
برشلونة مدينة التعدد (أ ف ب)
ملخص
تكاد المكتبة العربية تجهل الأدب الكتالوني، علماً أنه يحظى برواج عالمي عبر الترجمات التي ترافق جديده. أما المترجمون العرب فنادراً جداً ما يمنحون هذا الأدب اهتماماً، على خلاف الأدب الإسباني والأميركي اللاتيني، على سبيل المثل.
لم تكن الصدفة هي التي قادت إلى الكتابة عن الأدب الكتالوني، بقدر ما كانت مسارات برشلونة، التي تحضر فيها لغة أخرى تتجاور مع الإسبانية في الشوارع وعلى اللافتات، وفي واجهات المكتبات. ومع كل مكتبة بدت الكتب حاضرة باللغتين: الكتالونية والإسبانية. في بعض المكتبات كانت هناك رفوف كاملة من الكتب بالكتالونية، وحين كنت أسأل عن وجود ترجمات لها، كان البائع أو البائعة يجيب بالنفي، من دون ذلك الشعور بالأسف الذي قد نتوقعه أمام كتاب لم يعبر إلى لغة أخرى، كأن وجود الكتاب بلغته الأصلية أمر كافٍ، وكأن القارئ هو الذي ينبغي أن يجد طريقه إليه.
في مكتبة قريبة من الحي القوطي، في قلب برشلونة، كان المشهد مختلفاً قليلاً. ازدحمت الطاولات الصغيرة بالقراء، وتوزعت الكتب أمامهم بثلاث لغات. كانت الإنجليزية موجودة هنا، ولوجودها معنى خاص، لأنها تفتح باباً إلى كتاب كتالونيين لم تصل أعمالهم، أو لم تصل معظمها، إلى العربية. من أحد الرفوف أخذت كتاباً للكاتبة مرسيه رودوريدا، توقفت أمام الاسم وتذكرت أنني قرأت لها من قبل، بالعربية، رواية مؤثرة عنوانها “ساحة الماس”، التي صدرت في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في ترجمة طلعت شاهين.
برشلونة ظل الريح
في تلك اللحظة، اقتربت مني البائعة كي ترشح لي روايات كارلوس زافون، أبعدت كتبه جانباً، لأني كنت أبحث عن أسماء لم تصل إليَّ من قبل. ومع ذلك، كان من الصعب تجاهل الرجل الذي ربما يكون الاسم الأكثر حضوراً في ذاكرة القارئ العربي، حين يتعلق الأمر ببرشلونة.
جعل زافون من مدينته فضاءً روائياً لا يقل حضوراً عن شخصياته، برشلونة المظلمة، الغامضة، المليئة بالكتب والأسرار، في “ظل الريح”، ثم في بقية أجزاء “مقبرة الكتب المنسية”. لا تظهر المدينة عنده كخلفية للأحداث فحسب، بل ككائن له ذاكرة خاصة، تختزن آثار الحرب الأهلية وما تلاها، وتخفي وراء مبانيها وشوارعها قصصاً لم تنته بعد. وفي عالمه تصبح الكتب نفسها وسيلة لاستعادة ما حاول التاريخ محوه، لكن هنا تبدأ المفارقة التي تقودنا إلى السؤال الأساس: ما الذي نعنيه حين نقول “الأدب الكتالوني”؟
الأدب الكتالوني، بالمعنى الأدق، هو الأدب المكتوب باللغة الكتالونية، وليس كل الأدب الذي يكتب في كتالونيا أو يتخذ من برشلونة، عاصمة هذا الإقليم، موضوعاً له. وهذا الاختلاف الذي يبدو بسيطاً يصبح أكثر إثارة للجدل حين نتأمل حال زافون، فقد ولد في برشلونة، وجعلها مركزاً لعالمه الروائي، وكتب عنها واحدة من أكثر السلاسل الروائية انتشاراً في العالم، لكنه كتب بالإسبانية، لا بالكتالونية.
ولهذا فإن كارلوس زافون ليس كاتباً كتالونياً بالمعنى اللغوي الدقيق، وإن كان كاتباً خرج من كتالونيا وجعل ثقافتها ومدينتها جزءاً أساساً من خياله الروائي. ربما كان من أكثر الذين صنعوا صورة برشلونة الأدبية الحديثة خارج إسبانيا. وهذا التفريق مهم للقارئ العربي تحديداً، لأن زافون قد يكون المدخل الأشهر إلى برشلونة الأدبية، لكنه ليس بالضرورة المدخل إلى الأدب الكتالوني نفسه.
ساحة الماس
إذا عدنا إلى الرف الذي بدأت منه الحكاية، تعود مرسيه رودوريدا إلى مكانها الحقيقي. تعد “ساحة الماس”، المنشورة أصلاً بالكتالونية عام 1962، واحدة من أهم روايات الأدب الكتالوني في القرن الـ20، وهي أكثر روايات رودوريدا ترجمة، وعلى رغم ترجمة هذا العمل إلى العربية، فإنه غير متوافر، وربما يحتاج إلى الصدور في طبعة جديدة تجعله في متناول القارئ.
تكتب رودوريدا عن بطلة تدعى نتاليا، المرأة التي تعرف في الرواية باسم كولوميتا، وعن أعوام تتقاطع فيها الجمهورية والحرب الأهلية وما بعدها. تبدو حياة نتاليا في ظاهرها عادية وصغيرة أمام الأحداث الكبرى، لكن قوة الرواية تكمن في أن التاريخ لا يدخل إليها من باب المعارك والسياسة وحدهما، إنه يدخل من الجوع، والزواج، والأمومة، والعمل، والخوف، وفقد الأحبة، ومن التفاصيل اليومية والملموسة لامرأة تواجه الخوف وتتحداه.
من خلال الصوت الداخلي لنتاليا تتحول برشلونة إلى مدينة تعيش الحرب، وتصبح الذاكرة الشخصية صورة أخرى للذاكرة الجماعية. وربما لهذا احتفظت الرواية بقدرتها على الوصول إلى قارئ بعيد من زمنها ومكانها، فهي لا تطلب من القارئ أن يعرف تاريخ الحرب الأهلية الإسبانية كي يتعرف إلى الخوف أو الفقد أو محاولة النجاة، تقول البطلة: “كان الجو حاراً، الأطفال يطلقون الصواريخ والألعاب النارية في زوايا الشوارع، وعلى الأرض كانت هناك بذور بطيخ، وفي الأركان قشور البطيخ وزجاجات بيرة فارغة، وفوق الأسطح كانوا يطلقون الصواريخ، وكذلك من الشرفات. رأيت وجوهاً لامعة بالعرق، وشباناً يمررون المناديل على وجوههم، وكان الموسيقيون في غاية البهجة وهم يعزفون. كل شيء بدا كأنه ديكور، ثم بدأ الفالس. وجدت نفسي أتحرك ذهاباً وإياباً، وكأنني أسمع صوت ذلك الشاب من مكان بعيد، على رغم أنه كان قريباً مني جداً، يقول: أرأيت؟ إنها تعرف كيف ترقص! وكانت أمي قد ماتت، ولم يعد هناك من ينصحني…أمي في مقبرة سانت غيرفاسي، وأنا في ساحة الماس.”
يكتشف القارئ المدينة من داخل وعي امرأة في لحظة عابرة من حياتها. الحفلة، العرق، الموسيقى، البطيخ، الشوارع، الأم الميتة، الخوف من الشاب، كلها تتداخل من دون أن تفصل نتاليا بينها.
امتداد معاصر
وإذا كانت مرسيه رودوريدا تمثل أحد الأعمدة الكبرى للرواية الكتالونية في القرن الـ20، فإن جاومي كابره يمثل واحداً من أكثر امتداداتها المعاصرة طموحاً وتعقيداً. يكتب كابره بالكتالونية، لكنه لا يحصر رواياته في جغرافيا محلية أو في سؤال الهوية وحده، ففي أعماله يصبح التاريخ مادة حية تعود باستمرار إلى الحاضر، ويصبح الأدب والفن والموسيقى والذاكرة طرقاً لطرح سؤال أكثر قسوة: كيف يتشكل الشر الإنساني، وكيف يترك أثره في الأفراد والأماكن عبر الزمن؟
في روايته الأشهر “الاعترافات”، يتشابك تاريخ رجل واحد مع قرون من التاريخ الأوروبي، في استدعاء واضح للفن والموسيقى، والدين، والحرب، والكتب. أما رواية “أصوات البامانو”، فتذهب إلى الحرب الأهلية الإسبانية وديكتاتورية فرانكو والذاكرة والانتقام، من خلال عالم ريفي جبلي تتداخل فيه المصائر الشخصية مع التاريخ السياسي. لنقرأ هذه الفقرة من رواية “الاعترافات”: “تناولت لولا الصغيرة الكوب بلا وعي، وارتشفت منه رشفة. أظن أنها لم تكن تدرك ما تفعله. خرجت من المطبخ في صمت، وقد حملت معي حزن لولا الصغيرة، ليحل محل ألمي الذي لم أشعر به لوفاة أمي.
كان أدريا حزيناً، نعم، لكن الحزن لم يكن يلتهمه، وكان ذلك يجعله يشعر بالسوء، وكذلك فإنه، عند وفاة أبيه، سمح للمخاوف أن تتسلل إلى داخله، وعلى رأسها فكرة الذنب العظيم، فإنه الآن كان يشعر بأنه خارج ذلك الموت الآخر، المفاجئ، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنه لا صلة له به. في غرفة الطعام، فتح مصاريع الشرفة ليدخل ضوء النهار. كان برج جرس دير سانتا ماريا، بفتحة الجرس المقوسة، يتلألأ تحت شمس الأصيل، بلون يكاد يميل إلى الحمرة.”
وجدت أعمال كابره طريقها إلى قراء كثيرين خارج كتالونيا، وترجمت إلى كثير من اللغات الأوروبية، من بينها الإنجليزية والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، وغيرها. ومع ذلك، لا تظهر العربية ضمن اللغات التي ترجمت إليها رواياته في سجل ترجماته المنشور.
الجبال تتكلم
لكن الأدب الكتالوني لا يعيش فقط على ما تركه كتابه الكبار من القرن الماضي. وإذا أردنا أن نرى ما الذي يمكن أن يكونه هذا الأدب اليوم، فعلينا أن نغادر برشلونة قليلاً، ونذهب إلى الجبال.
هناك تظهر إيريني سولا، الكاتبة والفنانة المولودة قرب برشلونة عام 1990، وروايتها “حين أغني ترقص الجبال”، صدرت بالكتالونية عام 2019، وفازت بجائزة “أناغراما” للرواية، ثم بجائزة الاتحاد الأوروبي للأدب في 2020، وانتقلت الرواية منذ صدورها إلى أكثر من 20 لغة.
تبدأ الرواية بموت فلاح يضربه البرق، لكن الموت هنا ليس بداية حكاية واحدة، وإنما بوابة إلى عالم تتعدد فيه الأصوات. البشر يتكلمون، وكذلك الحيوانات والنباتات والجبال والأشباح والكائنات الأسطورية. تدور الحكايات في منطقة جبلية، وتتداخل فيها الحياة اليومية مع الأسطورة والحكاية الشعبية وذاكرة الحرب، والمنفى، والعنف، والطبيعة.
ما يلفت في سولا ليس فقط أنها تكتب عن منطقة كتالونية محددة، وإنما أنها تعيد النظر في الطريقة التي يمكن أن تروى بها هذه المنطقة. الجبل ليس منظراً طبيعياً يقف خلف الشخصيات، والطبيعة ليست ديكوراً ريفياً للرواية. المكان نفسه يدخل في بنية السرد، ويتحول إلى طرف في الحكاية. لنقرأ من الرواية: “لقد فكني الضحك من ذراعي وساقي ويدي. أفرغني الضحك تماماً، مثلما يفرغ المرء دلواً، وكل ذلك الهيهيهي والهاهاها، راح رأسي يتمادى طويلاً طويلاً مع الهواء والصفير الذي دخل إليَّ وخرج من أنفي وأذني. ترك الضحك رأسي الصغير نظيفاً كقشرة جوز، صالحاً لأن يحوي كل القصص وكل الأشياء التي قلنا إننا فعلناها، وكل الأشياء التي قالوا إننا فعلناها ضد الله ويسوع وجميع القديسين والعذراء. لم يبق واحد منهم على هذه الجبال، أو بالكاد بقي واحد، من أولئك الذين أشاروا إلينا بأصابعهم، وحبسونا، وفتشوا عن علامة الشيطان علينا، وعقدوا حبال المشنقة وشدوها.”
الذاكرة والغد
هنا تبدو المسافة بين رودوريدا وسولا أكثر إثارة من مجرد المسافة الزمنية بين كاتبتين. في “ساحة الماس” نعيش التاريخ من خلال وعي امرأة، ومن خلال مدينة تتغير تحت وطأة الحرب والفقر والفقد. أما في “حين أغني ترقص الجبال”، فإن الوعي نفسه يتوزع بين البشر والطبيعة والكائنات التي تسكن المكان أو تتخيله. الرواية لا تتخلى عن الإنسان، لكنها تتخلى عن احتكاره للحكاية.
ولعل هذا أحد أكثر التحولات إثارة في الأدب الكتالوني الحديث، أنه لم يعد مضطراً إلى أن يحكي عن هويته للقارئ، اللغة موجودة، والتاريخ موجود، والمكان حاضر، لكن الرواية تستطيع أن تتجاوز ذلك كله إلى أسئلة أوسع: ماذا تفعل الذاكرة بالإنسان؟ كيف يسكن التاريخ في الجسد؟ ماذا يبقى من المكان حين يغادره أهله؟ وهل يمكن للطبيعة أن تحمل الذاكرة مثل البشر؟
بين زافون ورودوريدا وكابره وسولا تتشكل أمامنا أربع صور مختلفة لعلاقة الأدب ببرشلونة وكتالونيا. لقد جعل زافون برشلونة مدينة روائية عالمية، مدينة الكتب والأسرار والظلال، وكتب عنها بالإسبانية. رودوريدا كتبت بالكتالونية، وجعلت من حياة امرأة عادية ومن مدينة تعيش الحرب صورة مكثفة لزمن كامل. كابره وسع الرواية الكتالونية إلى أسئلة التاريخ الأوروبي، والفن، والشر، والذاكرة. أما سولا فتذهب إلى الجبل، نحو عالم تتجاور فيه الأصوات البشرية مع كائنات أخرى.
لكن ما تكشفه هذه الأسماء، ربما، لا يتعلق بالأدب وحده، وإنما بالترجمة أيضاً. بين الكتالونية التي يكتب بها هؤلاء، والإنجليزية التي تتيح للقارئ البعيد الوصول إلى كتاب لا يعرفهم، والعربية التي وصل إليها بعضهم وظل آخرون خارجها، تتشكل خريطة غير متكافئة للأدب العالمي. نحن لا نعرف الأدب الكتالوني بوضوح كافٍ، نعرف فقط الجزء الذي وصل إلينا، أو تمكنا من العبور إليه عبر لغة أخرى.