دولة بلا عقوبات.. هل تصبح سوريا عام 2030 “سويسرا الشرق الأوسط”؟

مستشار اقتصادي.. الثورة السورية دمشق
إن يوم الرابع والعشرين من آب 2026 يعدّ يوماً تاريخياً، حيث أغلقت سوريا واحدا من أثقل فصول عزلتها الدولية منذ عام 1979، بعد إزالة اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب لتنتهي بذلك طبقة قانونية ومالية بقيت تلاحق الدولة السورية منذ خمسين عاماً، لم يعد الأمر إعفاءً مؤقتا، أو ترخيصاً عاماً محدود المدة بل هو انتقال من وضع الدولة المحاصرة، والمنبوذة إلى وضع الدولة الطبيعية المؤهلة للاندماج في الاقتصاد العالمي.
سوف يسجل التاريخ أنه في هذا اليوم أيضاً تمت إضافة قوانين عقوبات على إيران باسم “المنبوذ الاقتصادي”. بمعنى أنه في اليوم الذي احتضن العالم سوريا ورحَبَ بعودتها كدولة طبيعية في العالم وسهل عملية انضمامها لنظامه الاقتصادي، نَبذَ النظام الإيراني وزاده عزلاً، وهو الذي قتل وشرّدَ الشعب السوري.
هناك مستويات للعقوبات الاقتصادية الأميركية تخلص الشعب السوري الحر منها، فالمستوى الأول هي العقوبات الاقتصادية الشاملة والتي تم رفعها في تموز 2025 وتمت إزالة العقوبات عن 518 مؤسسة وكيان حكومي سوري، وكان ذلك إنجازاً رائعاً مع زوال قانون قيصر، أما المستوى الثاني فهي إزالة اسم سوريا من قائمة التصنيف، وهي خطوة بالغة الأهمية لأنها ترفع سوريا من لوائح عقوبات حكومات الدول المدرجة على قائمة الإرهاب “تي إل جي إس آر”، وهي لوائح أميركية تديرها وزارة الخزانة عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “أوفاك” ومدونة في 31 سي إف آر الجزء 596.
ومع إزالة هذا التصنيف عن سوريا تطوى آخر صفحة من صفحات العقوبات الاقتصادية لأن أبرز آثار التصنيف على سوريا كان تقييد المعاملات المالية، ورفع مستوى المخاطر القانونية أمام المصارف والشركات الأمريكية، ودفع المصارف الدولية إلى تجنب التعامل مع سوريا خشية العقوبات، وفرض قيود على التحويلات المالية التي يحتاجها المستثمرون ليبدؤوا في سوريا الإعمار وبناء المصانع الإنتاجية، أما العقوبات الفردية المتبقية فهي موجهة إلى نظام الأسد وحلفاءه من شبكات الفساد وغيرها، ومنتهكي حقوق الإنسان وهذا ما يريده الشعب السوري.
طالت العقوبات بنصوصها القانونية المصارف وشركات التأمين والشحن والتكنولوجيا وكل مناحي الحياة الاقتصادية تقريباً، إضافة إلى أن المصارف حول العالم مارست ما يعرف بـ “الإفراط في الامتثال” حيث كانت ترفض أحياناً معاملات مصرفية مشروعة لمجرد وجود اسم سوريا فيها لأنها تعتبر أن هناك مخاطر كبيرة وضرراً بسمعة المصرف، وبذلك نشأت عقوبات غير مكتوبة تجاوزت في بعض الحالات حدود الحظر الرسمي، وتم إغلاق حسابات بعض السوريين وجمعيات إنسانية وتأخير تحويلات وإعادتها إلى مصدرها، ورصد تمويل التجارة وامتناع شركات الشحن والتأمين والتكنولوجيا عند دخول السوق، وأحياناً مطالبة الشركات السورية برسوم ضمانات أعلى من المعتاد، فقط بسبب ذكر اسم سوريا!
تقع على المصرف المركزي مهام وتحديات كبيرة أولاها التواصل مع المصارف المركزية الأساسية حول العالم لإخبارها بآخر تحديث لواقع تصنيف سوريا لدى الولايات المتحدة الأميركية، حقيقةً لا يكفي أن يصدر القرار السياسي بل يجب أن يصل أثر القرار إلى موظف ومسؤول الامتثال في البنوك، وإلى شركات التأمين وإلى المصدرين والمستثمرين.
الشركة الأكثر سعادة اليوم في الشأن السوري هي شركة أوليفر وايمن فاينانشال التي تعالج مسألة “تقييم الفجوة”، وتحشد الجهود لإقناع البنوك الوسيطة للتعامل مع المؤسسة المصرفية السورية لأن إزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب سيسهل عمل الشركة التي تتطلع لإنهاء مهمتها بعد أن تنجح في دخول سوريا إلى منظومة السويفت من بابها الواسع.
تبنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية 18 مجلس أعمال حول العالم، وأعتقد أنه يجب توجيههم جميعاً بالتواصل مع المصارف في دولهم، ودعوة تلك المصارف لفتح فروع لها في سوريا وتوعية المصارف الخاصة بواقع التصنيف الجديد لسوريا، علينا جميعاً أن نعمل كفريق عمل واحد.
إن الارتقاء بمستوى المصارف في سوريا ضروري للغاية، وعلى البنك المركزي متابعة مسألة بناء البنية التحتية المصرفية عالية التكنولوجيا في سوريا مستفيدين من كل المنح المقدمة لنا من البنك الدولي ومن خبرات صندوق النقد الدولي، وبنفس الوقت توفير الأجهزة المصرفية المطلوبة من آلات سحب الأموال، وتشجيع شركات الدفع الإلكترونية لدخول السوق السورية، والارتقاء بالأنظمة الإلكترونية في البنك المركزي، والتأكد من توفر التشبيك الإلكتروني بين المصارف الخاصة، والأمن السيبراني.
لعله من أهم الاستحقاقات التي لا تحتمل التأجيل إصلاح القطاع المصرفي عبر تدقيق المصارف العامة والخاصة وتطبيق معايير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وإعادة بناء شبكة المصارف المراسلة وكذلك تحديث أنظمة الدفع. إن الهدف الرئيسي للبنك المركزي هو تحقيق الاستقرار النقدي والمالي من خلال ضبط نمو الكتلة النقدية، وهذا يتحقق بشكل أكبر فيما لو تم تعميم الدفع الإلكتروني في سوريا، ورفع جودة الموازنة والبيانات، والإفصاح المالي، فضلاً عن ضرورة محاربة الاقتصاد الموازي، وذلك عن طريق فتح طرق قانونية أمام الشركات من أجل نقل الحوالات ورؤوس الأموال للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
لا يمكننا النهوض الاقتصادي دون وجود رؤية نهضوية اختصرناها بالتاءات الثلاثة: التعليم (التعليم الفني)، والتصنيع (كل أنواع التصنيع ولاسيما التصنيع الزراعي)، والتكنولوجيا، والتأكيد على التنمية المتوازنة بالاهتمام بكل القطاعات وتنميتها، وكذلك تنمية كل المحافظات دون إهمال أي منطقة مهما صغرت، وتوفير المصارف فيها وآلة سحب العملة النقدية، وتوفير أدوات الدفع الإلكتروني وبرامجها لكل المستهلكين والمحلات كي تسرع من عملية التداول النقدي التي توفر تحكم المصرف المركزي بالكتلة النقدية، وتوجيه الاستثمارات إلى قطاع الإنتاج والإعمار، والبنية التحتية، وتقديم التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأمين بيئة استثمارية محفزة.
أعتقد أنه قبل نهاية عام 2026 ستكون غالبية المؤسسة المصرفية السورية منخرطة أصولاً مع منظومة السويفت، وكذلك قبل الشهر السادس من العام المقبل 2027 أتوقع دخول عدة بنوك أجنبية وعربية للسوق المصرفية السورية، ومهمة سوريا أن تستعيد مكانتها المصرفية كما كانت قبل سياسة التأميم عام 1958 وقرارات 1961 و1963 مع حكومات البعث والعَبَث، وقد خسرت سوريا في حينها الكثير من رأس المال البشري والمصرفي والعملاء والودائع وشبكات التجارة.
ولعل هذه فرصة تاريخية لاستعادة الثقة في العمل المصرفي السوري وليكن هدف الحكومة السورية عام 2030 جعل سوريا مصرفياً “سويسرا الشرق الأوسط”.