بغداد – دخلت العلاقة بين العراق والولايات المتحدة مرحلة أكثر حساسية، بعدما باتت الشراكة بين بغداد وواشنطن تتقاطع بصورة مباشرة مع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة: النفوذ الإيراني داخل العراق.
ويأتي لقاء رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي مع القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشوا هاريس، الجمعة، في توقيت بالغ الدلالة، إذ تبحث واشنطن توسيع التعاون مع بغداد، بينما تكثف في الوقت نفسه ضغوطها الاقتصادية على إيران وشبكة علاقاتها الإقليمية.
ولم يعد العراق بالنسبة إلى الولايات المتحدة مجرد شريك أمني أو ساحة لمحاربة التنظيمات المسلحة، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران. وتكشف التحركات الأميركية الأخيرة أن واشنطن تنظر إلى بغداد باعتبارها إحدى النقاط التي يمكن من خلالها تقليص قدرة طهران على استخدام التجارة والقطاع المالي العراقي كمنفذ لتخفيف أثر العقوبات.
وتملك الولايات المتحدة ورقة شديدة الحساسية في التعامل مع العراق تتمثل في موقعها داخل النظام المالي العراقي، ولا سيما ارتباط الإيرادات النفطية العراقية بالنظام المالي الدولي واستخدام الدولار في التجارة والتحويلات.
وتقول تقارير حديثة إن واشنطن بدأت بالفعل استخدام نفوذها المالي للضغط على شبكات مرتبطة بإيران داخل العراق، بما في ذلك فرض عقوبات على مصارف عراقية، ووقف بعض عمليات نقل النقد، مع التلويح بإجراءات أوسع ضد الأطراف التي تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات.
وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة لأن العراق ليس طرفاً بعيداً عن الاقتصاد الإيراني. فالتجارة بين البلدين تجاوزت 10 مليارات دولار خلال عام 2025، فيما تعتمد بغداد على إيران في قطاعات حيوية، بينها الطاقة والسلع والخدمات. وهذا يجعل أي محاولة سريعة لفك الارتباط الاقتصادي بين البلدين محفوفة بتداعيات داخلية.
وبالتالي، فإن المطلوب أميركياً لا يبدو مجرد قطع العلاقات العراقية مع إيران، وإنما إعادة ضبط طبيعة هذه العلاقات بحيث لا تتحول إلى قنوات لتمويل الاقتصاد الإيراني أو الالتفاف على العقوبات.
بالنسبة إلى حكومة الزيدي، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فبغداد تحتاج إلى العلاقة مع واشنطن لتطوير الاقتصاد والطاقة والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل عمق الروابط الجغرافية والاقتصادية والسياسية مع طهران.
وقد برز هذا التوازن بوضوح خلال تحركات الزيدي الخارجية خلال الأشهر الماضية. فبعد زيارته واشنطن، التي ركزت على الاستثمار والطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي، توجه أيضاً إلى طهران، حيث أبرم الجانبان اتفاقات ومذكرات تفاهم شملت مجالات اقتصادية ومالية وطاقة.
وتشير هذه التحركات إلى محاولة بغداد اعتماد سياسة تنويع الشراكات بدلاً من الاصطفاف الكامل. وهي سياسة تمنح العراق هامشاً للمناورة، لكنها في المقابل تضع الحكومة أمام اختبار متزايد مع واشنطن، خصوصاً إذا اعتبرت الإدارة الأميركية أن بعض العلاقات الاقتصادية العراقية مع إيران تتجاوز حدود التعاون التجاري الطبيعي.
واشنطن تربط بصورة متزايدة بين مستقبل الشراكة مع بغداد وبين قدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وحصر السلاح بيد الدولة
ولا ينفصل الملف الاقتصادي عن البعد الأمني. فالولايات المتحدة تربط بصورة متزايدة بين مستقبل الشراكة مع بغداد وبين قدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وحصر السلاح بيد الدولة.
وكانت واشنطن قد حذرت في وقت سابق من أن إشراك فصائل تصنفها إرهابية في الحكومة العراقية لا ينسجم مع الشراكة التي تريدها مع بغداد. كما ركزت إدارة ترامب خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن على الاستثمار والطاقة بالتوازي مع الضغط من أجل خطوات أمنية تحد من نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.
وهنا تتداخل الملفات الثلاثة: المال والسلاح والسياسة الخارجية. فكل تقدم عراقي باتجاه واشنطن قد يُقرأ في طهران باعتباره تراجعاً في مساحة نفوذها، وكل توسع في العلاقات الاقتصادية مع إيران قد يثير في المقابل تحفظات أميركية.
الأهمية الجديدة للعراق في الاستراتيجية الأميركية تنبع من أن واشنطن تستطيع ممارسة ضغط أكبر على إيران من خلال النظام المالي العراقي دون الدخول بالضرورة في مواجهة مباشرة مع بغداد.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن العراق قد يتحول إلى نموذج لاختبار قدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها في النظام المالي العالمي للضغط على شركاء إيران التجاريين، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي أكثر تعرضاً للمنظومة المالية التي تقودها الولايات المتحدة من اقتصادات إقليمية أخرى.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر على الطرفين. فالتضييق السريع على التجارة العراقية مع إيران قد يرفع كلفة السلع والطاقة ويضغط على الاقتصاد العراقي، بينما قد يؤدي الضغط المفرط على بغداد إلى دفع قوى سياسية عراقية نحو مزيد من التشدد في مواجهة واشنطن.
ولهذا تبدو المعركة الحقيقية أمام الزيدي هي إعادة تعريف العلاقة مع إيران من دون قطعها، وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة من دون تحويل العراق إلى أداة في استراتيجية احتواء طهران.
في المحصلة، لا يتعلق الصراع الأميركي–الإيراني في العراق فقط بمن يمتلك نفوذاً أكبر، وإنما بمن يملك القدرة على التأثير في القرار الاقتصادي والسياسي العراقي.
وتسعى واشنطن إلى جعل العراق أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، وأكثر اعتماداً على المؤسسات الرسمية، وأقل قابلية لاستخدام قنواته المالية والتجارية لخدمة المصالح الإيرانية. في المقابل، تتمسك طهران بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية التي راكمتها داخل العراق على مدى سنوات.
وبين الطرفين تقف بغداد أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل موقعها الجغرافي والسياسي من نقطة صراع بين واشنطن وطهران إلى مساحة توازن ومصلحة وطنية؟
الإجابة ستتحدد بدرجة كبيرة بقدرة حكومة الزيدي على بناء اقتصاد عراقي أقل اعتماداً على أي طرف خارجي، وعلى فرض سلطة الدولة على المال والسلاح، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوتين المتنافستين. فالعراق لم يعد مجرد ساحة خلفية للصراع الأميركي–الإيراني، بل أصبح أحد ميادينه الرئيسية، وربما أكثرها حساسية.