استعار وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في المقالة التي نشرها مؤخراً في صحيفة «فاينانشال تايمز»، كلمة من الوزن الثقيل حين وصف الحزمة الجديدة من العقوبات على إيران بأنها «إنزال نورماندي اقتصادي»، مستحضراً التاريخ ومؤتمر طهران الذي عقد عام 1943 واللحظة المفصلية حينما تحول الحلفاء من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم مع مغامرات أدولف هتلر.
واستحضار الوزير الأميركي للتاريخ هو رسالة واضحة بأن واشنطن اتخذت قراراً حول كيفية إدارة الملف الإيراني؛ وذلك من الحسم إلى الإغلاق، لتتجاوز العقوبات جميع الحدود، حتى إنها تستهدف كل دولة أو كيان لا يزال يشارك أو يعد «شرياناً مالياً» أو «رئة اقتصادية» للنظام الإيراني ليجد نفسه معزولاً تماماً، كما أن واشنطن عازمة على خنق تلك المصادر وتجفيف منابعها. ومع أن القرار الأميركي كان حازماً ومؤثراً بشكل كبير، حتى إن طهران عدَّته «ترهيباً اقتصادياً» وعملاً غير مشروع وجريمة دولية، فإن هناك سؤالاً وهو: إلى أي مدى تنجح تلك العقوبات؟ وهل تستطيع أن تفعل ما لم تستطع فعله العقوبات السابقة طوال العقود الماضية؟
المتتبع للعقوبات الأميركية يجد أنها تستخدم منظومة متدرجة تبدأ بالعقوبات الأولية التي تستهدف الأشخاص والكيانات المتورطة مباشرةً، وتمتد إلى العقوبات الثانوية التي تستهدف الأطراف التي تتعامل معها، حتى لا تتحول إلى جسور لعبور الأموال والتجارة إلى طهران، وهنا يمكن فهم حديث بيسنت عن الدول والكيانات التي تسهل تدفق الأموال الإيرانية عبر شركات الصرافة والمناطق الحرة، أو تغض الطرف عن عمليات نقل النفط والوقود بحراً.
وحقيقةً هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها واشنطن عقوبات على طهران، بل سبق أن فرضت عقوبات متفرقة على مدى 47 عاماً؛ والعقوبة الاقتصادية الأولى ضد إيران كانت عام 1979 بعد أزمة رهائن السفارة الأميركية، لكن العقوبات التي فُرضت عام 2010 بمشاركة أوروبية كانت أكثر قسوة وحاسمة لتخضع بعدها إيران للتفاوض وتنتهي بإعلان الاتفاق النووي الشامل (JCPOA) عام 2015، والعقوبات التي أعلنها الوزير بيسنت هذا الأسبوع تعد نسخة مطورة من نموذج عقوبات عام 2010.
ونسخة العقوبات الجديدة المطورة ستكون أكثر تأثيراً، فخلال الأشهر الماضية بدأت وزارة الخزانة الأميركية تخوض مطاردة مفتوحة؛ من عقوبات على «أسطول الظل» النفطي ثم شبكات النفط مقابل الذهب، ثم منصات الأصول الرقمية، ثم شبكات جديدة لتجارة النفط الإيراني، وكل إعلان يتحدث عن ضربة لشبكة «غير مشروعة»، ثم تظهر بعد فترة شبكة أخرى لتحل محلها.
قد يكون هذا التكرار دليلاً على قوة العقوبات، إذ إن واشنطن تلاحق كل قناة للتحايل بمجرد ظهورها، لكنه قد يكون أيضاً دليلاً على أن إيران راكمت، خلال سنوات العزلة، خبرة واسعة في التعامل مع العقوبات وإعادة تشكيل شبكاتها المالية والتجارية، خصوصاً أن العقوبات الطويلة لا تُنتج العزلة فقط، بل تُنتج أحياناً اقتصاداً موازياً قادراً على التكيف معها.
وهنا تصبح الدول التي تشكل «الرئة الاقتصادية» لإيران جزءاً أساسياً من المعادلة، فنجاح العقوبات لا يتوقف على قدرة واشنطن على إصدار القوائم، وإنما على قدرتها على إغلاق المنافذ التي تستخدمها طهران للوصول إلى الأموال والأسواق والخدمات المالية والتجارية، وهذا ما يجعل «الإنزال الاقتصادي» مختلفاً عن العقوبات التقليدية.
فالمعركة ليست مع إيران وحدها، بل مع شبكة واسعة من الوسطاء والشركات والكيانات والدول التي تستطيع أن توفر لها مسارات بديلة كلما أُغلق مسار، وهنا ترسل واشنطن رسالة بأنه على كل المتعاملين مع إيران أن يحسبوا تكلفة الرهان الخاطئ، وأن يدركوا أن استمرار التعامل مع النظام قد يصبح أكثر تكلفة من الابتعاد عنه.
واشنطن تراهن اليوم على أن الضغط المتراكم سيجبر طهران على تغيير سلوكها، بينما تراهن إيران على الزمن، وعلى قدرتها على إعادة بناء ما تفقده من شبكات ومسارات، وهذا يطرح سؤالاً آخر وهو: هل تستطيع الولايات المتحدة فرض مزيد من العقوبات؟ والإجابة: بالتأكيد نعم تستطيع، فلديها القدرة على الوصول إلى كل الشرايين التي تدعم الاقتصاد الإيراني، ولن تتأخر في قطعها حتى تصل إلى غايتها.
