تلك الجوائز التي ظهرت في كل مكان لتكريم الرواية على حساب القصة القصيرة والمسرح والنقد وحتى الشعر الذي لطالما ظل في مفهوم الثقافة العربية “ديوان العرب” وبذاك خلقت نوعاً من الخلل في التوازنات الأجناسية.

في نهاية المطاف: هناك حفرة في “السياسة الثقافية” أوقعت الرواية في “حفرة” الإبداع، والحفرة هي مرادفة للقبر، فقبر الرواية من قبر السياسة الثقافية، فلا تستغربوا عدم وصول الأسماء العربية والمغاربية إلى منصة “جائزة نوبل للآداب” ولا تستغربوا أيضاً إن وجد العرب والمغاربيون، قريباً، أنفسهم في جنازة الرواية.