لم يكن أسبوعاً يبعث على التفاؤل لفلاديمير بوتين؛ ففي خضم الضربات والضربات المضادة المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، هددت موسكو بأن بريطانيا «ستتكبد ثمن» تزويد خصمها بالطائرات المسيّرة، التي أتاحت له تنفيذ ضربات في عمق الأراضي الروسية. إضافة إلى ذلك، أُقيل كبير الاقتصاديين في ثاني أكبر بنك روسي، بعدما قال إن روسيا لا يمكنها إحراز النصر في «حرب استنزاف»، وإن استمرار هذه الحرب قد يشعل أزمة اجتماعية. وفي سياق متصل، تسبب انتشار شائعة مفادها أن الحكومة ستصادر مدخرات المواطنين لتمويل الصراع المستمر في تدافع الروس على البنوك للسحب من حساباتهم وإفراغها.
وخلافاً لتوقعات بوتين، فإن أوكرانيا لا تخسر في هذا الصراع المروع، الذي دخل الآن عامه الخامس، بل ويبدو أنها لن تخسر في المستقبل القريب. ومن ثم، يبقى التساؤل الكبير، الذي يحتدم الجدل حوله بين المراقبين للشأن الروسي، ما إذا كان بوتين سيتراجع ويقر بأن الحرب الكبرى، التي أطلقها عام 2022، وكبدت روسيا منذ ذلك الحين أرواح ما يقدر بنحو نصف مليون روسي، قد فشلت، ويجب التخلي عنها.
ومثلما كتب ديفيد روش، رئيس مؤسسة «كوانتوم استراتيجي»، الذي يتمتع بسجل جيد في توقعاته المتعلقة بروسيا، منذ توقعه تفكك الاتحاد السوفياتي، في العدد الأخير من الدورية الصادرة عن «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» المعنية بقضايا الأمن والدفاع: «يبدو أن قيادة بوتين تدخل منطقة رمادية تتفاقم فيها مواطن الضعف؛ فالضغوط الاقتصادية مرتفعة، في وقت تتصاعد الضغوط التي تمارسها النخبة، فيما تتسع باستمرار الفجوات بين الروايات الرسمية بشأن الأوضاع العسكرية والاقتصادية والاجتماعية وبين الحقائق القائمة على أرض الواقع».
غير أن روش يستطرد بعد ذلك، قائلاً: «روسيا لم تدخل بعد مرحلة الانهيار». ومنذ بداية هذا الصراع، الذي يمثل لبوتين كابوساً اختاره بنفسه، بقدر ما تمثل حرب إيران للرئيس الأميركي دونالد ترمب، توقع عدد كبير من المحللين المرموقين هزيمة روسيا الوشيكة. ولن أحرج هؤلاء الخبراء بذكر أسمائهم هنا، لكنني لم أصدق توقعاتهم قط.
من جهتي، أمضيت وقتاً داخل روسيا، وأجريت في سنوات سابقة مقابلات مع كثير من الروس، وأعي جيداً مدى كراهية الروس للغرب واستيائهم منه. وفي مقابلة أجريت معه في يونيو (حزيران)، أعاد بوتين طرح فكرة كررها مرات كثيرة منذ عام 2022، مفادها أن أوكرانيا ليست سوى دمية في يد الغرب، وأنها تستغل هذا الصراع لتحقيق الطموح الكبير لحلف شمال الأطلسي (الناتو) المتمثل في سحق روسيا وإذلالها.
اللافت أن أعداداً كبيرة من الروس تجد هذه الرواية القائمة على صورة الضحية قابلة للتصديق. ومع أن قليلين منهم يناصرون بوتين أو حربه، فإن معظمهم يعتبر أوكرانيا جزءاً أصيلاً من روسيا.
في الواقع، يكشف مجمل التاريخ الروسي وجود استعداد لدى الروس لتحمل المشاق بصلابة يصعب علينا استيعابها. وفي هذا السياق، أعلن بوتين في يوليو (تموز): «يستحيل كسر إرادة الشعب الروسي». ومن نابليون إلى هتلر، تمتد قائمة طويلة من الأشخاص، الذين تكبدوا أموالاً (وأرواحاً) بعدما راهنوا على عكس ذلك.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعني تجاهل الواقع الذي يواجهه بوتين؛ فأوكرانيا اليوم في وضع أفضل مما كانت عليه في أي وقت منذ خريف عام 2022. ورغم محاولاته التقليل من شأن الأمر، فإن الضربات الأوكرانية بالمسيّرات بعيدة المدى، التي عطلت ما يُقدَّر بنحو ثلث طاقة تكرير النفط الروسية، وألحقت أضراراً جسيمة بمخازن شركة «وايلدبيريِز» الضخمة، لا يمكن تجاهلها.
من جهته، يزعم بوتين أن قواته تحرز تقدماً مطرداً على امتداد الجبهة البالغ طولها نحو 800 ميل. كما عمد الأوكرانيون إلى توسيع نطاق «منطقة القتل»، التي تستهدف فيها مسيّراتهم الجنود الروس المتهورين بما يكفي لمحاولة التقدم في مناطق مكشوفة، لترتفع بذلك خسائر الجانب الروسي إلى ما يُقدَّر بقرابة 30 ألف جندي شهرياً، مقابل معدل تعويض يبلغ 27 ألفاً فقط.
ومع أن ترمب أوقف في مارس (آذار) 2025 إمدادات الأسلحة المجانية الأميركية إلى أوكرانيا، وقطع المساعدات المالية عنها في يوليو (تموز)، فإن الأوروبيين سدوا هذه الفجوة. ولا تزال الولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية استراتيجية وتكتيكية بالغة الأهمية.
على الصعيد الاقتصادي، ثمة ثغرات في منظومة العقوبات المفروضة على روسيا. ومع ذلك، تبقى قادرة على إلحاق أضرار بروسيا. وبحسب التوقعات، لا يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2026 نسبة 0.4٪. وكان من المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة العامة 48.5 مليار دولار على مدار العام بأكمله، لكنه ارتفع بشدة إلى 73 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى فقط.
جدير بالذكر أن قرابة 40 في المائة من إجمالي الموازنة العامة، أي ما يعادل 8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، يوجه إلى الدفاع والأمن الوطني ـ ضعف ما كان عليه قبل الحرب. الملاحظ أن الألم بدأ يصل إلى جيوب الروس العاديين، الذين قد يواجهون قريباً جولة جديدة من التجنيد الإجباري. وهذه المرة، ستُغلق الحدود لمنع موجة جديدة من فرار الراغبين في التهرب من الخدمة العسكرية.
ورغم ما سبق، لا يمكن إنكار أن بعض العوامل بدأت تميل لصالح بوتين؛ فمنذ أن بدأ ترمب حربه مع إيران، انحسرت إمدادات صواريخ «باتريوت» الأميركية للدفاع الجوي إلى أوكرانيا، ما خلف عواقب وخيمة على مدنها. بالتزامن مع ذلك، تزيد روسيا إنتاج القنابل الانزلاقية، التي يُرجح أن يستخدمها بوتين لاستهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، هذا الشتاء. كما تلحق موسكو بالفعل أضراراً بصادرات الحبوب الأوكرانية، من خلال الهجمات على أوديسا وعلى حركة الملاحة بالبحر الأسود.
ويبدو من المرجح أن تصعّد روسيا هجماتها الهجينة في «المنطقة الرمادية» ضد أوروبا، بدءاً من إرباك المطارات بهجمات مسيرة، وصولاً إلى شن هجمات محتملة على البنية التحتية الموجودة تحت سطح البحر. من ناحيته، يعتقد بوتين أن تضامن أوروبا مع أوكرانيا ودعمها، قد يتصدع إذا وجدت القارة العجوز نفسها تدفع ثمناً لهذا الدعم. يأتي ذلك في وقت ترغب أحزاب يمينية قوية عدة في القارة، خاصة «حزب البديل من أجل ألمانيا»، في التوصل إلى تهدئة مع روسيا، وتبدو غير مبالية تجاه تحميل أوكرانيا ثمن ذلك.
ومع أن الروح الوطنية الأوكرانية لا تزال قوية، فإن أوكرانيا لم تعد تحظى بدعم موثوق من الولايات المتحدة، ما يجعل بوتين واثقاً من أن كل الاحتمالات لا تزال مفتوحة أمامه. وإذا واصل ترمب حماسه الحالي تجاه كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، التي تعد مورداً رئيساً للذخائر إلى روسيا؛ وإذا لم تحصل أوكرانيا على مزيد من صواريخ «باتريوت»؛ وإذا أدى تغير مفاجئ في موقف الرئيس الأميركي إلى قطع جميع أشكال الدعم عن أوكرانيا ـ وهو أمر ممكن تماماً ـ فقد تصبح صورة الحرب قاتمة أمام كييف.
وتقديري أن روش، من مؤسسة «كوانتوم استراتيجي» محق حين كتب أن «انقلاباً تنفذه النخبة داخل الكرملين من المرجح أن يؤدي إلى نظام أكثر، لا أقل، تطرفاً». بعبارة أخرى، حتى حال تحقق الاحتمال البعيد للغاية بوصول زعيم روسي جديد إلى سدة الحكم، ليس ثمة دليل على أنه سيبدي تعاطفاً أكبر مع الحرية أو مع الغرب.
وتشير جميع الأدلة التي يحملها لنا التاريخ الحديث إلى أن إسقاط الأنظمة الفردية أمر بالغ الصعوبة، خاصة عندما تكون محكومة بالبطش، الذي يشكل جزءاً من طبيعة بوتين. وربما يساور الكرملين القلق من انتخابات مجلس الدوما الوشيكة، ما يتجلى في حظره الحزب السياسي الوحيد المعارض لحرب أوكرانيا، لكن قبضة الرئيس على مقاليد السلطة لا تزال تبدو قوية. ولا توجد أي إشارة إلى تراجع بوتين عن مطالبه القصوى للسلام. ولذلك، وللأسف، فإن التوقع الأكثر احتمالاً بشأن روسيا وأوكرانيا هو استمرار الوضع على ما هو عليه.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
