
الروائية بثينة العيسى (صفحة الكاتبة – فيسبوك)
ملخص
حين يقرر الأدب أن يمنح السجناء صوتاً، فمن الطبيعي أن نعتبر القراءة مساحة للحرية. من هنا تكتسب “جائزة إنسايد الأدبية”Inside Literary Prize فرادتها في المشهد الثقافي الأميركي؛ إذ منحت السجناء دوراً يتجاوز موقع القارئ إلى موقع المحكّم وصاحب القرار، فيكون لهم القول الفصل في اختيار العمل الفائز. وفي هذه الدورة فازت رواية “حارس سطح العالم” للكاتبة الكويتية بثينة العيسى بالجائزة، وكان ترشح لها 1650 كتاباً.
انطلقت الجائزة عام 2023 بمبادرة جمعت بين مؤسسة Freedom Reads، والمؤسسة الوطنية للكتاب، ومركز الابتكار في مجال العدالة، بدعم من لوري فيذرز من Interabang Books، لتعيد التفكير في علاقة السجين بالكلمة، وحق من يعيشون خلف القضبان في أن يكونوا جزءاً فاعلاً من الحياة الأدبية والثقافية.
وفي دورتها الثالثة هذا العام، شارك نحو 200 قارئ من نزلاء السجون في تحكيم الأعمال الخمسة التي بلغت القائمة النهائية، بعدما وُزّع 1650 كتاباً على 11 سجناً ومؤسسة إصلاحية في ست ولايات أميركية. وكانت جميع الأعمال المرشحة قد سبق تكريمها من المؤسسة الوطنية للكتاب، قبل أن تنتقل مهمة الاختيار إلى القراء المسجونين، الذين قرأوا الأعمال وناقشوها ثم منحوا أصواتهم في النهاية لرواية “مكتبة رقيب الكتب” (عنوانها الأصلي “حارس سطح العالم”) للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، بترجمة رانيا عبد الرحمن وسواد حسين، لتتوجها بالجائزة متقدمة على أربعة أعمال أخرى في القائمة النهائية: “كل الأربعة”All Fours لميراندا جولاي، و”شهيد!” Martyr! لكافيه أكبر، و”أصدقائي”My Friends لهشام مطر، وÆdnan للكاتبة لينيا أكسلسون، بترجمة ساسكيا فوغل.
ولعل ما يلفت الانتباه هو أن رواية تدور حول الرقابة والكتب والحرية هي ما اختارها قراء يعيشون هم أنفسهم داخل فضاء تحكمه القيود، لتصبح القراءة، في هذه الحالة، جسراً بين عالمين، ولتؤكد أن للكلمة سحراً بوسعه أن يعبر الجدران.
إعادة التأهيل
تعد “مكتبة رقيب الكتب” أول رواية مترجمة تفوز بالجائزة وقد صدرت بالعربية تحت عنوان “حارس سطح العالم”، وتدور أحداثها في بلد افتراضي غامض تفرض فيه حكومة شمولية حظراً تاماً على الخيال والتأويل، وتجرّم القراءة العميقة، معتبرةً الفن تهديداً للنظام والاستقرار وهو ما يذكرنا بسلسلة طويلة من الأعمال الأدبية التي التقطت الخيط نفسه.
وهي تتمحور حول موظف يُعيَّن “رقيباً على الكتب”، وتبدأ مهمته بمراجعة الكتب وتحديد ما ينبغي مصادرته أو حظره، لكنه سرعان ما يكتشف أن السلطة لا تكتفي بمراقبة ما يقرأه الناس، بل تسعى إلى إعادة تشكيل ذاكرتهم. ومع انغماسه في قراءة الكتب التي كان يفترض به مراقبتها، يبدأ عالمه الداخلي في التحول؛ فيكتشف متعة الخيال وقدرته على زعزعة اليقينيات التي فرضها النظام. ويزداد هذا التحول حدة مع قراءته روايات مثل “زوربا اليوناني” و”1984″، حتى يبدأ في إدراك أن الكتب مستودعات للذاكرة ووسيلة لمقاومة محو الماضي.
في الوقت نفسه، يكتشف رقيب الكتب وجود جماعة سرية من زملائه تعمل على إنقاذ الكتب من “يوم التطهير”، وهو الاحتفال السنوي الذي تحرق فيه السلطة الكتب المصادرة. لكن الصراع يصبح شخصياً حين تقع ابنته في قبضة النظام بسبب خيالها الجامح وامتلاكها كتاباً محظوراً، فتُقتاد إلى مركز لإعادة التأهيل. عندها يتحول تمرّد رقيب الكتب من مقاومة فكرية صامتة إلى محاولة لإنقاذ ابنته، وفي ذروة الأحداث يكتشف أن المخطوط الذي يكتبه بائع الكتب لا يحكي عن عالم متخيّل فحسب، وإنما يروي حكايته هو، في انزياح ميتاسردي يقلب العلاقة بين القارئ والشخصية والكتاب، ويترك مصير الابنة والكتب والمدينة مفتوحاً على احتمالات عدة.
في بلاد العجائب
تستمد الرواية دلالتها من عالمٍ يتعمد محو الفرد بقدر ما يتعمد محو الكتاب؛ فجميع شخصياتها تقريباً مجهولة الاسم، ولا نعرفها إلا بوظائفها وأدوارها: “رقيب الكتب”، و”ابنة رقيب الكتب”، و”السكرتير”، و”بائع الكتب”، وكأن السلطة التي تحظر التأويل لا تحتاج، في عالمها المغلق، إلى أفراد ذوي خصوصية، بل مجرد أدوار تؤدي وظائف محددة داخل منظومة. ومن هنا تتبلور المفارقة؛ فالرجل الذي تمنحه الدولة سلطة الحكم على الكتب ومصادرتها وإعدامها، والذي يُفترض أن يكون حارساً للنظام، يجد نفسه تدريجياً أسيراً لما يحاول قمعه.
تتحول الكتب التي يفتحها لتفتيشها إلى كائنات حية تتسلل إلى وعيه وأحلامه، وتلاحقه شخصيات الأدب العالمي، من أليس في بلاد العجائب إلى أبطال كافكا ودوستويفسكي، فتبدأ الحدود بين الواقع والخيال في التلاشي. وكلما قرأ أكثر، اكتشف أن الخطر الذي تخشاه السلطة ليس في المعلومات التي تحملها الكتب بقدر ما يكمن في قدرتها على توسيع حدود الممكن؛ فالقراءة تتيح للإنسان أن يرى العالم من منظور آخر، وأن يتخيل حياة مغايرة، وأن يدرك أن الواقع الذي تقدمه السلطة بوصفه الحقيقة الوحيدة ليس سوى سردية قابلة للمراجعة.
لعل هذا ما يفسر الاحتفاء اللافت بالرواية من القراء والنقاد؛ فقد رأت فيها إحدى المحكّمات في مركز واشنطن الإصلاحي للنساء عملاً يذكّر بأن فقدان “النواة الأدبية” يعني ضياع الأصوات وإعادة كتابة التاريخ، وأن حماية الحق في اختيار ما نقرأه وما نراه مهماً هو بمثابة دفاع عن التعدد والتبادل الثقافي ونمو الأفكار. كما رأى ريجينالد دواين بيتس، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة “فريدوم ريدز”، أن الكتب قادرة على وصل البشر “عبر الجدران والظروف”، وأن إشراك القراء المسجونين في الحوار حول الأدب يعيد تذكيرنا بقدرة الكتاب على إحداث التغيير وبث الأمل.
لفتت الرواية أيضاً انتباه عدد من النقاد في صحف ومجلات أدبية عالمية، الذين تجاوزوا في قراءاتهم موضوع الرقابة المباشرة إلى ما تفتحه الرواية من أسئلة أرحب حول الكتاب والخيال والحرية وعلاقة الإنسان بالمعرفة. فقد أدرجتها مجلة “التايمز” ضمن قائمتها لأفضل مئة كتاب لعام 2024، وقرأت فيها مزيجاً من السخرية الكافكاوية و”النداء التعبوي لمحبي الكتب”.
جريمة الخيال
من هنا تنتمي “مكتبة رقيب الكتب” إلى سلالة الديستوبيا الأدبية التي جعلت من الكتاب والقراءة واللغة ساحات للصراع بين الفرد والسلطة، بدءاً من “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي إلى “فهرنهايت 451″ لراي برادبري و”1984” لجورج أورويل. غير أن ما يميز رواية بثينة العيسى هو أنها تجمع خيوط هذه الأعمال وتعيد صياغتها في عالم يجعل من التأويل جريمة، وكأن السلطة لا تريد أن تمنع الإنسان من الوصول إلى النص فحسب، وإنما تريد أن تتحكم في ما يصل إلى وعيه من معاني النص. ففي “فهرنهايت 451” يحرق رجال الإطفاء الكتب لأن الكتب تمنح أصحابها القدرة على التفكير والتساؤل، لكن برادبري يلمح في الوقت نفسه إلى مشاركة المجتمع نفسه في القضاء على القراءة حين استبدل التأمل بالسرعة، والمعرفة بالاستهلاك السريع للمعلومات.
أما في رواية العيسى، فتتخذ السلطة هذه العملية شكلاً أكثر وضوحاً؛ فهي تنشئ جهازاً للرقابة، وتكلف “رقيب الكتب” بمصادرة الكتب وإعدامها، وتلاحق الأطفال الذين تظهر عليهم علامات الخيال، لأن الطفل الذي يتخيل عالماً آخر هو بالضرورة طفل قادر على تخيل سلطة أخرى وحياة أخرى ومستقبل آخر. وهنا تلتقي الرواية مع “1984” في فكرة السيطرة على الذاكرة، أما “عالم جديد شجاع” فيقدم الوجه الآخر للمعادلة: ليس من الضروري دائماً أن تُحرق الكتب بالقوة، إذ يمكن إغراق الإنسان بما يكفي من اللهو والتسلية حتى يفقد رغبته في السؤال أصلاً. وبين الحرق والمنع والإلهاء، تكشف هذه الأعمال أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس فقدان الكتاب، بل فقدان الحاجة إليه.