-1-
يصف لنا الأكاديمي جاك شلانجر (1930-…) رجلًا يطفو في الماء الفاتر، في حوض الاستحمام، وذهنه خالٍ من أي تفكير. وفجأةً، يدرك أن جسده محمولٌ بماء الحمام، وفي لمح البصر تستولي عليه فكرةٌ وتتجلى له بكل قوتها وبهائها. لا يسعه مقاومتها؛ فينهض في وثبة واحدة، وينطلق عاريًا إلى الشارع صارخًا بأعلى صوته: “يوريكا!”، أي “لقد وجدتها!”. لقد عثر للتو على حلٍ لمشكلةٍ طالما شغلته؛ أو بالأحرى، بدا أن حل المشكلة قد أتى من تلقاء نفسه وفرض عليه. لقد اكتشف أرخميدس “مبدأ أرخميدس”، وهو أحد المبادئ الأساسية في علم السكون المائع (الهيدروستاتيكا). لقد خطرت لأرخميدس فكرةٌ، واستولت عليه تمامًا. “أما أنا، فأستلقي على أريكتي ولا أفكر في شيء، وفجأةً تباغتني فكرةٌ وتخترق ذهني. إن القول بأن فكرةً تخترق ذهني ليس مجرد تعبيرٍ مجازي، بل هو وصفٌ لما يبدو لي أنه يحدث بالفعل. تخطر الفكرة ببالي، وتفرض نفسها على انتباهي، وتتجلى بوضوحٍ وجلاء، وتتوقف لبرهةٍ أمام ناظريّ المترقبين، فتبدو لي مثيرةً للاهتمام بشكلٍ خاص؛ ثم، وبنفس السرعة التي ظهرت بها، تتلاشى وتتفكّك كسحابةٍ تتمزق أوصالها، وتفلت من بين أصابعي، إن جاز التعبير، فلا أعود أستحضر تلك العبارات المصاغة ببراعةٍ والتي تجلت لي الفكرة من خلالها؛ إذ تنزلق الفكرة وتفلت، وتمضي تائهةً بعيدًا” (ج. شلانجر، لعبة الأفكار، 2010).
هكذا تلعب الأفكار لعبتها الخطرة. فهي، حسب ج. شلانجر، في حال فرّ وكرّ دائمين. ليست موجودة في مكان، ولا يدوم حضورها في زمن محدّد. تظهر بكثافة ثمّ تتلاشى. تثبت في لحظة ثم تمضي تائهة وما علينا سوى مطاردتها. لا نتصوّر أنها تتيه خارج عقولنا، بل داخل حيزها الضيق والمتشعّب. لا تغادر الأفكار العقول أبدًا.
حين نقول عبارة “الشيء المثالي”، ونحن نقصد بها الشيء المكتمل، فنحن نقصد كيانًا مُكوَّنًا من أفكار وروابط بين تلك الأفكار. و”الروابط بين الأفكار”، كما يعرّفها ج. شلانجر، هي تلك الطرائق المتنوعة التي يمكن من خلالها وصل الأفكار ببعضها البعض لتشكيل شيء مثالي يتسم بقدر ما من الاتساق والترابط. وبما أن الأفكار لا نهائية فالروابط نفسها غير نهائية. “تتيح لنا قائمة، غير حصرية، بفئات الأشياء المثالية تقدير مدى تنوعها؛ فالنظريات، والمذاهب، والأنظمة، والأيديولوجيات، والبرامج، والكتيبات الإرشادية، والتعليمات، كلها تُعد أشياء مثالية متفاوتة النطاق، بل ويمكن أن تتداخل فيما بينها لتشكل أشياء مثالية ذات نطاق أوسع وأشمل”. إذًا، هناك مفاهيم جديدة تدخل إلى مجال الأفكار الجيّدة، وهي لا تعني فقط وجود الأفكار أو توفرّها “مطروحة على الطريق”، وليس فقط التعبير عنها بأجمل العبارات أو وضعها داخل أفضل القوالب، بل التداخل بينها، والربط بين أنسجتها.
| جاك شلانجر |
هل هي موجودة داخل عقولنا فحسب؟ أي هل هي نشاط متجوّل؟ يؤكد ج. شلانجر أنها حين تغادر عقولنا فإنها تتنزّه داخل عقول متلقيها. “إن الأشياء المثالية هي كيانات مُكوَّنة من أفكار، وهي بهذا الوصف تُعدّ نتاجًا للنشاط الذهني؛ فهي توجد خارج العقل في وسائط مادية تحفظها وتتيح صياغتها وحفظها ونقلها؛ كما أنها توجد، أخيرًا، في عقول المتلقين لها، مع مراعاة التحولات التي تطرأ عليها في أثناء تدوينها ونقلها وتلقيها. وهكذا نلاحظ ثلاثة أنماط لوجود الأشياء المثالية، تماثل أنماط وجود الأفكار الثلاثة: الشيء المثالي في عقل من يبتكره وينتجه؛ والشيء المثالي المحفوظ والمعبَّر عنه بوسائل مادية؛ والشيء المثالي الذي يستوعبه عقل آخر ويدمجه في نظامه الفكري الخاص، وذلك وفقًا لقدراته واهتماماته”.
-2-
أين توجد الأفكار؟ أين تطرح نفسها وتخلق حركة دؤوبة؟ لا يا سيدي الجاحظ، إنها داخل عقولنا وليست على الطرقات مطروحة. أنت لم تقل “الأفكار” بل قلت “المعاني مطروحة في الطريق”، و”المعاني” قد تعني، من بين ما تعنيه، “المضامين” و”الأفكار” المتاحة للجميع.
تزخر عقولنا بالأفكار. فجميعنا، تقول مؤرخة الأفكار الفرنسية نائلة فاروقي، بدءًا من أصغرنا سنًا وأقلنا تعليمًا ووصولًا إلى أكبرنا سنًا وأكثرنا تحصيلًا علميًا، يمكننا أن نلاحظ، إذا ما أمعنا النظر، أن عقولنا تعجّ بحركة دؤوبة ومستمرة لأشياء غير ملموسة نغيب عن الوعي بها في أثناء النوم؛ بل حتى في تلك المراحل من النوم العميق التي لا تعكر صفوها الأحلام. ولنكن أكثر دقة: إننا نتحدث هنا عن الذاكرة، والمخيلة، وتلك الملكات المتعددة التي أطلق عليها فلاسفة عصر التنوير اسم “الفهم” (أو القوة العاقلة)؛ وباختصار، تلك الملكات التي تتيح لنا بلوغ المعرفة. إن تشكّل الأفكار وظيفةٌ عامة ومشتركة لدى العقول البشرية كافة، سواء تعلق الأمر بأشخاص يتمتعون ببنية عقلية سوية، أو بمرضى، أو بأشخاص يعانون من إعاقات ذهنية؛ فكل فرد، على طريقته الخاصة، ووفقًا لحدوده الذاتية وحدود العالم المحيط به، يولّد أفكارًا ذات طابع تجريدي.
وتتميز هذه الملاحظة، حسب نائلة فاروقي، بميزة مزدوجة: فهي تجريبية، إذ يمكننا إدراكها من خلال التجربة المباشرة، وعامة شاملة، إذ تنطبق القاعدة ذاتها على جميع البشر. “ومع ذلك، ولغرض الدقة، ينبغي إضافة أن هذه التجربة، التي هي في جوهرها تجربة الوعي (سواء كان وعيًا بالإدراك الحسي، أو الذاكرة، أو المخيلة، أو الوجدان، أو التفكير)، هي تجربة يستحيل تمامًا نقلها أو مشاركتها مع الآخرين. فالوعي، كما يقول الفلاسفة، ذاتي ومغلق على صاحبه (أو ما يُعرف بـ “الذاتية المنعزلة” أو الـ solipsism)، ومن ثم لا يمكن لأحد أن يلج إلى وعي شخص آخر. صحيح أنني أستطيع التعبير عما أشعر به أو ما أدركه من خلال الكلام أو الإشارة”.
-3-
ربما قصد الجاحظ بقوله المأثور “المعاني مطروحة في الطريق” أن لدينا جميعًا أفكارًا؛ فنحن نحتفظ بها، ونوظفها، وننقلها، ونعيش منغمسين تمامًا في بيئة زاخرة بالأفكار. إن أولئك الذين يولون الأفكار اهتمامًا خاصًا ويجدون متعة في الاشتغال بها، فإنهم ينخرطون مباشرة في “لعبة الأفكار” ويصبحون صنّاعًا لها؛ إذ يعكفون، بهذه الصفة، على تشييد كيانات قوامها الأفكار، كالنظريات والمذاهب والأنظمة والأيديولوجيات، سعيًا لفهم العالم الذي يعيشون فيه فهمًا أعمق. وسواء كانوا علماء أو فلاسفة أو كتّاب مقالات، فإن صنّاع الأفكار هؤلاء يعملون على إنتاج وصياغة وابتكار الأطر الفكرية التي تُبنى عليها معارفنا ومعتقداتنا وأنماط سلوكنا.
هل يمارس الفلاسفة والأدباء (صُنّاع الأفكار) “العمل بالأفكار” بنفس الطريقة، يجيب ج. شلانجر على السؤال: “لا يمارس الفلاسفة جميعًا العمل ذاته، ولا يتصورون، بالطريقة نفسها، ما يقومون به أو ما ينبغي عليهم القيام به. وجرت العادة على تصنيف الفلاسفة وتجميعهم وفقًا لمضمون مذاهبهم أو انتماءاتهم المذهبية؛ فنحن نتحدث، على سبيل المثال، عن فلاسفة ماديين أو مثاليين، وعقلانيين أو تجريبيين، وواقعيين أو اسميين، وما إلى ذلك. غير أننا إذا نظرنا إلى الفلاسفة باعتبارهم ’صنّاعًا للأفكار’، أمكننا التمييز بينهم، كما نميّز بين الحرفيين، بناءً على المادة التي يشتغلون عليها، وطرق عملهم، والغايات التي يسعون إليها، ونوعية الأعمال التي ينتجونها”.
إكمالًا وتفصيلًا لقول ج. شلانجر، نضيف أن بعض الحرفيين يشتغلون بالخشب، وآخرون يشتغلون بالحديد. ومن بين المشتغلين بالخشب، ثمة من يصنعون القطعة ذاتها باستمرار، بينما ينجز آخرون شيئًا مختلفًا في كل مرة. وهناك حرفيون يعملون ضمن مجموعات، وآخرون يعملون بشكل فردي. وتندثر بعض التقنيات الحرفية بينما تستمر أخرى، وتنشأ تقنيات جديدة؛ ونجد لدى الفلاسفة أيضًا تمايزات وظيفية من هذا القبيل، “فبعض الفلاسفة يشتغلون بالأفكار العلمية، وآخرون يشتغلون، على وجه الخصوص، بالأفكار السياسية، وفئة أخرى تهتم بالأفكار الجمالية، بينما ينتج فريق آخر أعمالًا ميتافيزيقية؛ وهنا نجد تجلّي تقسيم النشاط الفلسفي إلى تخصصات. كما أن بعض الفلاسفة يولون اهتمامًا خاصًا لسيرورة الاستدلال والحجاج، في حين يركز آخرون على مضمون الأفكار المطروحة”.
لقد طرح الجاحظ عبر القرون قولًا شاملًا، كان ينبغي التفصيل فيه. فالأفكار والمعاني لا تزدهر بالتعبير فقط، بل بالتنسيق والربط. كما أنها تلبس ثوب الحرفيين المشتغلين بها. هناك من يكرر ما صنعه، وهناك من يصنع أشياء أخرى جديدة. كما أن هناك من يعمل منفردًا بينما يفضل الآخر الاشتغال ضمن مجموعات.