ملخص
حين أعلنت منشورات “هوغارث” قبل سنوات عن مشروع “شكسبيري” جديد من النوع نفسه، هلل كثر لمجرد أن الدار لم تتوخ في ما فعلته السهولة أو العادية، بل حرصت على أن يكون مشروعها ضخماً منذ بداياته. ومن هنا تعاقدت مع عدد من كبار الكتاب لتحويل المسرحيات الشكسبيرية الأساسية إلى… روايات بكل معنى الكلمة.
لم تكن الفكرة جديدة أو مفاجئة بأية حال من الأحوال. فمنذ زمن بعيد كان هناك الذين يفكرون باقتباس شكسبير ليس فقط في الأوبرا أو الفن التشكيلي أو الباليه وغير ذلك من الفنون الأخرى من دون أن تبعد أعماله الكبرى عن مسرحيتها. وهناك بالطبع من يقدمون على ذلك مستمدين من صاحب الأصل نجاحات لا تقارن أحياناً ولكنها تتفوق على الأصل حين تدعو الحاجة. غير أن الأقل من ذلك بالطبع، كان دائماً اقتباس المسرحيات الشكسبيرية في نصوص أدبية نظرية بل روائية حتى، وهي ممارسة أوصلها الثنائي لامب إلى الذروة مع اقتباسهما العدد الأكبر من تلك المسرحيات في نصوص نثرية موجهة أصلاً إلى القراء العاديين تسهيلاً لفهمهم لتلك الأعمال وتوفيراً لوقتها وجيوبهم.
ونعرف أن معظم تلك الاقتباسات حقق نجاحاً كبيراً وأسهم إلى حد ما في شعبية الشاعر الإنجليزي الأعظم. ومع ذلك، حين أعلنت منشورات “هوغارث” قبل سنوات عن مشروع “شكسبيري” جديد من النوع نفسه، هلل كثر لمجرد أن الدار لم تتوخ في ما فعلته السهولة أو العادية، بل حرصت على أن يكون مشروعها ضخماً منذ بداياته. ومن هنا تعاقدت مع عدد من كبار الكتاب لتحويل المسرحيات الشكسبيرية الأساسية إلى… روايات بكل معنى الكلمة.
ولعل النموذج الذي قدمته الكاتبة الكندية مرغريت آتوود في هذا السياق فتح الأعين حقاً على ما لا يزال في وسع شكسبير أن يختزنه بعد من إمكانيات. وآية ذلك أن واحداً من التجليات الأولى للمشروع لم يكتف بأن يحمل توقيعاً عالمي الحضور لكاتبة معترف بها، بل أتى من النجاح بحيث تساءل كثر: لماذا تأخر المشروع كل هذا الوقت قبل أن يرى النور.
“عاصفة” في مهب الأدب الروائي
والحقيقة أن آتوود بدورها لم تتوخ السهولة في تصديها لذلك النص الذي شكل الجزء الرابع من المشروع، وذلك في رواية أصدرتها بعنوان “بذور ساحر” وشاءتها نوعاً من تحديث حر لتلك المسرحية التي تعتبر عادة من أكثر أعمال شكسبير غموضاً وإثارة للتساؤلات، وربما أيضاً ابتعاداً عن عوالمه المعتادة بحيث دائماً ما تصنف وحدها في وقت تقسم فيه بقية المسرحيات الشكسبيرية إلى مجموعات متجانسة، تاريخية أو كوميدية أو درامية أو تعالج فصولاً معينة من الحياة السياسية الإنجليزية في الماضي والحاضر…
ونعرف طبعاً أن “العاصفة” لا تنتمي إلى أي من تلك التصنيفات. فهي عمل مسرحي قائم في ذاته. ومن هنا ما يمكن افتراضه من صعوبة لامستها الكاتبة خلال تحويل النص التاريخي/ الأسطوري/ الدرامي والغرائبي في وقت واحد، إلى رواية تعكس على أية حال هموم الكاتبة وهموم عصرنا بشكل يتماشى من منظور ما مع ما يفترضه الباحث البولندي يان كوت من أن “شكسبير معاصر لنا”. ففي نهاية الأمر في اقتباس مرغريت آتوود لمسرحية “العاصفة” روائياً، أبلغ تأكيد على تلك الفكرة التي لاعتزاز كوت بها جعلها عنوان كتابه العمدة عن صاحب “هاملت” و”ماكبث” وتحف أخرى لا تضاهى في تاريخ الفكر العالمي.
والحقيقة أن آتوود للوصول إلى هدفها الأساسي من خوض هذه التجربة، حرصت منذ البداية على إحداث تبديلات جذرية تنقل المسرحية ليس من الزمن الماضي إلى الزمن الحاضر وحسب، بل من ذهنية إلى ذهنية أخرى. ولنقل: من عالم إلى عالم مختلف ولكن ظاهرياً فقط… ظاهرياً بصورة راديكالية كما سوف نرى.
حوار نقدي
ولعل أول ما يمكننا الإشارة إليه هنا، هو أن آتوود حين أقدمت على خوض تجربتها كانت تعرف أن اختيارها سوف يبدو شديد الدلالة لأن المسرحية نفسها، وكما تفهمها هي منذ زمن بعيد، تقوم على موضوعات تكاد تكون معاصرة بصورة مدهشة: السلطة، العزلة، السجن، الانتقام، السيطرة على الآخرين ثم بعد ذلك كله، وانطلاقاً من ذلك كله، إمكانية التسامح والغفران.
ففي “العاصفة” كما صاغها شكسبير لدينا الدوق المخلوع بروسبيرو وقد وجد نفسه تائهاً في جزيرة نائية، ومن هنا نجده يستخدم معرفته بالسحر والكتب للسيطرة على الجزيرة وسكانها. أما آتوود فإنها تخلق شخصية فليكس كبديل لبروسبيرو. “وهو مخرج مسرحي يتولى إدارة مهرجان يهتم بفن الخشبة لكنه سرعان ما يتعرض للخيانة والإقصاء لينتهي به الأمر إلى العيش في عزلة قبل أن يدبر انتقامه من الذين غدروا به”. وبهذا يصبح المسرح نفسه بديلاً من السحر الذي كان بروسبيرو يمارسه، للغاية نفسها تقريباً. وهذه النقلة أساسية بالنسبة إلى آتوود إذ إن “ما يستطيع بروسبيرو أن يفعله بواسطة الأرواح والتعاويذ، يستطيع فليكس أن يفعله بواسطة الممثلين والديكور والأداء والإخراج. كلاهما يخلق عالماً مصطنعاً، بل متوهماً يحاول من خلاله وفيه، أن يعيد ترتيب العالم الحقيقي”.
بيد أن الكاتبة الكندية لا يفوتها أن تضيف هنا سؤالاً بالغ الأهمية: هل يستطيع الإنسان بعد كل شيء أن يخرج حقاً من الدور الذي صنعه لنفسه؟
السجن محور مركزي
وإلى ذلك يتميز نص آتوود بكونه يتخذ من السجن محوراً مركزياً. حيث أن فليكس يعمل أصلاً في مؤسسة تهتم بإعادة تأهيل السجناء وبالتالي لا يعود غريباً أن نراه وقد قرر تقديم مسرحية “العاصفة” نفسها معهم.
وهكذا يصبح السجناء الذين يعيشون فعلياً خلف القضبان، ممثلين لشخصيات تعيش بدورها داخل عالم من الأسر والسيطرة. ولا يعود المسرح هنا وسيلة للترفيه، بل فضاء يرى الإنسان نفسه فيه من خارجه وربما بشكل يحرره من صورته السابقة. غير أن أهم ما تفعله آتوود على أية حال، إنما هو تعديلها من طبيعة انتقام بروسبيرو. ففي المسرحية الشكسبيرية يقود السحر إلى التخلي عن السحر، وينتهي الأمر بالدوق الساحر إلى إطلاق أسرى الماضي. أما فليكس فإنه يبدأ مشروعه المسرحي مدفوعاً بالرغبة في الانتقام ثم لا يلبث أن يكتشف بالتدريج أن الانتقام الحقيقي قد يكون في التخلي عن الرغبة فيه. وبهذا تضحي “العاصفة” بقلم آتوود رواية موضوعها الانتقال من الرغبة في معاقبة الآخرين على ما اقترفوه، إلى اكتشاف القدرة على تحرير الذات منهم.
ومن هنا يمكننا أن نقول إن آتوود لا تقلد شكسبير أو تحدثه بل هي تضع “العاصفة” كلها داخل عالمنا الحديث حيث لم يعد السحر ضرورياً للسيطرة على البشر. يكفي أحياناً أن نمتلك السلطة أو المعرفة أو القدرة على إخراج الآخرين من أدوار نحددها لهم. ومن هذا المنظور تبدو “بذور ساحر” قراءة شديدة الحداثة والعمق لمسرحية شكسبير. حتى وإن كانت كلتاهما تطرح السؤال نفسه: ما الذي قد يفعله المرء إن هو امتلك القدرة على الانتقام ممن ظلموه؟
