
بين “فرصة جديدة للدبلوماسية” و”الفرص الضائعة” واعتبار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير “الشخص الذي يخدم مصالح العدو”، تنوعت آراء الصحافة الإيرانية ومواقفها حول آخر تطورات المواجهة الإيرانية-الأميركية وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب “الحرب الاقتصادية” وفرض عزلة غير مسبوقة على إيران.
وإذ يرى التيار المتشدد أن الحرب الاقتصادية “نتيجة للفشل الذي مني به ترمب في الميدان حيث إنه لم يحقق أي انتصارات عسكرية”، وبالتالي هذه المواجهة “ليست إلا وسيلة للخروج الأميركي من مستنقع الحرب”، يعتقد التيار الإصلاحي والمعتدل أن إيران “ضيعت فرصا عديدة للاتفاق والمسارات الدبلوماسية وتواجه حاليا أفقا مظلما”.
وقال المتحدث باسم “الحرس الثوري” الجنرال حسين محبي إن إيران لها معاملات اقتصادية بالقرب من الولايات المتحدة، وإن الإدارة الأميركية “سترى نتائج حربها الاقتصادية في المستقبل القريب… وإن العدو في حالة حرب ليجعلنا نصدق أنه ينتصر”. وأضاف: “هذه الحرب مواجهة بين أكبر قوة عسكرية في العالم ودولة تخضع للعقوبات منذ 47 عاما. ليست هذه الحرب تقليدية ومتكافئة بل هي حرب معرفية تدعمها أدوات عسكرية. أرادت الولايات المتحدة التي هي عدوة الشعب الإيراني أن تقدم نفسها بصفة منقذ الشعب الإيراني ولكنها تسعى لنهب ثروات الشعب وأن تقدم خادمي الشعب بصفتهم خونة. الهزيمة النكراء التي مني بها العدو في المواجهة العسكرية هي السبب الرئيس في إطلاق الحرب الاقتصادية على إيران”.
وخاطب حسين محبي الولايات المتحدة، قائلا: “لو انتصرتم في المواجهة العسكرية لما كان ضروريا أن تشنوا حربا اقتصادية. الحرب الاقتصادية ليست جديدة لأنكم تشنون الحرب الاقتصادية علينا منذ 47 عاما. لقد فرضتم العقوبات على كافة أركان اقتصاد البلاد ولكنكم تسعون حاليا إلى ترسيم الوعي العام. لقد أعلنا مرارا أننا نملك سيناريوهات لكل خطوة من العدو، والحرب الاقتصادية جزء منها. نملك سيناريو لتجنب تداعياتها وإقامة علاقات اقتصادية مع الدول بسهولة. لا نشعر أبدا بالقلق في المجال الاقتصادي”. كما خاطب حسين محبي الرئيس ترمب، قائلا: “لقد أرسلت كل تجهيزاتك العسكرية للمنطقة بهدف إغلاق مضيق هرمز ولكنك لم تستطع. هل تعلم مع من تحارب؟ وبمن تريد إلحاق الهزيمة؟ لقد انهزمت أميركا الآن لأنها لو لم تهزم لما كانت تراجعت وأعلنت عن الحرب الاقتصادية”.
هل تنفع “الدبلوماسية القسرية”؟
ومقابل نبرة التحدي من “الحرس الثوري”، تؤكد صحف إصلاحية على ضرورة “إعطاء فرصة جديدة” إلى الدبلوماسية والوسطاء. وكتبت صحيفة “اعتماد” مقالا بعنوان “فرصة أخرى للدبلوماسية وقراءة في زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الأخيرة إلى طهران”. وترى أن “هذه الزيارة محاولة لتقييم مدى احتمالية استئناف المسار الدبلوماسي عبر الضغط ولكن طهران تحاول أن تستخدم هرمز لزيادة التكلفة الاقتصادية للولايات المتحدة والعالم”
ويقول الباحث والخبير في العلاقات الدولية رحمن قهرمان بور في حوار مع “اعتماد” إن الطرف الباكستاني أبلغ مواقف الإدارة الأميركية الجديدة لإيران.
لقد أعلن ترمب تجميد المفاوضات مع طهران ولكن التجارب السابقة تظهر أن ترمب سيتجه مرة أخرى إلى المفاوضات بعد اتخاذ عدة مواقف حادة ومتشددة لأنه يتصور أنه سيدخل المفاوضات من موضع القوة في هذه الحالة و”يتصور ترمب حاليا أن الضغوط تتصاعد على طهران. وبالتالي فإن الولايات المتحدة قادرة من خلال الدبلوماسية القسرية ومن موضع القوة تقديم مقترح جديد إلى إيران وتجربة حظوظ استئناف الدبلوماسية التي تبقى مرهونة أيضا في نسبة فشلها أو نجاحها بتقييم مسؤولي الجمهورية الإسلامية من الأوضاع الداخلية والخارجية ومدى قدرة إيران على تحمل الظروف هذه. ويحاول الطرفان في أي مسار دبلوماسي نزع الحد الأقصى من التنازلات من الآخر وتقديم الحد الأدنى من التنازلات”.
ما حسابات طهران وواشنطن؟
وقال قهرمان بور إن حسابات طهران أن ترمب يخضع لضغوظ كبيرة لأن الولايات المتحدة على أعتاب الانتخابات النصفية وأن أسعار النفظ في الارتفاع وهناك حالة من الاستياء لدى حلفاء واشنطن. وبالتالي فإيران ترى أن استمرار التصعيد أو استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يسهم في تقليل حظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية. وتعتقد إيران في حساباتها أن الوقت الراهن هو الأنسب في ممارسة الضغوط على واشنطن وترمب لأنها قد تفضي إلى تقديم الإدارة الأميركية تنازلات أكثر. و”هذا السبب في التأكيدات الصادرة من إيران بأن مضيق هرمز لا يفتح وأن ترمب عليه تقديم تنازلات. من جهة أخرى تعتقد الإدارة الأميركية بنجاح الحصار البحري والعقوبات وتتصور الولايات المتحدة أن إيران في حالة ضعف مما يشجعها على تقديم تنازلات أكثر”.
الهروب من هزيمة الميدان عبر خديعة المفاوضات
كتبت صحيفة “كيهان” المتشددة تقريرا حول زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران واصفة الزيارتين بأنهما “مرحلة جديدة من عمليات الخداع التي تمارسها الإدارة الأميركية وليس مبادرة مستقلة”. وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة التي “تواجه استنزافا كبيرا في أسطولها الحربي وأزمة طاقة وتضخما تسعى لاستخدام عصا العقوبات من جهة وجزرة الرسائل الدبلوماسية من جهة أخرى بهدف التغطية على هزيمتها الاستراتيجية”. وتابعت الصحيفة: “لكننا نقول للمخادعين إن الجمهورية الإسلامية كشفت حسابات المخادعين وتعلم أن هدف هذه الزيارات هو توجيه الانتقادات الأحادية إلى إيران وتشجيع طهران على تقديم تنازلات دون مقابل حقيقي”.
واتهمت “كيهان” قائد الجيش الباكستاني بأنه يخدم الأهداف الأميركية في طهران ولاسيما بعد أن أجرى المسؤول الباكستاني مكالمة هاتفية مع ترمب مما يدل على أن هذه الزيارة لم تكن تحركا دبلوماسيا متوازنا بل كانت مهمة أوكلتها واشنطن له.
وتابعت الصحيفة أن الولايات المتحدة التي راهنت في السابق على نجاح الحصار البحري بشكل فوري انسحبت من الاتفاقيات واعتبرت نفسها في غنى عن المفاوضات ولكنها تراجعت الآن بسبب الضغط الاقتصادي الهائل عليها. وقالت: “لم يؤد إرسال حاملات الطائرات والبوارج الأميركية إلى المنطقة إلى قوة الولايات المتحدة بل إن واشنطن تواجه تحديين كبيرين حاليا تتمثلان في استنزاف كبير لجنودها وتحشيداتها العسكرية في المهمات طويلة الأمد والتهديدات الإيرانية بإطلاق النار باتجاه بوارجها التي تفرض حصارا بحريا على إيران. وبالتالي فإن الحقيقة شيء آخر. واشنطن بحاجة ماسة إلى عودة إيران لطاولة المفاوضات بهدف الهروب من أزمة الطاقة التي خلقتها بنفسها والخروج من مأزق حرب هرمز”. كما اعتبرت “كيهان” أن الجهد والتدبير مفتاح حل المشاكل الاقتصادية وليس الضعف الدبلوماسي.
هذا ويرى حسين مرعشي، الأمين العام لـ”حزب كوادر البناء”، فصيل الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، في مقال بعنوان: “من اتفاق جيد إلى أفق مظلم” في جريدة “سازندكي” في 22 أغسطس/آب، يرى أن البلاد تواجه مشكلة حقيقية اليوم وهي “حالة الارتباك والمراوحة في صناعة القرار مما يؤثر على مستقبل هرمز ومسار العلاقات الخارجية. وأن تثبيت وقف إطلاق النار والحفاظ على القدرة الهجومية إنجاز إيراني مهم بعد الحرب”.
وأضاف أنه “بالرغم من قصف أكثر من 16 ألف نقطة في إيران خلال الحرب فإن الطرف الآخر لم ينجح في تعطيل القدرة الهجومية الإيرانية. وبعد ذلك تمكن الجهاز الدبلوماسي من تحويل هذا الإنجاز الميداني إلى فرصة سياسية والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. حيث إن مفاد الاتفاق في معظمه في مصلحة إيران”.
كما اتفقت طهران وواشنطن إلى وقف إطلاق النار خلال تشييع “المرشد” علي خامنئي.