عصام حوج.. كاتب سوري
أعلن السيد مظلوم عبدي، يوم أمس من دمشق، حل تشكيلات قسد، بعد استكمال عملية دمجها في الجيش السوري. وتكمن المهمة الأساسية أمام السوريين اليوم، سلطةً وعمومَ القوى السياسية والمجتمعية، في الحفاظ على هذه الخطوة النوعية وتعميقها وترسيخها، عبر تحويلها إلى ممارسات ملموسة على الأرض. فهي تشكّل، من حيث المبدأ، أساساً صالحاً لحلّ الأزمة السورية. لماذا، وكيف؟
أولاً: لأنها كانت عملية توافق وتنازلات متبادلة، وتأكيدًا ملموساً على أنه لا يمكن حسم أيّ ملف من ملفات الأزمة السورية بقوة السلاح؛ فلا غالب ولا مغلوب. وفي هذا السياق، شكّل الاتفاق صدمةً لمتشددي الطرفين وسقوطاً للأوهام؛ فلم تتحقق دعوات الحسم والمحق التي رفعها بعض أنصار السلطة، وفي الوقت نفسه جرى تحجيم الجموح القومي الانعزالي، المستقوي بأوهام الدعم الدولي، لدى بعض أنصار قسد.
ثانياً: إن توقيع الاتفاق لا يعني انتهاء الصراع، بل يعني تغيير أدواته، من تشكيلات عسكرية إلى صراع سياسي حضاري، ليس في هذا الملف فحسب، بل في عموم المشهد السوري. وفي هذا الإطار، بات من المهام الملحّة حلّ جميع التشكيلات العسكرية قولًا وفعلًا، وبالدرجة الأولى غير السورية منها، وضبط السلاح المنفلت، ومنع وجود أي سلاح خارج سلطة الدولة ومسؤوليتها.
ثالثاً: كانت اللامركزية الموسّعة وما زالت حاجةً موضوعية سورية في مختلف مناطق البلاد، تتعلق أساساً بحق المناطق المشروع في إدارة شؤونها الخدمية، وانتخاب سلطاتها المحلية، من محافظين وبلديات، والقدرة على محاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر. ويمكن أن تكون اللامركزية، في هذه الحالة، إطاراً أيضاً لحماية الحقوق الثقافية واللغوية للكرد والسريان والآشوريين وغيرهم، باعتبارهم سوريين أصيلين، بما يعكس التعدد القومي والثقافي في البلاد.
رابعاً: بات من الضروري تجريم خطاب الكراهية والتعميم الأعمى، أيّاً كان شكله ومحتواه ومصدره، بغية تجفيف منابع ذلك الخطاب القومي البدائي، المتشابك مع نزعة شوفينية منكّهة بالطائفية والتديّن، والمغلّفة بالحرص على وحدة الدولة وسيادتها؛ وكذلك ما يقابله من شعبوية قومية بدائية هي الأخرى، مستَقوية بالخارج وبالحديث الدارج عن خرائط جديدة في المنطقة، ومغلّفة بالحرص على حقوق الشعب الكردي.
خامساً: ربما كان الأهم من كل ما سبق أن تكون هذه الخطوة دفعاً باتجاه حوار وطني تشارك فيه جميع القوى السياسية والمجتمعية، بغية التوافق على حل شامل للأزمة، والانتقال إلى بناء سورية الجديدة، بما يضمن كرامة الوطن والمواطن، فلا حل حقيقي ومستدام لأي ملف فرعي دون حل عام للأزمة، ومثل هذه الحلول الجزئية على أهميتها لن تدوم، ما لم تُحَل الازمة العامة بأبعادها الاقتصادية – الاجتماعية، والسياسية والامنية، وصولاً إلى تغيير وطني ديمقراطي جذري وشامل.