دمشق – لم تعد سوريا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، بل تحولت تدريجياً إلى اختبار مباشر لحدود النفوذ التركي، في مواجهة إسرائيل التي تبدو مصممة على منع أنقرة من ترسيخ حضور عسكري وأمني واسع داخل البلاد. ومع تصاعد التوتر بين الطرفين، باتت دمشق نفسها في قلب مواجهة غير مباشرة بين مشروعين متنافسين لإعادة تشكيل التوازنات السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
آخر فصول التصعيد جاء في أغسطس، عندما شنت إسرائيل غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع. وقالت إسرائيل إن الضربة استهدفت منع تموضع عسكري تركي تعتبره تهديداً لأمنها، فيما نفت أنقرة ودمشق وجود حشد عسكري تركي في القاعدة.
لكن اللافت أن الضربة لم تبقَ في حدود رسالة عسكرية موجهة إلى دمشق، بل تحولت سريعاً إلى مواجهة سياسية مباشرة مع أنقرة. فقد اتهم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ«جر تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا»، محذراً من أن إسرائيل لن تسمح لأي طرف بتهديد أمنها.
في المقابل، ردت تركيا برفض ما وصفته بالتدخلات الإسرائيلية، مؤكدة استمرار دعمها لتطوير القدرات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية السورية. وهذه النقطة تحديداً تكشف جوهر الخلاف: أنقرة لا تنظر إلى سوريا باعتبارها ملفاً خارجياً تقليدياً، وإنما تعتبر استقرارها ووحدة أراضيها جزءاً من أمنها القومي.
تأتي المواجهة في لحظة تحقق فيها تركيا أحد أهم أهدافها الاستراتيجية في سوريا، مع تراجع الدور المستقل للقوى الكردية المسلحة. ففي 25 أغسطس أعلنت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» حل نفسها في إطار اتفاق للاندماج في مؤسسات الدولة السورية، وهو تحول رحبت به أنقرة باعتباره خطوة مهمة نحو تعزيز وحدة سوريا.
والأهم أن قائد «قسد» السابق مظلوم عبدي عُيّن مستشاراً للرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة تعكس انتقال العلاقة بين دمشق والقوى الكردية من الصراع المسلح إلى مسار الاندماج السياسي والمؤسسي.
بالنسبة إلى تركيا، يمثل هذا التطور مكسباً أمنياً مهماً؛ إذ لطالما اعتبرت «قسد» و«وحدات حماية الشعب» امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وربطت إنهاء التهديد على حدودها بإنهاء البنية العسكرية الكردية المستقلة في شمال سوريا.
لكن ما تعتبره أنقرة تقدماً نحو سوريا موحدة، قد تنظر إليه إسرائيل من زاوية مختلفة تماماً. فاندماج «قسد» داخل الدولة السورية يعني، عملياً، توسع قدرة دمشق على استعادة السيطرة المركزية، مع استمرار الدور التركي في تدريب ودعم المؤسسات العسكرية السورية.
وهنا تتقاطع المصالح التركية والسورية بصورة أوضح، في وقت تحاول فيه إسرائيل بناء ترتيبات أمنية مختلفة في الجنوب السوري، والحفاظ على حرية الحركة العسكرية ومنع أي قوة إقليمية من امتلاك موطئ قدم يمكن أن يقيد عملياتها.
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق فقط بوجود قوات تركية، وإنما بما يمكن أن ينتج عن هذا الوجود على المدى الطويل. فتركيا تمتلك نفوذاً سياسياً متنامياً في دمشق، وتقدم دعماً عسكرياً وأمنياً للحكومة السورية، فيما تستعد سوريا الجديدة للانفتاح الاقتصادي والسياسي على العالم.
لم تعد المعادلة السورية تُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يستطيع التأثير في شكل الدولة والجيش والحدود والتحالفات
وفي 24 أغسطس، أزالت الولايات المتحدة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تفتح الباب أمام مزيد من الاستثمار والتعامل المالي الدولي مع دمشق. كما تعززت العلاقات بين واشنطن والحكومة السورية الجديدة، بما يمنح الأخيرة مساحة أكبر لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
هذا التحول يضيف بعداً آخر إلى الحسابات الإسرائيلية. فسوريا التي كانت لعقود دولة منهكة ومعزولة، بدأت تتحول إلى دولة تحاول استعادة مؤسساتها وسيادتها، مع دعم تركي وأميركي متزايد. وإذا نجحت دمشق في إعادة بناء جيش مركزي، فإن السؤال الإسرائيلي لن يكون فقط عن مستقبل الجنوب السوري، بل عن طبيعة القوة التي ستتشكل في بقية البلاد ومن سيكون صاحب التأثير الأكبر عليها.
ومن هنا يمكن فهم الحساسية الإسرائيلية تجاه أي دور تركي في القواعد العسكرية السورية. فالضربة على أبو الظهور حملت رسالة مزدوجة: إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة لمنع تموضع تعتبره خطراً، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن ضرب مصالح تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، يمكن أن يقود إلى أزمة أكبر بكثير.
وقد حذر المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم باراك من أن الضربة الإسرائيلية على أبو الظهور قد تؤدي إلى تداعيات غير مقصودة، مشيراً إلى مخاوف من أن تؤدي المواجهة إلى احتكاك مباشر بين إسرائيل وتركيا.
اختبار أردوغان
بالنسبة إلى أردوغان، يصعب التراجع عن الساحة السورية في هذه المرحلة. فتركيا استثمرت سياسياً وعسكرياً في بناء علاقة وثيقة مع دمشق، وتعتبر وجود حكومة سورية قوية وصديقة على حدودها مكسباً استراتيجياً، خصوصاً بعد سنوات من الحرب والصراع مع القوى الكردية.
كما أن إنهاء الدور العسكري المستقل لـ«قسد» يمنح أنقرة فرصة للانتقال من سياسة احتواء الخطر الكردي إلى المشاركة في صياغة الدولة السورية نفسها.
لكن هذا الطموح يصطدم بإسرائيل التي تريد هي الأخرى أن تكون لها كلمة حاسمة في شكل الترتيبات الأمنية السورية، خصوصاً في الجنوب والحدود مع الجولان. ولذلك فإن الصراع بين الطرفين قد لا يتطور بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنه مرشح لأن يأخذ شكل حرب نفوذ طويلة: إسرائيل تضغط عسكرياً لمنع التمدد التركي، وتركيا تستخدم نفوذها السياسي والعسكري داخل سوريا لترسيخ موقعها.
وتبدو دمشق المستفيد والخاسر المحتمل في الوقت نفسه. فمن جهة، يمنحها التنافس الإقليمي هامشاً للمناورة والحصول على دعم خارجي، ومن جهة أخرى قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوتين كبيرتين تريد كل منهما التأثير في مستقبلها الأمني.
في النهاية، لم تعد المعادلة السورية تُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، بل بمن يستطيع التأثير في شكل الدولة والجيش والحدود والتحالفات. وإذا كانت أنقرة قد حققت مكسباً مهماً بحل «قسد» واندماجها في الدولة، فإن إسرائيل تبدو مستعدة لاختبار حدود هذا المكسب.
ولهذا قد تكون سوريا خلال المرحلة المقبلة أكثر من مجرد ملف في الخلاف التركي-الإسرائيلي؛ إنها الساحة التي سيتحدد فيها ما إذا كان أردوغان قادراً على تحويل نفوذه السوري إلى نفوذ إقليمي مستدام، أم أن إسرائيل ستنجح في وضع سقف لهذا الطموح قبل أن يتحول إلى واقع يصعب تغييره.