
رئيس تحرير صحيفة الثورة السورية
الافتتاحية بقلم رئيس التحرير
بعد سبعة وأربعين عاماً، أُسدل الستار على واحد من أثقل الملفات التي قيدت حضور سوريا عالمياً. فقد أعلنت الولايات المتحدة، الإثنين، إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعية للإرهاب، بعد انتهاء فترة المراجعة التي أقرها الكونغرس (45 يوماً) من دون اعتراض. وبذلك خرجت سوريا رسمياً من القائمة السوداء التي ارتبطت لعقود بسياسات النظام المخلوع وخياراته.
سبق قرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب قرارات أخرى، لا تقل أهمية عنه، منها إلغاء “قانون قيصر“، ورفع العقوبات الاقتصادية والقطاعية الشاملة عن سوريا، ورفع الحظر عن القطاعات الحيوية، والإفراج البريطاني المبكر عن أصول البنك المركزي، ومراجعة قوائم العقوبات الفردية للأمم المتحدة.
تحمل الخطوة الجديدة وزناً كبيراً على المستويين السياسي والاقتصادي. فتصنيف الدولة على قائمة الدول الراعية للإرهاب يترتب عليه قيود تطول المساعدات والتعاملات المالية وبعض مجالات التجارة والاستثمار، إضافة إلى قيود لوجستية وأخرى مرتبطة بالتسليح أو التعامل مع الجيش السوري، وجميعها أسهمت خلال السنوات الماضية في عزل سوريا عن النظام الدولي.
ومع إلغاء التصنيف، تُزاح أبرز العقبات القانونية والسياسية أمام عودة المؤسسات السورية إلى شبكة التعاملات الدولية، وتصبح فرص الاستثمار وإعادة الإعمار أكثر اتساعاً.
تتجاوز أهمية القرار المصارف وحركة رؤوس الأموال، فسوريا التي عانت سنوات طويلة من العزلة تحتاج اليوم إلى استعادة موقعها الطبيعي في محيطها العربي والدولي، وإلى بناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والوضوح والاحترام، ويعني ذلك أن تكون الدولة قادرة على تقديم صورة مختلفة عن الماضي، تتمثل في مؤسسات تعمل وتُدار بالقانون، واقتصاد منفتح، وإدارة عامة أكثر مسؤولية، وسياسة خارجية تبحث عن الشراكات البناءة بدلاً من التحالفات المؤذية.
الشعب السوري هو الوحيد الذي دفع ثمن سياسات الفترة الماضية، ومن المفترض أن ينعكس الانفتاح الجديد على فرص العمل، وتحسين الخدمات، وإعادة بناء المدن والبنى التحتية المدمرة أو المتهالكة، وتنشيط الإنتاج، واستعادة دورة الحياة الاقتصادية.
التحول الجديد، على أهميته البالغة، لا يلغي بقية التحديات، ولا يعني أن الطريق إلى التعافي قد انتهى، فما تحقق حتى الآن يزيل حاجزاً مهماً وأساسياً في طريق التعافي الكامل والتام، لكنه يضع المؤسسات الرسمية السورية والقطاع الخاص أمام مسؤوليات أكبر، حيث ينتظر السوريون ترجمة المكاسب الخارجية على أرض الواقع، من خلال انعكاسه على الواقع المعيشي اليومي وهو الأولوية لدى المواطن السوري اليوم.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تشريعات واضحة، وبيئة استثمار آمنة، ونظام مالي قادر على استعادة الثقة، ومكافحة فعّالة وعملية للفساد ومخلّفاته، وتحويل الفرص السياسية إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية.
سنوات طويلة من المعاناة، عاشها السوريون تحت وطأة عقوبات لا ذنب لهم فيها، انعكست بشكل مباشر على حياتهم اليومية وواقعهم المعيشي، وتسببت بقيود شلّت بعض القطاعات، إلا أن رفع تلك العقوبات والقيود اليوم يفتح الباب أمام مستقبل أفضل للبلاد، يحلم به السوريون.